العلم بالتأليف للشيخ عبد العزيز المسعودي

العلم بالتأليف للشيخ عبد العزيز المسعودي

العلم بالتأليف للشيخ عبد العزيز المسعودي ، بالتأليف بقاءَ العلوم ونموَّها وانتشارها الذي به تقدم الأمة كما أن المؤلف يبقى ذكره حياً على ممر الزمان

العلم بالتأليف

للشيخ عبد العزيز المسعودي

علم الذين أوتوا العلم من المصريين ماهو التأليف والتدوين, فنبهوا الناس من سبات عميق,وأروهم كيف يكون التقدم بالمعارف؛ فكتب الكاتب,وتلاه المحرر,ثم المؤلف,

وقام الخطيب يشكر صنيعهم علماً منه أن الشكر داعية المزيد, فثارت النفوس, وتسابقت الهمم,

وكثرت التآليف التي هي حياة العلم,ولسانه الذي يناجي النفوس.

فما راعنا وقد كنا نرى المصري يؤلف في كتب هي سواد على بياض إلا وقد ألف في الفلسفة, والكيمياء, والبلاغة, والتفسير, وجاء بما يقرب من حد الإعجاز في الكتابة والإنشاء.

أما نحن رجال هذا القطر(1), فإنا نعرف مزية التأليف ونتيجة التحرير, ولكن لانكتب, ونتعلل بتعاليل لاتحط عنا واجباً.

وحيث كان من طرق الترغيب, والحث على العمل بيان الحقيقة والنتيجة,

رأينا أن نكتب كلمة في تاريخ التأليف بما يكون باعثاً على إيجاده من الذين توفرت فيهم شروطه, حتى يفيدوا الأمة,

وتنبعث فيها روح حياة لا موت بعدها, وبذلك يرجع عن فكره من كان يعتقد أن صناعة التأليف دفعت مع المتقدمين, ويعترف بكبر خطئه، وبُعْد خُطَاه.

فأقول: إن التآليف العربية كانت مجهولة عند المتقدمين, وما كان لهم إلا الشعر,وهومجمع أخبارهم, وفيه ذُكرت مفاخرهم بالضيف, والفصاحة, والسيف, وبه بلغت لغيرهم أخبارهم.

ولولا خِلالٌ سنَّها الشعرُ ما درىبُناةُ المعالي كيف تُبنى المكارمُومن ذلك مُدح الشعر عندهم,

وكانوا يفخرون به من هاته الفائدة, حتى قال شاعرهم:

أرى الشعر يحيي الجودَ والبأس بالذي
تبقِّيه أرواحٌ له عَطرِاتُ
وما المجدُ لولا الشعرَ إلا معاهِدٌ
وما الناسُ إلا أعظمٌ نخِرات

وكان العلم إذ ذاك كنزاً يبالغ في كتمانه من اهتدى إليه؛ ليمتاز به على غيره, إلى أن جاء الدين الحيف وسط بساطة البداوة,

وحرية الفطرة داعياً الناس إلى المساواة في الحقوق البشرية, آمراً بالتعليم والتعلم, وناهياً عن كتمان العلم, متوعداً بأشد العقاب من عرف علماً وأخفاه.

الاستغناء بالحفظ

وقد كانوا غير منشغلين بالتصيف, جارين على طريق العرب الأول للاستغناء بالحفظ؛

فأخذوا يتوجهون وجهة العلوم, وتولد فيهم حب استطلاعها,

وقد انتشر الإسلام, واتسعت مملكته, وحدثت الفتن,

فأول شيء عملوه في ذلك هو تدوين الحديث الشريف, وقوانين الشريعة السمحاء,

ثم اشتغلوا بالنظر والاستدلال والاستنباط, وتمهيد القواعد والأصول, وترتيب الفوائد والفصول,

وكان ذلك مصلحة عظيمة, ثم اشتغلوا بعد تدوين ذلك بتدوين فنون أخرى عند مسيس الحاجة إليها,

حتى ضُبطت جلُّ العلوم ودُوِّنت.

وبقوا ينقبون عن آثارها, ويتتبعون مظانها, ويستوضحون طرقها,

حتى أزاحوا عن كتب العلم الأرصاد, وعمدوا إلى تلك الكتب اليونانية والرومانية التي قامت دهوراً في محابسها لاينتفع منها أهلها فترجموها إلى العربية,

وقالوا في سبيل منفعة الكتابة أن عقل الإنسان لايقدر على استنباط العلوم الكثيرة,

فصار الإنسان إذا استنبط مقداراً من العلم أثبته بالكتابة,

فإذا جاء إنسان آخر, ووقف عليه, قدر على استنباط شيء أخر زائد على ذلك الأول.

كما قالوا: لا كلمة أضر بالعلم من قول القائل:

ما ترك الأول للآخر شيئاً+؛ لأن هذه الكلمة تقطع الآمال عن زيادة العلم على علم المتقدمين,

ويقتصر الآخر على ما قدمة الأول, وهو خطر عظيم وقول سقيم.

قل لمنْ لايرى المعاصر شيئاًويرى للأوائل التقديمااإن ذاك القديم كان حديثاًوسيبقى هذا الحديث قديماوفي سنة 697:

يقول الشيخ عبد العزيز الديريني في خاتمة كتابه ـ الروضة الأنيقة في بيان الشريعة والحقيقة ـ:

إذا حُقق أصل العلم، وعُرفت مواده، وجرت فروعه ، ولاحت أصوله _ كان الفهم فيه مبذولاً بين أهله,

فليس المتقدم فيه بأولى من المتأخر, وإن كان له فضيلة السبق؛ فالعلم حاكم، ونظر المتأخر أتم؛

لأنه زائد على المتقدم, والفتح من الله مأمول لكل أحد.

فوائد التآليف العامة والخاصة

وعسى أن يكون لهاته الكلمة أثر ٌفي بعض النفوس الحية, فتنتبه إلى فائدتي التآليف العامة والخاصة؛

فإن فائدة التآليف على المجتمع العمومي أشهر من أن تذكر, ويكفي أن يقال:

إن بها بقاءَ العلوم ونموَّها وانتشارها الذي به تقدم الأمة, وصلاحها الذي يرغب فيه؛ كما أن المؤلف يبقى ذكره حياً على ممر الزمان,

حتى كان جسده كذلك لايفوت إلا شبَحه إذا لم يكن له مثال, أو صوته إذا لم يتكلم أمام حفظ الصوت.

الهامش

(*) مجلة السعادة العظمى عدد 16, 16,شعبان 1322 هـ ص241_244.

(1) يعني: (تونس).

كن صاحب أول تعليق على "العلم بالتأليف للشيخ عبد العزيز المسعودي"

تعليقك يثري الموضوع