السهولة الممتنعة والعامي الفصيح في أساليب الشيخ علي الطنطاوي – دراسة تحليلية 13\8

أساليب الشيخ علي الطنطاوي

دراسة تحليلية

بقلم : عبدالعظيم بدران

السهولة الممتنعة والعامي الفصيح

أخذ أسلوب الطنطاوي من طبعه، فقد كان متبسطا في شئون حياته مع أنَفة واعتزاز، يجمع بينهما في تناسق لافت وعجيب، فلا يجره التبسط إلى شيء من الهوان، ولا تأخذه الأنفة والعزة إلى شيء من الكبر. وعن صفة أسلوبه يقول عصام العطار[97]:

“إذا أردت يا قارئي أن تعرف ما هو السهل الممتنع حقيقة لا وصفا فاقرأ علي الطنطاوي أو اسمعه، فأسلوبه هو السهل الممتنع في صورة من أندر صوره، في سهولته وسلاسته وسلامته وبلاغته وسحره وحلاوته ودقته المدهشة في التصوير والتعبير، وقدرته الفائقة على تيسير العسير، وتقريب البعيد، والوصول بالأفكار والمشاعر والحقائق والمعارف بطريقة بسيطة مفهومة محكمة محببة، إلى الكبير والصغير، والمرأة والرجل، والمتعلم والعامي، من مختلف طبقات الناس”[98].

ومثالا على ذلك، يذيع الطنطاوي حديثه عن ظاهرة تربوية مهمة، فيقول:

“كان من المناظر المألوفة كل صباح، منظر الولد العَصيان، وأهله يجرونه، والمارة وأولاد الطريق يعاونونهم عليه، وهو يتمسك بكل شيء يجده، ويلتبط بالأرض، ويتمرغ بالوحل، وبكاؤه يقرِّح عينيه، وصياحه يجرِّح حنجرته، والضربات تنزل على رأسه، يساق كأنه مجرم عات، يرى نفسه مظلوما ويرى الناس كلهم عليه حتى أبويه”.

وبهذه الجملة القصيرة يلخص الطنطاوي شعور كل – أو معظم – الأطفال، حين يتمردون على أوامر أهليهم، ويتعرضون جراء ذلك للعقاب المادي أو المعنوي. فالطفل لا يجد نفسه إلا مظلوما في كل الأحوال، وهو لا يدري لتصرفات أهله مبررا إلا أنهم مزعجون أو “ظالمون”.

ويتابع: “فتصوروا أثر ذلك في نفسه، وعمله في مستقبل حياته. وما عجب أن تبكوا – يا أولادي – رغبة في المدرسة وقد صارت لكم جنات، وما عجب أن نبكي منها وقد كانت علينا جحيما. هي لكم مائدة، عليها الطعام اللَّذّ الخفيف في أجمل الأواني، وحولها الزهر والورد، وقد كانت لنا طعاما دسما ثقيلا، في أوسخ آنية وأقبح منظر”.

ولعل هذه من المواضع القليلة التي أجد أديبنا مبالغا فيها. إنني أعترف بالطبع بوجود تفاوت كبير بين حاضر التعليم وماضيه، ومع ذلك فقد كانت هناك أمور كثيرة تعدل كفة الميزان، والدليل على ذلك أن ذاك التعليم قد أخرج علماء موسوعيين، ما زال يصعب تخريج أمثالهم في العقود القليلة الماضية.

ثم يقول: “ولكن من استطاع منا أن يأكل أكثر، وأن يهضم ما أكل، وأن ينتفع به؟ أنتم على كل هذه المشهيات، أم نحن على كل تلك المنفرات؟”[99].

وهنا يترك الطنطاوي الإجابة لقارئه أو سامعه، وقلما كان يفعل ذلك.

ومن كلماته السهلة الممتنعة الممتزجة بالعامية الفصيحة:

“التأنق في تفخيم المساجد وتزويقها وزخرفتها مما لا يستحسنه الإسلام”[100]، فكلمة التزويق شائعة على ألسنة العامة، وهي فصيحة. و”هذي هي الدنيا: ارتفاع وانخفاض، امتلاء وفراغ، فقر بعده غنى، وغنى قد يأتي بعده الفقر، لا العالي يبقى فوق، ولا الواطي تحت”[101]. ويتجنب كثير من الكتاب والأدباء كلمة الواطي ظنا منهم أنها عامية وليست بالفصيحة. و”المعركة قد بدأت من زمان، وما معامل المحلة الكبرى ومصانع الطرابيس والزجاج إلا أعلام النصر في معركة الوطن، فلنمض فيها[102]. وكلمة “من زمان” شائعة عند الطنطاوي، كما هي عند العامة.

“ونثرت فيها من أول يوم بزور المقاومة والصدام”[103]. قال في الهامش: البزور من العامي الفصيح كالبذور.

“رفض الطلاب يوما الدخول إلى غرف الدراسة، وعم الهرج والمرج والصياح، وأنا مثل الأطرش في الزفة”[104]. وهذا التعبير أشهر ما يكون لدى العامة.

“الحياة مثل الناعورة، هل ترونها في الصورة؟[105] دولاب كبير علقت به دلاء وسطول، يكون السطل منها ملآن وهو فوق، كما كنا على عهد أبي، فينزل فارغا إلى الحضيض، كما نزلنا بعده”[106]. والدولاب: فارسي معرب.

“والأعور الدجال الثاني موشي ديان وقد فطس في أواخر عام 1981م”[107]. وفطس عامية فصيحة، وكانت هنا أكثر دلالة على المعنى المراد، وهو التعبير عن الموت حين يقع لعدو بغيض.

“فقال لي الصواف: هل تحب أن ندخل فنأكل؟ قلت: أفي هذا المكان؟! ووسط هذا الزحام؟! لا يا عم”[108]. والكلمة الأخيرة لا تكاد تعرف في الأساليب الفصيحة، رغم فصاحتها وسلامة تركيبها، وهذا من جمال أسلوبه

الهامش

[97] – صهر علي الطنطاوي، زوج ابنته بنان.

[98] – جريدة الشرق الأوسط، الأحد 4-7-1999م، ص16.

[99] – من حديث النفس، علي الطنطاوي ص49-50. ويتعرض فيها لقضية التعليم قديما وحديثا، في أكثر من موضع، ومن ذلك ما كتبه في الحلقتين 174، و175 من ذكريات، 6/245، بعنوان: “خواطر وصور عن التربية والمدارس والتعليم”، و”ما الذي يجعل تعليم الأمس أكثر رسوخا رغم مساوئه”؟.

[100] – ذكريات، علي الطنطاوي، 1/14.

[101] –  ذكريات، علي الطنطاوي، 1/184.

[102] – في سبيل الإصلاح، علي الطنطاوي ص49.

[103] – ذكريات، علي الطنطاوي، 1/88.

[104] – ذكريات، علي الطنطاوي، 1/163.

[105] – لعله يقصد صورة كان قد قرر أن يضعها بجوار هذه الكلمات، لكن طبعة الذكريات التي نقلت عنها تخلو من صورة ملازمة لهذه الفقرات.

[106] – ذكريات، علي الطنطاوي، 1/184.

[107] – ذكريات، علي الطنطاوي، هامش 1/67.

[108] – ذكريات، علي الطنطاوي، 5/169.

المصدر

فهرس البحث

Be the first to comment on "السهولة الممتنعة والعامي الفصيح في أساليب الشيخ علي الطنطاوي – دراسة تحليلية 13\8"

تعليقك يثري الموضوع