أمثلة للطباق والمقابلة من محاضرة البديع عند البلاغيين

أمثلة للطباق والمقابلة

أمثلة للطباق والمقابلة من محاضرة البديع عند البلاغيين .. تطلق كلمة البديع على الغريب العجيب ,أو الجديد الذي ينشأ على غير مثال سابق , وهي في أسماء الله تعالى بمعنى الخالق ابتداء لا عن مثال سابق 

أمثلة للطباق والمقابلة

البديع عند البلاغيين

تطلق كلمة البديع على الغريب العجيب ,أو الجديد الذي ينشأ على غير مثال سابق , وهي في أسماء الله تعالى بمعنى الخالق ابتداء لا عن مثال سابق ,

يقول تعالى ( بديع السموات والأرض , وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) البقرة 117

وفي الحديث الشريف بمعنى الحلاوة والطيب , يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في وصف تهامة :” إن تهامة كبديع العسل :

حلو أوله , حلو آخره ”

وقد استعمل الشعراء والكتاب البديع وألوانه ؛ لما فيه من طرافة وجمال ,

دون أن يلتزموا بشيء من القيود التي وضعها العلماء المتأخرون لمفهوم البديع كعلم له مصطلحاته وألوانه الخاصة التي تقتصر عليه ,وحدوده التي يعرف بها دون أن يسمحوا لغيرها أن تدخل منطقته .

فكل ماهو طريف وجميل ينطوي تحت كلمة البديع سواء كان جناسا أو طباقا , أو استعارة أو تشبيها أو إيجازا أو إطنابا وله أثر في تكوين العبارة وتصويرها وتزيينها .

وتنبه الشعراء بصفة خاصة إلى الأثر الذي يتركه هذا البديع فأولعوا به واستخدموه في أشعارهم باعتباره وسيلة للوصول إلى هذه الغاية : استعمله بشار بن برد , ومسلم بن الوليد , وابن الرومي , والبحتري ,

حتى أصبح البديع غاية في ذاته على يد أبي تمام .

أول من أطلق كلمة البديع

ويقال إن مسلم بن الوليد هو أول من أطلق كلمة البديع على هذا الفن وليس ابن المعتز , فقد جاء مسلم بهذا الذي سماه الناس البديع وشاعت هذه الكلمة حتى صارت في العصر العباسي تعني كل صورة غريبة أو طريفة أو جديدة حتى طغت على ألأساليب الشعرية أو النثرية .

جاء ابن المعتز (ت 296هـ ) وأراد أن يجمع شتات هذه الألوان البديعية المتفرقة في سلك واحد , فوضع اللبنة الأولى في بناء صرح البديع : جمع منه سبعة عشر لونا, وتباهي بعمله فقال وما جمع فنون البديع أحد قبلي ولا سبقني إليه مؤلف .

وعاصره قدامة بن جعفر (ت 337هـ) فجمع من ألوان البديع عشرين نوعا ، منها سبعة أنواع ذكرها ابن المعتز من قبل , فكان ما زاده قدامة ثلاثة عشر نوعا فتكامل لهما ثلاثون .

ثم تبعهما العلماء في رفع قواعد البناء , فجمع أبو هلال العسكري (ت 395هـ) سبعة وثلاثين نوعا مضيفا إلى قدامة سبعة أنواع أخرى .

وأتى ابن رشيق (ت463هـ ) فأضاف إلى البديع ما أضاف , حتى بلغ به خمسة وستين بابا كما يقول السبكي .

إلى أن جاء ابن سنان الخفاجي (ت 466هـ) فنظر في هذا الحشد من ألوان البديع فرأى بعضها ينشأ من وضع الألفاظ في مواضعها ,وبعضها يأتي من مناسبة الألفاظ للمعاني ,

فجعلها نوعين : قسم يتعلق بالألفاظ وآخر يتعلق بالمعاني .

فكانت هذه النظرة المتأملة الفاحصة مدخلا للعلماء المتأخرين أن يقسموا البديع إلى محسنات معنوية ومحسنات لفظية .

ثم رأينا ابن أبي الأصبع المصري (ت 654هـ) يتناول البديع فيبدع , ويذكر أنه وقف على أربعين كتابا في هذا الفن , وأخذ منها سبعين نوعا , واستخرج عشرين .

وصنف ابن منقذ (ت584هـ) كتاب التفريع في البديع جمع فيه خمسة وتسعين نوعا

كل ذلك وألوان البديع ينطوي تحتها ما يدخل في علم المعاني , وما يدخل في علم البيان , وما يدخل في علم البديع .

إلى أن جاء السكاكي (626هـ) وحاول أن يرسم الحدود بين هذه العلوم الثلاثة ويضع كلا منها موضعه الذي يراه فلا تختلط الحدود , ولا تتداخل الأمور .

فوضع أنواع البديع تحت اسم المحسنات وقسمها مهتديا بالخفاجي إلى محسنات معنوية , ومحسنات لفظية , وفصلها عن علم المعاني وعلم البيان .

بقيت خطوة أخيرة قام بها الخطيب القزويني (ت 739هـ) وهي أنه ضم هذه المحسنات التي ذكرها السكاكي تحت اسم البديع ,

وانتهت إلى ذلك علوم البلاغة بأقسامها الثلاثة :معان ,وبيان , وبديع .

ذكر الخطيب القزويني من البديع المعنوي ثلاثين نوعا . ومن اللفظي سبعة أنواع , وذكر أثناءها أمورا ملحقة بها تصلح أن تعد أنواع آخر.

وما جاء به الخطيب هو المعتمد حتى الآن في دراستنا للبديع , دون نظر إلى هذا السيل الجحاف الذي أتى به من قبله من ألوان البديع , ومن جاء بعده من أصحاب البديعيات , حتى وصلت على أيدي أصحابها إلى أكثر من مائتي نوع .

تعريف البديع

والبديع عند البلاغيين هو : علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية مطابقة الكلام لمقتضى الحال ورعاية وضوح الدلالة .

أي أن هذه الوجوه تعتبر محسنة للكلام بعد رعاية هذين الأمرين , وإلا لكان البديع كتعليق الدر على أعناق الخنازير .

وقد يخلو الكلام الفصيح البليغ عن صنعة البديع , كذلك يخلو الكلام الذي فيه صنعة البديع عن الفصاحة والبلاغة ,

فيظن أن الصانع يستحق المدح باعتبار صنعة البديع , والذم باعتبار فوات صناعة الفصاحة والبلاغة , كلا ليس الأمر كذلك ,

فصانع البديع لا يستحق المدح على الإطلاق وإنما يستحق المدح بعد رعاية شرائط البلاغة من رعاية المطابقة ووضوح الدلالة ,

ولذلك دخلت هذه الشرائط في تعريف البديع . فالبديع لا يكون بديعا إلا بمراعاة ما يدخل في نطاق المعاني والبيان ,

وحينئذ يعد الكلام الذي يشمل صنعة البديع هو أقصى مراتب الكلام في الكمال . فإذا عرفنا الكلام الكامل غاية الكمال قلنا :

إنه كلام بليغ موشي بالمحسنات البديـــــعية

ومحسنات الكلام : إما معنوية , وإما لفظية

فالمعنوي: هو ما يزيد المعنى حسنا , إما بزيادة تنبيه على كل شيء , أو بزيادة التناسب بين أجزاء الكلام , فبعض هذه المحسنات المعنوية _ إذن _ لا تخلو عن تحسين اللفظ .

واللفظي : هو ما يزيد الألفاظ حسنا , وإن كان لا يخلو عن تحسين المعنى .

وقد جرت عادة العلماء أن يبدأو بالمعنوي ؛ لأن المقصود الأصلي هو المعاني , والألفاظ توابع وقوالب لها .

المحسنات المعنوية

فمن المحسنات المعنوية :

الطباق

الطباق : ويسمى المقابلة والتطبيق والتضاد والتكافؤ .

وهو : أن يجمع بين متضادين , أي معنيين متقابلين في الجملة . وهو نوعان : حقيقي ومجازي , ويخص بعضهم الثاني باسم :

التكافؤ : فالطباق الحقيقي , ما كان بألفاظ الحقيقة , كقوله تعالى :

(وما يستوي الأعمى والبصير ,ولا الظلمات ولا النور , ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات )

والطباق المجازي : ما كان بألفاظ المجاز , كقوله تعالى ( أولئك اللذين اشتروا الضلالة بالهدى ) فإن اشتراء الضلالة وبيع الهدى لا يكون سبيل الحقيقة .

والطباق قد يكون طباق إيجاب كالأمثلة السابقة ,

وقد يكون طباق سلب كقوله تعالى ( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) الأعراف 146

فطابق بين لا يتخذه وبين يتخذوه

وهذه كلها أمثلة للطباق اللفظي.

وهناك نوع آخر من الطباق , هو الطباق المعنوي . وهو ما كان في المعنى وليس في اللفظ كقوله تعالى :(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء )

فقوله : يهديه ويضله من الطباق اللفظي .

وقوله : يشرح صدره مع قوله يجعل صدره ضيقا حرجا من الطباق المعنوي ؛ لأن معنى ” يشرح صدره ” يوسعه بالإيمان , ويفسحه بالنور وهو يطابق قوله : “ضيقا حرجا ”

وقد يكون الطباق خفيا ,كقوله تعالى : (ولكم في القصاص حياة ) البقرة 179

فالقصاص معناه : القتل , وهو سبب في الإبقاء على الحياة .

المقابلة

المقابلة : هي أن يأتي المتكلم بلفظين متوافقين فأكثر , ثم بأضدادها أو غيرهما على الترتيب .

والفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين :

أحدهما : أن الطباق لا يكون إلا بالأضداد , والمقابلة تكون بالأضداد وبغيرها , وإن كانت الأضداد أعلى رتبة وأعظم موقعا .

والثاني : أن الطباق لا يكون إلا بين ضدين فقط والمقابلة لا تكون إلا بما زاد عن ذلك من أربعة إلى عشرة , وكلما كثر عددها كانت أوقع .

مثال ذلك قوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) فأتى أولا بلفظين متوافقين وهما تكرهوا وخير , ثم أتى بضديهما . وهما: تحبوا , وشر.

وقوله تعالى 🙁 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى ,

وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) فقابل بين الأمر وما يتبعه ,

فقد أمر بثلاثة ونهى عن ثلاثة , ففي الآية مقابلة أربعة أشياء بأربعة أشياء .

هذه أمثلة المقابلة بالأضداد , وقد تكون المقابلة بغير الأضداد

كقوله تعالى : ( إن تصبك حسنة تسوءهم وإن تصبك مصيبة يفرحوا بها )

فضد الحسنة السيئة , والمصيبة تقارب السيئة , فكل مصيبة سيئة دون العكس ,

فالمناسبة ظاهرة بين الحسنة والمصيبة وإن لم يكن أحدهما ضد الأخر .

مراعاة النظير :

وهذا النوع سماه قوم بالتوفيق، وآخرون بالتناسب ، وجماعة بالائتلاف وبعضهم بالمؤاخاة .

وهو عبارة عن الجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد ، والمناسبة هنا عامة سواء كانت المناسبة في اللفظ مع المعنى ، أو في اللفظ مع اللفظ .

فمن مناسبة اللفظ مع المعنى قوله عليه السلام :

( ألا أخبركم بأهل الجنة :كل ضعيف متضعف ، أغبر ذى طمرين ،لا يؤبه به ، لو أقسم على الله لأبره .

ألا أخبركم بأهل النار :كل عتل جواظ متكبر ) أتى في أهل الجنة بألفاظ سهلة رقيقة وفي أهل النار بألفاظ جزلة شديدة , فوقع التناسب بين الألفاظ ومعانيها .

ومن مناسبة اللفظ مع اللفظ ,

قوله تعالى : ( الشمس والقمر بحسبان ) الرحمن 5

فكل منهما مناسب للآخر فالشمس آية النهار, والقمر آية الليل , ويشتركان في الإضاءة .

المشاكلة

المشاكلة : وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته .

كقوله تعالى : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) فالجزاء عن السيئة في

الحقيقة غير سيئة , والأصل : وجزاء سيئة عقوبة مثلها .

وقوله تعالى : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك )

والأصل : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك , فالله تعالى لا تستعمل في حقه لفظه النفس ,

إلا أنها استعملت هنا مشاكلة لما تقدم من لفظ النفس .

التورية

التورية : وهي أن تكون الكلمة محتملة لمعنيين , ويستعمل المتكلم أحد هذين الاحتمالين ويهمل الآخر , ومراده ما أهمله لا ما أستعمله .

أو يكون للكلمة معنيان : قريب وبعيد , ويراد البعيد منهما,

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ( قالوا تا لله إنك لفي ضلالك القديم ) يوسف 96

فكلمة الضلال تحتمل معنيين : ضد الهدى , وحب يعقوب عليه السلام لابنه يوسف ,

فاستعمله أولاد يعقوب بمعنى ضد الهدى تورية عن الحب , ليعلم أن المراد ما أهملوا لاما استعملوا.

أو نقول على التعريف الثاني :

كلمة الضلال لها معنيان : قريب وهو ضد الهدى , وبعيد : وهو الحب والمراد البعيد منهما .

مثال آخر للتورية : قول سراج الدين الوراق :

أصون أديم وجهي عن أناس لقاء الموت عندهم الأديب

ورب الشعر عندهم بغيـــض ولو وافى بــه لهم “حبيب”

قوله حبيب يراد معنيان قريب وبعيد , الأول حبيب من المحب , والبعيد أبو تمام واسمه حبيب بن أوس الطائي , وهو المراد .

Be the first to comment on "أمثلة للطباق والمقابلة من محاضرة البديع عند البلاغيين"

تعليقك يثري الموضوع