ادع إلى سبيل ربك للعلامة الشيخ النخلي

ادع إلى سبيل ربك مقال للعلامة الشيخ النخلي

ادع إلى سبيل ربك مقال للعلامة الشيخ النخلي أحد أعيان المدرسين في جامعة الزيتونة ، نشر في مجلة السعادة العظمى ،عدد 5، المجلد الأول ص57، غرة ربيع 1322هـ.

ادع إلى سبيل ربك

للعلامة الشيخ النخلي

[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ].

أقيم الإصلاح على قاعدة الدعوة إلى السبيل التي جرت سنَّة الله في خلقه بأن تكون مدرسة يدرس بها النوع الإنساني العقائد الحقة، والملكات الفاضلة،

والأعمال الصحيحة، التي تثمر العمران في العاجل،

والفوز بالوعد والأمن من الوعيد في الأجل؛

حتى يرتقي الإنسان رقيَّيْهِ: الجسمانيَّ والروحانيَّ.

وهنالك تتم حكمة الله البالغة في خلقه في أحسن تقويم، واستخلافه في الأرض.

ولما كان الإنسان محكوماً بطبعه، لما غُرز فيه من الفواعل الثلاثة:

فاعلِ عقله، وفَاعلِ شهوته، وفاعل غضبه، يتصور فيشتهي، فيستعمل كل وسيلة لتناول مشتهاه، فيدفعه بنو أبيه(1)،

فيغضب، فيجادل، ويصاخب، وينازع، ويقاتل حتى ينقلب الهدوء اضطراباً، والصفاء كدراً، والسلم حرباً، وحتى تختضب الأرض بدمه،

وتجره شهوته إلى عدمه _ صار محتاجاً إلى من يعدِّل أفكاره، إلى من يعدِّل شهواته، إلى من يعدِّل غضبه، إلى من يلائم بين صفاته المعنوية وشِياته الحسية؛

حتى يصير إنساناً حقيقيَّاً

[وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)

قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)]البقرة.

عنوان :

الداعي إلى سبيل ربك إنسانٌ طبعت في مرآة عقله حقائقُ الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر،

وأطلَّ على معقبات الأمور ونتائج الحوادث من مَرْقَبٍ عالٍ، وتسلطت نفسُه الناطقة على قواه الحيوانية؛

فهو مَلَك في صورة رجل، ووافد الآخرة في لباس أهل الدنيا، لم تنزع به شهوته إلى الاستئثار بالحطام،

بل ربما حرم نفسه منها، وقد أمكنه نيلُ الملك والجاه، ولم يدفعه قاسرُ الغضب إلى الانتقام إلا بقدر ما يحفظ هيكل حقٍّ،

أو يعفيَ رسمَ باطلٍ، حقق في بني جلدته كُنْهَ الداءِ، وجهز له بحكمته الموهوبة ناجع الدواء.

وعلى الجملة مواهبُه كلُّها ربانية، وتصرفاتُه بأسرها شرعية، بهذه الصفات العلى كان أهلاً لخطاب الربِّ الأعلى:

[اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ].

الإحاطة بالمصالح الدنيوية والاطلاع على أمور الآخرة فوق متناول العقول، وخارج عن دائرة الفكر الإنساني الذي ألف المحسوس، وشهوات النفوس؛

فبعث الله الأنبياء مبشرين ومنذرين؛

ريثما تأخذ الدعوة إلى سبيل ربك مستقرها من العقول، وتُهِبُّ الناس من نومة الغفلة،

وتنشط من مرقد الخمول، وتتجه إلى الوجهة التي أرادها اللطيف الخبير، ثم يلتحق ذلك النبي بربه،

تاركاً لقومه تراث دينه باقياً فيهم تستقيم شؤونهم ما أقاموا عليه، ويلتئم شعثهم ما تظافروا على العمل به:

[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ].

من ضرورة بقاء الدين قيام العلماء الحكماء، حافظين لجوهره النفيس، عارفين بقيمة ما استحفظوا عليه.

العلماء ورثة الأنبياء، بحيث إن المعالي التي نسختها أمة الدين في عهد النبوة، والمفاخر الجمَّة التي أحرزتها بسرِّ الوحي _ يرتبطان ارتباطاً محكماً ببقاء هذا الصنف من العلماء.

ولا أسوق لك من التاريخ إلا عدلاً مبرزاً وهو عصر الخلافة الزاهر،

فإذا رأيت زلزلة أركان، وتداعي بنيان، وتقلُّص ظلال، وحيرة من أودية ضلال _ فاعلم بأن هاته الطائفة قد سكنت القبور، واستقبلت يوم النشور،

وأن أهواء تغلبت على سلطنة العقول، وبدعاً انصبغت بصبغة أحكام الدين، وأحدقت بالأمة ذات الشمال وذات اليمين.

عنوان :

الإصلاح بالدين يقدر عليه من عرف طبيعة الدين، وخبر سنة سيد المرسلين، وسبَر سيرة الصحابة والتابعين؛

لا من كان دأْبه الجمود على الموجود، والتمسك بالمألوف؛

لأنه هو المعروف، فإذا حذَّرتْه الحوادثُ مكامن الردى،

وأخذ بيده التاريخ إلى معالي الهدى، ووعظه خطيبُ الوجود أن يعيد النظر في سيرة رجال دينه،

وأن يترك مكابرة يقينه _ أخذته العزة بالإثم، وكانت حجته القاطعة فسد الزمان+، وَمسْلاتُه الوحيدةُ تأففاً وتأسُّفاً،

فإذا قلت له: الليل ليل والنهار نهار، والكتاب والسنة محفوظان، وأقوال الأئمة مدونة، ووسائل الفهم حاضرة؛

فهلم إلى العمل _

أجابك جواب العاجز الكسلان: لا أقدر على ذلك.

العالم المرشد محتاج إلى كبر الهمة، ومضاء العزيمة، وثقافة الفكر، وانطلاق اللسان في فنون البيان، لا يهنُ لملم أن يصيبه من النكبات، ولا يقف لما يعترض سعيه من العقبات؛

فإن التأثير على الأفكار، واندفاع العزائم إلى الوجهة التي يدعو إليها متوقفان على مجموع ذلك؛

ولهذا قلما وعظ واعظ فأنعش أرواحاً، وأذهب أتراحاً، وجلب أفراحاً؛

فالنتيجة أنه لا إصلاح يلائم بين الضرتين الدنيا والآخرة إلا بدين، ولا دين إلا بالعلم، ولا علم إلا بالعقل وكبر همة؛

لهذا قال الله _ تعالى _: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] الآية.

الحكمة:

هو الكلام الصواب الواقع من النفوس أجمل موقع، يبعث النفوس من أجداث الجهالة والخمول،

يُنبت في قلوبها حدائق ذات بهجة، ينجيها من سِباع شهواتها المغتالة،

يفكها من أغلال معتاداتها القتالة، يدفعها إلى عظائم الأمور، بهمة لا يتخللها فتور.

وهذا النوع من الدعوة لصنف مخصوص من الناس، أهل هذا النوع أصحاب النفوسِ المشرقةِ القويةِ الاستعداد لإدراك المطالب العالية السريعة الانجذاب لعرفان اليقين على تفاوت مراتبهم _ أيضاً _.

الموعظة الحسنة:

هي الخطابات المقنعة، والعبر النافعة تسيم العامة مراتب العمل الصالح، وتردُ بهم مناهل السعي النافع،

وتعدل بهم عن المرتع الوخيم والمورد الذميم، وتؤكد لُحمة الإخاء بين الطوائف، وتحكم حلقات الارتباط بين الأباعد،

وتسوق الجماعة إلى الجهة التي يقصدها العليم الخبير.

وهذا النوع من الدعوة لصنف مخصوص _ أيضاً _ وهم العامة أصحاب النفوس الكدرة الضعيفة الاستعداد،

المحبوسة في قفص المحسوسا

المقيدة بقيود الرسوم والعادات، لم يتميزوا على من سواهم ممن شاركهم في أخص أوصافهم إلا بسلامة عقولهم من مرض العناد.

الجدال بالتي هي أحسن:

هو المناظرة بالرفق واللين، واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدمات المشهورة،

يُلجم أفواه المبطلين، يُغل يدَي من يروم أن يبذر بذور الشبه بين المحقين، يسكن سَكَنَ المشاغبِ، يطفئ بها المعاني.

وبالجملة فهو سجن المعاندين بجريمة العناد التي ارتكبوها، وعقابها الأليم على الشاغبة التي بَرْقَشوها.

وهذا النوع _ أيضاً _ لصنف مخصوص، وهم الذين يجادلون بالباطل؛

ليدحضوا به الحق؛ لما غلب عليهم من تقليد الأسلاف، ورسخ في أذهانهم من العقائد الباطلة؛

فصار بحيث لا تنفعهم المواعظ والعبر، بل لابد من إلقامهم الحجر بأحسن طرق الجدال؛ لتلين عريكتهم، وتزول شكيمتهم.

وللطيفة جليلة قال القرآن: [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] لأن الجدال ليس من الدعوة في شيء، وإنما هو سلاح يقاوم به أهل الباطل كما علمت.

على هذه القاعدة القرآنية قامت هياكل الإصلاح الديني في النوع الإنساني، وبِعَمَلتِهِ الحكماء تمَّ المشروع العمراني،

وقد دلت الآية دلالة ساطعة على وجوب مراعاة مراتب المخاطبين، ودرجة استعدادهم لقبول المطالب الدينية إلا ما تساوت الأذهان في إدراكه.

وإياك أن تفهم اختلاف المكلفين في المكلَّف به بل هو واحد، والمكلفون متساوو الأقدام فيه، وإنما الكلام على المسالك التي تسلك للوصول إليه؛

فهي التي تختلف باختلاف درجات الأذهان كما صرح بذلك الغزالي.

وبهذا يظهر جليَّاً أنه لا تشنيع على السعد في جعله قوله تعالى:

[لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا] دليلاً إقناعيَّاً على الوحدانية، وإن كان أحسن منه أن يكون برهاناً يقينيَّاً.

عنوان :

وفي هذه الآية تعميم للمعلمين، وعظة للواعظين أن يأتسوا بالقرآن؛

فيجب على المعلم أن يعتبر درجات الأذهان، وطبقات التلامذة، وأن يسلك الطرق السهلة للتحصيل؛

إذ المقصود من التعليم هو انطباع صورة المعلوم في ذهن المتعلم، فعلى المعلم أن يحتال على طريقة سهلة تفضي إلى انتقاش المسألة في ذهن تلميذه على الوجه الأكمل،

وذلك مضبوط في ثلاثة أمور: اجتناب اللفظ الغريب والتركيب المعقد، رعاية استعداد المتعلم، اعتبار مرتبته في ذلك العلم.

بهذا الأسلوب الحكيم المستنبط من القرآن يثمر التعليم ثمرته المقصودة منه، ويمكن للتلميذ أن يملأ وِطابَه(2) من دروس أستاذه،

ويذوق حلاوة العلم، فينهض من الابتداء إلى التوسط إلى الانتهاء، والموضوع طويل نرجئه لفرصة أخرى،

وإنما نقول اليوم: إن التعليم الفاسد كما أنه مخالف لسنة الفطرة، حيث لا يأتي بالنتيجة المطلوبة _ ليس على طريقة القرآن ينبوع الهدى والبيان.

وأما الموعظة الحسنة التي هي وظيفة الخطيب اليوم، فينبغي أن تكون مناصحة محضة بعبارة تجمع بين التأثير والإفصاح،

مؤسسة على أساس الكتاب والسنة الصحيحة،

مُتَفَتِّقة كمائمها عن حقائق المصلحتين الأخروية والدنيوية كالزراعة والتجارة والصناعة، بصفة أن الشارع يُرغِّب فيها، ويَعِدُ بالثواب عليها.

وفي الموضوع بحث جليل نؤخره لعدد آخر.

وهذه الطرق الثلاث التي أُمر النبي أن يدعو بها إلى سبيل ربه في الصناعات الثلاث المنطقية: البرهان، والخطابة، والجدل.

أما الصناعتان الأخريان وهما المغالطة والشعر فقد نزَّه عنهما القرآن كما نزه عنهما من نزل عليه القرآن؛

ذلك لأن المغالطة جهل، أو تجهيل، وضلال، أو تضليل، وهو لا يتفق مع الإرشاد والمناصحة، والشعر تخييلي وإغراق وتهويل،

وهو إلى الكذب أقرب منه إلى الصدق، بل مداره على الكذب حتى قيل:

أعذبُ الشعر أكذبُه [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ] فنزاهة الرسول عن الشعر من حيث إنه يستدعي إيراد القضايا التخيلية، ومجافاة الحقائق الثابتة.

عنوان :

ولما كان الشعر بلباسه العربي يعتمد وزناً وقافية نزه عنه الرسول مطلقاً؛

سدَّاً لباب الظّنة والزيادة تحقيقاً لمعجزة الإرسال؛

لذلك ينبغي لمن تَصَدَّرَ للتعليم والإرشاد أن يجتنب المغالطة والتخييل؛

لأنه في مقام بيان حقائق العلوم، وأن يقرع باب التعليم بما قرع به النبي ” باب الدعوة إلى سبيل ربه كما أمر به ربه؛

فكم رأينا من مقالة شعرية يعزوها صاحبها إلى هداية علمية وما هي منها في قبيل ولا دبير.

أما ما ورد من الآي الكريمة مما جاء على الأوزان الشعرية،

فقد قام بتحرير جوابها صاحب هاته المجلة الغراء مستوفي البيان،

ولكن الجواب بالقصد الأول لا محيص عنه في بعض الآيات كقوله _ تعالى _: [لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ]آل عمران: 92،

فإنه موزون ولو بزيادة النون إذ هو من مجزوء الرمل المسبغ الضرب وبيته يا (خليلي اربعاً واستخبرا ربعاً بعسفان).

وهذا الموضوع الذي وفقنا الله لخوض عبابه يتشعب إلى أغراض كثيرة لا نضيع البحث عنها كلما سنحت فرصة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الهامش

(1) يعني بهم بني آدم(م).

(2) الوِطاب: في الأصل سقاء اللبن، ويريد بذلك ملء وعاء عقله من العلم (م).

كن صاحب أول تعليق على "ادع إلى سبيل ربك للعلامة الشيخ النخلي"

تعليقك يثري الموضوع