روح المجالس للأستاذ أحمد أمين

روح المجالس

روح المجالس للأستاذ أحمد أمين . هل للمجالس أرواح ؟ وهل تتأثر بأرواح الجالسين ؟ وما هي العوامل التي تؤثر في روح المجلس فيكون المجلس فكاهياً أو وقوراً أو حزيناً ؟ مقالة فلسلفية فيها تأمل وتفكر عجيب. انتقل مع تأملات الأستاذ أحمد أمين في هذا الموضوع لتعرف روح المجلس الذي اعتدت عليه وهل يمكنك تغيير حالته وإضفاء روح أجمل عليه .

المقال موجز مختصر في ٧٤١ كلمة و ٤٧ فقرة يستغرق ٣ دقائق و ١٢ ثانية للقراءة الصامتة

روح المجالس للأستاذ أحمد أمين

روح المجالس (2) لـ #الأستاذ_أحمد_أمين

الأستاذ أحمد أمين  لعل للمجالس روحاً كالتي للأفراد، فقد تكون روح المجلس مرحة فكهة، وقد تكون مُتَزَمِّتَةً جامدة،

ثم قد تكون أحياناً خفيفة رقيقة، وأحياناً ثقيلةً غليظة، ثم قد تكون أحياناً ضاحكة مستبشرة، وأحياناً عابسة مكتئبة.

وروح المجالس كروح الأفراد، صعبة التعريف، غامضة التعليل، فمن أين تتكون؟

هل تتكون من روح الأفراد الذين يضمهم المجلس؛ فتكون روح المجلس حصيلة روح الأفراد؟

الظاهر أن ليس الأمر كذلك؛ لأنا نرى أن روح المجلس تتأثر أكثر ما تكون بفرد أو فردين؛ لامتيازهما بشخصية قوية أكثر مما تتأثر ببقية الحاضرين؛

فإنا نرى المجلس يحضره نابغة في الفكاهة؛ فتكون روح المجلس فكهة ضاحكة، حتى ليضحك الحاضرون من أتفه شيء وأخف نكتة،

ويضفي هذا النابغة على المجلس من روحه حتى تتلاشى كل روح ما عداه.

وقد يكون في المجلس نابغة في العقل أو في التفكير؛ فيصطبغ المجلس كله بروح العقل والتفكير مهما كان فيه من أشخاص قليلي العقل قليلي التفكير.

فليست روح المجلس حصيلة روح الحاضرين إلا إذا قلنا إنها تتكون من الحاضرين، ولكن لا بمقدار واحد، بل بمقدار ما لهم من شخصية قوية أو ضعيفة.

وتختلف روح المجلس كذلك باختلاف طبائع الحاضرين؛

فالمجلس إذا تكون من نساء فقط كان له روح خاصة غير روح المجلس إذا تكون من رجال فقط،

وهما غير روح المجلس يتكون من رجال ونساء،

وروح مجلس الصبيان غير روح مجلس الشبان غير مجلس الشيوخ، فكل مجلس يستمد روحه من طبيعة نوع أفراده.

روح المجلس ليست تعتمد على روح أعضائه

وشيء آخر: وهو أن روح المجلس ليست تعتمد على روح أعضائه فقط، بل على مزاجهم _أيضاً_

لذلك نرى أن المجلس قد يضم أفراداً معينين فيكون فكهاً مرحاً مرة، وعابساً مكتئباً مرة أخرى، والحاضرون هم هم، لم يزد عليهم، ولم ينقص منهم،

ولكن اختلف مزاجهم، فكان مرَّة مزاجاً فكهاً، ومرَّة مزاجاً عابساً، فاختلفت روح المجلس باختلاف أمزجتهم.

ومن العوامل _أيضاً_ في تكوين روح المجلس موضوع الحديث، فقد يثقل الحديث وقد يَخِفّ؛ فتكون روح المجلس ثقيلةً أو خفيفة.

وقد يكون موضوع الحديث خفيفاً لطيفاً؛ فتخف روح المجلس وتلطف.

وأكبر دليل على ذلك أن المجلس قد يتغير حاله، وتختلف روحه مع بقاء الجالسين كما هم لم يزيدوا ولم ينقصوا؛ لتنقلهم في موضوعات مختلفة؛

فقد يثيرون موضوعاً فكهاً يستخرج الضحك من أعماق صدورهم؛ فتستولي على المجلس روحٌ فَكِهَةٌ ضاحكة،

ثم ينتقلون إلى حديث ديني وقور فيتوقر المجلس، ويتوقر الروح،

وقد ينتقلون بعد ذلك إلى حديث آسف حزين؛ فتحزن نفوسهم، وتتغير روح المجلس إلى روح حزينة، وهكذا…

بل إن مكان المجلس، وزمانه عاملان كبيران في روحه،

فإذا كان المجلس في بستان على نهر، والشمس ساطعة، والجو جميل، والمناظر فاتنة _ اكتست روح المجلس من هذا المنظر واصطبغت بصبغته.

وعلى العكس من ذلك إذا كان المجلس في حجرةٍ ثقيلةٍ في أثاثها، وَخِمَةٍ في هوائها فإن هذا المكان يشع ثقلاً على الروح، وانقباضاً في الصدر،

وكذلك شأن الزمان؛ فالسمر لا يحسن إلا ليلاً، فإن أنت عقدت مجلس سمر قبيل الظهر أو بعد الغداء كان المجلس أثقل ما يكون.

يتحكم في روح المجلس عدد الحاضرين

كذلك يتحكم في روح المجلس عدد الحاضرين، فالمجلس من اثنين له روح غير روح المجلس من ثلاثة، وللأربعة روح غير روح الخمسة،

فإذا زاد العدد زيادة مفرطة ضاعت الروح ولم يعد مجلساً، بل كان جماعة.

بل إن المناظر الطبيعية الجميلة تختلف روح مجالسها،

فجلسة القمر تحتاج إلى هدوء وتفكير في الفلسفة، ومنظر البحر الهائج يعدي النفوس؛ فتحتاج إلى مجلس هائج ونفوس متحركة،

وكذلك قل في منظر الزرع والشجر، أو قمم الجبال، أو طلوع الشمس، أو غروبها في البحر؛

فكلّ من هذا لا يناسبه إلا منادمة خاصة، وحديث خاص، وإلا فسد الطعم وساء الذوق.

وكما تموت روح الفرد قد تموت روح المجلس، فقد ترى جماعة اتخذوا شكل مجلس، ولكنه مجلس بلا روح،

كمجلس لا تعارف بين أصحابه، أو هم متعارفون ولكنهم متناكرون،

أو هم متعارفون متحابون ولكن انقبضت صدورهم لسبب ما؛ فنفروا من الحديث ولجأوا إلى الصمت،

فإن شئتَ فقل في هذا المجلس إنه مجلس بارد، وإن شئتَ فقل إنه مجلس ميت.

كل هذا أدركه من قبلنا، ولكن لم يعبروا عنه تعبيراً، فقد أدركوا المعنى الجزئي ولم يدركوا ما نسميه اليوم روح المجلس،

والأدب العربي مملوء بهذه النظرات.

ومع ذلك كله فلا تزال روح المجالس يكتنفها الغموض، شأنها شأن روح الأفراد، فقد تتفتح روح الفرد، وتنتعش، وتغمر بالسرور من غير سبب واضح،

وقد تنكمش، وتنقبض، ويعلوها الحزن والضيق من غير سبب واضح _ أيضاً _.

كذلك الشأن في روح المجلس،

قد يجتمع إخوان على أصفى ما يكونون روحاً وتجانساً وألفة، وتتهيأ جميع ظروف الزمان والمكان ويتنبؤون جميعاً بمجلس سار ممتع،

وإذا روح المجلس تنقلب ثقيلة بغيضة كريهة كأسوأ ما يكون.

وقد يخلو المجلس من شروط صفائه ومجلبة سروره، ثم يكون مجلساً ساراً ممتعاً، كل ذلك لأسباب قد تعرف وكثيراً ما تجهل.

 

__________

(2) فيض الخاطر، 8/ 189 _ 192.” 1 134

 

 

المقالات المختارة لأبرز كتاب المقالات العربية

المكتبة العربية الكبرى

Be the first to comment on "روح المجالس للأستاذ أحمد أمين"

تعليقك يثري الموضوع