الاستهزاء بالعلماء بنسبتهم إلى فقه الحائض والنفساء

لطالما سمعنا وقرأنا كلاما يستهزئ فيه أصحابه بأهل العلم والفقهاء، ويصفونهم بنعوت تنقيصية كوصفهم إياهم بأنهم : ” أصحاب الحيض والنفاس”
وهؤلاء الجهلة الأفاكون لو سئلوا عن أبجديات الطهارة ومسائل الحيض والنفاس لما حاروا جوابا ولا قالوا صوابا، ولكنه “قلة الحياء والدين”.
ولقد كان جديرا بهؤلاء السفلة لو كان لهم عقل أن يعترفوا بفضل الفقهاء وما حباهم الله به من العلم والعبقرية.
فلقد فجروا نصوص الشريعة الخام واستنبطوا منها هذه الأحكام التفصيلية الدقيقة التي لن تجدها في غير هذا الفقه الإسلامي الزاخر الزاهر، وجمعوا النظير الى نظيره، والباب الى مشابهه، ونوعوا في التصانيف ما بين مبسوط ومختصر.

وبمناسبة ذكر (حيض النساء) فهو من أدق مسائل الفقه وأصعبها ومن أكثر ما تعم به البلوى ويكثر السؤال عنه، وهذا الإمام أحمد على جلالة قدره في الفقه والسنة يقول: “جلست في مسائل الحيض عشر سنين” نقله عنه تلميذه الأثرم.
وقال الإمام النووي في (المجموع) : ” اعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها وأتى فيه بنفائس لم يسبق إليها وحقق أشياء مهمة من أحكامها وقد اختصرت أنا مقاصده في كراريس وسأذكر في هذا الشرح ما يليق به منها إن شاء الله تعالى: وجمع إمام الحرمين في النهاية في باب الحيض نحو نصف مجلد وقال بعد مسائل الصفرة والكدرة لا ينبغي للناظر في أحكام الاستحاضة أن يضجر من تكرار مسائله”
وقال النووي أيضا: ” وكنت جمعت في الحيض في شرح المهذب مجلدا كبييرا مشتملا على نفائس ثم رأيت الآن اختصاره والإتيان بمقاصده”.

قلت: وكتاب أبي الفرج الدارمي (ت:449هـ) الذي اشار اليه النووي طبع بتحقيق أشرف عبد المقصود، (الصورة المرفقة) وقد أفدت منه كثيرا، وجميعه درر وعلوم لا يفهمها هؤلاء السفلة الساخرون.

وتتجلى عبقرية الفقهاء في تناولهم لمسائل هذا الباب في جملة أمور:
1- التقسيمات البديعة للحُيّض، ما بين مبتدأة، ومعتادة، ومميزة، ومحتارة.
2- تمييزهم دم الحيض من دم الاستحاضة بعلامات تدل على تمكنهم مما أسميه بالتشريح الفقهي، وجعلوا هذه العلامات هي اللون والألم والرائحة والكثافة والغلظة، وفصلوا في الألوان وحصروها كما هي في واقع النساء وهي: الأسود والأحمر القاني، والأشقر، والأكدر، والأصفر والتربي.
3- بيانهم لعلامات الطهر من الحيض بما قد لا تعرفه حتى النساء أنفسهن، فتكلموا عن الصفرة والكدرة وعن القصة البيضاء وعن الجفوف وبينوا ما يكون منها علامة على انقطاع الدم وما لا يكون منها كذلك.
4- تحريرهم لمسائل المتحيرة (وهي التي لا تعرف حيضها من استحاضتها وليست لها عادة مضطردة) بما يدل على بلوغهم في الفقه شأوا بعيدا.
5- تحديدهم أكثر الحيض وأقله بما هو معروف من عادة غالب النساء.
6- وضعهم لقواعد مشاكل هذا الباب ليسهل على المفتي والمتفقه الاحاطة بمسائله واعطاء كل حالة حكمها اللائق بها، كقاعدة التلفيق (الطهر الذي يتخلل أيام الحيض)، وقاعدة: الرجوع للعادة عند الاشتباه، وقاعدة العمل بالتمييز عند نسيان العادة، الخ.
7- بيانهم المدلل والمعلل للأحكام المترتبة على كل حالة من حالات الحيض والاستحاضة.
8- بيانهم لحكم الاستمتاع بالمرأة المستحاضة، ومتى يجوز للرجل ان يجامعها ومتى يحرم عليه ومتى يكره.
9- ارشادهم للمرأة المستحاضة الى الطرق الفعالة لحبس الدم ومنع سيلانه بما يدلك على انهم ضربوا في الطب بسهم كبير.

قلت: فهذا شيء يسير جدا من تجليات العبقرية الفقهية في تناول مسائل الحيض، وكل ذلك وجميعه يدل على سعة الشريعة الاسلامية وتمامها وكمالها، وصدق ربنا سبحانه إذ يقول: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدة ورحمة وبشرى للمسلمين}

عبد الحميد بنعلي 13/ 7/ 1440هـ.

Be the first to comment on "الاستهزاء بالعلماء بنسبتهم إلى فقه الحائض والنفساء"

تعليقك يثري الموضوع