من يجدد لهذه الأمة أمر دينها للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور (٣)

نماذج المجددين في الاسلام

من يجدد لهذه الأمة أمر دينها (٣) المقال الثالثة في هذه السلسة للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور تناول فيه نماذج المجددين في الاسلام

من يجدد لهذه الأمة أمر دينها (*)

الطاهر بن عاشور - اللذة مع الحكمة

الطاهر بن عاشور

لا بأس على المسلمين بعد ذلك في أمور شرعهم واعتقادهم وسلطانهم، ولكن ما طلع القرن الرابع، ولاح ظله حتى حدثت في الإسلام دول كثيرة،

وادعى كل زعيم في صقعه السلطان لنفسه، وضعف أمر الخلافة العباسية لظهور الدولة السمانية فيما وراء النهر،

والدولة البويهية في العراق، ودولة بني طولون بمصر، والدولة الصغارية بسجستان وخراسان، ودولة بني حمدان بالموصل والجزيرة والشام.

وفي أول هذا القرن ابتلى المسلمون بولاية الحاكم الفاطمي ملك مصر،

وتفاقم حزب غلاة الشيعة بسائر أقطار الإسلام إدلالاً بملوكهم في مصر، وأنصارهم في الأقطار بالعراق والشام، وجباله وبإفريقية،

وآلت الحال بالحاكم إلى أن ادعى الإلهية، واستوزر حمزة زعيم الإسماعيلية من الفاطمية،

فأصبح المشرق والمغرب في مرج وفتنة من جراء تعدد الدول، وظهور ضلال النحل،

وأصبحت قوة دول الإسلام مسلطة على أنفسهم بالحروب الطاحنة التي أزهقت النفوس،

وكانت قصاراها أخذاً وردَّاً في أصقاع الإسلام، فضعفت السلطنة الإسلامية وجاء أعداء الإسلام،

وانقطعت الفتوحُ وبَثُّ الدعوةِ الإسلامية الذي كان أمر الدين منذ ظهر الدين.

فظهر السلطان محمود بن سُبُكْتُكِين الغزنوي يمين الدولة؛ صار إليه الملك بغزنة سنة 388هـ

وكان من أشد الثوار المتغلبين على الدولة العباسية ومسّ بحروبه سائر الممالك التي استبدت على الدولة العباسية.

كان محمود بن سبكتكين بَدَا له في سنة 392هـ أن يأتي عملاً يكون كفارة عما فرط منه في ابتداء تأسيس سلطانه من قتال المسلمين؛

فصمم العزم على أن يفتح للإسلام بلاد الهند، فأخذ يستعد لغزو الهند، وهجم على تخومها، وكان يفتح البلاد، ويحمل أهلها على الإسلام.

وكانت الحرب سجالاً، والهدنة تعقب قتالاً،

وكان ملوك الهند كلما أحسوا بانصراف يمين الدولة عنهم نقضوا طاعته وكفروا إلى سنة 406هـ غزا الهند غزوته الفاصلة،

فجهز جيشاً عظيماً، فابتدأ بغزو بلاد الأفغان، ثم اخترق بلاد الهند وعبر نهر الكنك وأوقع ببلاد الهند وقائع عظيمة،

فلما رأى ملوك الهند أن لا قِبل لهم بمقاومته اجتمعوا على أن يراسلوه في الصلح، وبذلوا الطاعة له،

فتم له استصفاء بلاد الهند في سنتي409 و 410هـ وصارت بلاد إسلام.

واعلم أن يمين الدولة محموداً لم يكن في أعماله خِلْواً عن إرشاد علماء الشريعة؛

فقد كان من أكبر مرشديه الإمام الجليل الأستاذ أبو حامد الإسفرائيني أحمد بن ابي طاهر الفقيه الشافعي المتوفى سنة 406هـ وهو الذي توسط لولدي الخليفة القادر بالله في ولايته كورة(٢)

خراسان، وما إليها وتلقيبه يمين الدولة.

وقد جاء في التقليد الذي صدر له من دار الخلافة هذه الفقرة: وليناك كورة خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفرائيني.

وكان من جملة العلماء الذين اتصلوا بيمين الدولة أبو القاسم عبدالله القَفَّال(٣) المروزي الفقيه الشافعي المتوفى سنة 415هـ

وهو الذي صلى بحضرته صلاة لا تصح إلا على مذهب الشافعي _ والشافعي موافق فيها للجمهور _ وصلاة تصح على مذهب أبي حنيفة،

فرأى السلطان ذلك كافياً في ترجيح مذهب الشافعي في نظر السلطان ترجيحاً خطابياً يناسب أفكار العامة؛

فكانت سبباً في تقلد السلطان مذهب الشافعي.

فالتجديد في صدر هذا القرن تجديد سياسي، وليس تجديداً علمياً إلا من فتنة الحاكم بمصر،

وتفشي أنصاره في الشام وجبالها وبعض بلاد العراق والموصل،

وتطاوله على أهل السنة أفضى ذلك خلال السنين إلى حدوث المَقَاتِل بين أهل السنة والشيعة فكانت في سنة 407هـ فتنة كبيرة بين أهل السنة والشيعة في واسط،

وفي القيروان بإفريقية، وكان مثار هذه الضلالات والفتن والمقاتلات الحاكم وأتباعه؛

فيمكن أن نعد في المجددين الرجلين المجهولين اللذين قتلا الحاكم سنة 411هـ بسعي القائد ابن دوّاس، أحد قواد الحاكم بمصر وبإغراء ست الملك أخت الحاكم(٤).

الهامش

(*) مجلة الهداية الإسلامية/ الجزء التاسع/ المجلد التاسع/ ربيع الأول 1356هـ _ مايو 1937م، ص563_565.

(٢) كَورَة: هي ما يُسمى في زماننا بالمحافظة. (م)

(٣) ليست واضحة في الأصل، ولعل الصواب ما أُثبت (م).

(٤) واضح أن تلك المقالات في التجديد لم تنتهِ بَعْدُ، ولكن هذا ما يسر الله الاطلاع عليه (م).

من يجدد لهذه الأمة أمر دينها (١) (٢) (٣)

مقالات عربية رائعة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية (٣)

كن صاحب أول تعليق على "من يجدد لهذه الأمة أمر دينها للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور (٣)"

تعليقك يثري الموضوع