الثورة الأسبانية أسبابها وعوامل

الثورة الأسبانية

الثورة الأسبانية من كتاب أحجار على رقعة الشطرنج للكاتب ويليام قاي كار شكّل البابا أنيوسينس الثالث محاكم التفتيش، لاعتقال الزنادقة الذين يتظاهرون بالتدين والتحقيق معهم 

الثورة الأسبانية

في القرن الثالث عشر الميلادي شكّل البابا أنيوسينس الثالث محاكم التفتيش، لاعتقال الزنادقة الذين يتظاهرون بالتدين والتحقيق معهم ((الصحيح: للتنكيل بالمسلمين واليهود بمنتهى الوحشية والخسّة!!).. وكانت أسبانيا قبل ذلك قد أكرمت اليهود وعاملتهم معاملة ودية جدا ((هذا عندما كان يحكمها المسلمون)).. ومن هنا نجد أن جميع جرائم المرابين الملحدين وعملائهم في أسبانيا وفي غيرها من الدول تلصق باليهود.. واستمر عمل محاكم التفتيش أيام إيزيلا وفردينايد، أي بين عامي 1475 و 1504.
ولما جاء حكم توركومادا، وجدت محاكم التفتيش أن خلايا المرتدين والمخربين تنتشر انتشارا واسعا في البلاد وتتبع تنظيما دقيقا.. عندئذ حذت أسبانيا حذو غيرها من الدول الأوروبية وطردت اليهود من أراضيها، مما شجّع المتطرفين علي تنظيم أعمال عنف جماهيرية ضد اليهود، فوقع عدد من المذابح المؤلمة، أدانتها سلطات الكنيسة في روما وهاجمتها بشكل علني.
وفي القرن السابع عشر، بعد إعادة تنظيم رجال المصارف العالميين، عاد عملاؤهم وتسربوا إلي إدارة الخزينة الأسبانية، وكان لهؤلاء نشاط واسع إبان الثورتين الفرنسية والإنكليزية.. وبذلك حاولوا جهدهم إضعاف الاقتصاد الإسباني وتهيئة البلاد للحركات الثورية.
وقد يكون من المهم جدا أن نتعرف علي خيوط المؤامرة السياسية التي حيكت بين عام 1839 وعام 1939، لنكوّن صورة واضحة عن أسلوب العمل الثوريّ، وهو يتألف من ثلاث مراحل لا بد منها:
1- تغلغل أفراد الحزب الثوري في المناصب الحكومية, وفي مراكز الخدمات العامة والقوات المسلحة والتنظيمات العمالية، بغية الاستعداد لتحطيم الحكومة من الداخل عندما يسمح الوقت بذلك وتصدر الأوامر.
2- ربط الحزب الثوري بالحزب الاشتراكي أو الحزب اليساري، بغية الإطاحة بالحكومة، سواء أكانت ملكية أو جمهورية.
3- القيام بنشاطات تخريبية بغية اختلاق الفوضى، لزعزعة الرأي العام في حكومة الجبهة الشعبية المؤتلفة كما يسمونها عادة، فيكون الفشل حليفها، مما يمهد الطريق لقيام ديكتاتورية البروليتاريا، التي ما إن تظهر للوجود حتى تبدأ عمليات التطهير، وتظهر بعدها الديكتاتورية التوتاليتارية.. وهذا ما حدث بالفعل في روسيا عام 1917.
وسنري الآن كيف نفذت هذه المراحل الثلاث في أسبانيا، البلد الذي كان هدف لينين، ثم ستالين من بعده.
***
جري أول إضراب عامّ نظمه عملاء كارل ماركس في أسبانيا عام 1865.. وفي عام 1868 أرسل زعماء الحركة الثورية العالمية السنيور فانيلي إلي أسبانيا، ليقوم بتوحيد نشاطات الفوضويين مع الثوريين الماركسيين.. وكان السنيور فانيلي صديقا حميما لباخونين، الذي كان بدوره علي علاقة وثيقة بماركس وانجلز.. ولكن باخونين لم يبق علي صلات وثيقة مع ماركس، لأنه عارض سياسته عام 1870، فطرد من الأممية الأولي (المؤتمر الأول) لقادة الحركة الثورية العالمية.
تابع كل من باخونين وفانيلي نشاطهما كل علي حِدَة، فتمكن باخونين من التأثير علي القادة الثوريين الأسبان وإنشاء التحالف الاشتراكي الديمقراطي عام 1872.. وقد أصدرت الحكومة قرارا بمنع هذا التنظيم، ولكنه بقي يعمل سرا.
وفي نفس الوقت كان “محفل الشرق الأكبر” قد أنشأ تنظيمات قوية في داخل أسبانيا.
وفي المؤتمر العام الذي عقد في زارغوزا، وافق الجناح الأسباني للماركسية الدولية، علي التحالف مع حركة الرفض الفوضوية.. وبعد هذا التحالف ركز الفريقان جهدها علي توحيد جميع الفئات العمالية، وإنشاء تحالف واسع سمي بالكامورا.. وفي عام 1873، توّج هذا التحالف الواسع نشاطه بقيام الثورة وإنشاء الجمهورية الأسبانية الأولي.
وكالمعتاد، رافق هذا النشاط الثوري قيام عهد من الإرهاب وانتشار الفوضى بشكل مريع.. وقد حملت هذه الأعمال الفوضوية الجنرال بافيا علي القيام بحركته الانقلابية.. وعندها عاد العمل الثوري إلي السرية مرة أخرى، ولكنها لم تدم طويلا، إذ سرعان ما ساند أعضاء الحركة الثورية قادة الحركة التحررية المعتدلة، وعادوا مرة أخري إلي الظهور علي مسرح السياسة.. عندها قاموا بتغذية النزاع القائم بين الموالين لأحفاد الملك دون كارولز، وبين الموالين لأحفاد ايزبيلا.. وقد انتهي هذا النزاع بانهزام الموالين لأحفاد كارولز عام 1876.
في هذا الوقت كانت الحركات العمالية في أوجها، وأغلبها يعمل بهدف نبيل غايته تحقيق العدالة للعمال.. وكان معظم العمال يرفضون السياسة المتطرفة لحركة الرفض اليسارية، ولذلك نظموا أنفسهم في “اتحاد العمال”.. ولكنّ القادة المعتدلين لهذا الاتحاد سرعان ما وجدوا أنفسهم خارجه، بعد أن تسرّب الثوريّون المتطرفون إلي داخل الاتحاد، وبدأ وعمليات التصفية من الداخل.. وبقيت أعمال التصفية مستمرة حتى عام 1888، عندما أعلن بابلو اغليسياس إنشاء “الاتحاد العام للعمال”، ليضم أكبر عدد من المعتدلين.. وكان هذا الاتحاد العام يعرف في أسبانيا بــ U. G. T.. وقد بقي دون دعم الحكومة حتى أعلنت الحكومة الاتحاد الأيبري، الذي كان يضم جميع المتطرفين والمنضمين إلي حركات الرفض الفوضوية.
ثم في سنة 1910 شكلت الاتحادات العمالية المتطرفة اتحادا نقابيا عاما، عرف في أسبانيا بـ C. N. T.. وبقي هذا الاتحاد النقابي العام يعمل هو والعديد من النقابات الأخرى حتى عام 1913، عندما تمّ تعليق هذه النقابات بسبب الإضرابات المتكررة.. وكانت الحكومة توافق وتتعاون مع الحركات العمالية وتؤيد المطالب الجماعية، ولكن المتطرفين كانوا قد بدأوا يستغلون هذه النقابات لغاياتهم الخاصة وينفذون مآربهم.. فحلت الحكومة جميع النقابات، ووجد العمال أنفسهم من جديد بدون حماية.
وعاد الثوريون المتطرفون ليستغلوا هذا الوضع الجديد للعمال، ليوجهوا أعمالهم بشكل أعنف من السابق وأشد خطورة.. فبدأوا يزيدون نشاطاتهم ضد جميع الأحزاب السياسية وضد الدولة نفسها.. وفي عام 1916 أعيد تنظيم الاتحاد النقابيّ المتطرف المعروف باسم G. R. T، وظهر علي المسرح اسم زعيمين هما: بيستاتا وسيغوي، اللذين تمكنا من توحيد العمل النقابي في مدينة برشلونة.
ومما ساعد علي إنجاح التنظيمات النقابية المتطرفة، هو الإجحاف الذي لحق بالعمال إبان الحرب العالمية الأول وما بعدها.. فقد كانت أسبانيا قد كسبت أموالا طائلة أيام الحرب لأنها كانت دول حيادية، ولكن العمال بشكل عام لم يشاركوا في الازدهار الواسع الذي عم البلاد، فتدفقوا علي التنظيمات المتطرفة يسعون إلي تحقيق مكاسبهم ورفع الظلم عنهم.. وفي نفس الوقت ثابر بعض القادة المعتدلون علي نشاطهم، وتوصلوا إلي إنشاء الاتحاد النقابي الحر عام 1920.
وفي الفترة التي تلت ذلك العام واستمرت حتى عام 1923، اشتد النزاع بين الحركات النقابية اليسارية من جهة أخري.. وعمت البلاد إضرابات محلية وعامة وأعمال عنف واغتيالات واسعة للقادة العماليين، بهدف إضعاف الفرقاء لأعدائهم.. وقد ارتكبت كل هذه الجرائم باسم “الحرية”، حتى وصلت الحالة إلي فوضي تامة.. عندئذ طلب الملك الأسباني من الجنرال بريمودي ربفيرا ضبط الأمن في البلاد، ومنحه مطلق الصلاحيات العسكرية ليمنع الشيوعيين من القيام بثورة أخري.
كانت أول نتيجة للحكم الديكتاتوري الذي تزعمه دي ريفيرا أن أنهي الحرب مع المغرب نهاية ناجحة.. وكانت شخصية الجنرال فرانكو قد تبلورت من خلال هذه الحرب، وأخذت شعبيته تزداد وتنتشر.. وقد استطاع بعدله وحزمة أن يكسب ود الشعب المغربي وصداقته وإعجابه (!!!!!!!).. وبالرغم مما قيل عن دي ريفيرا، إلا إنه من المعدل أن نقول إنه تمكّن من إعادة النظام إلي البلاد، وقام بتحسين أحوال العمال بعد أن تعاون مع اباليرو، كما قام بإصلاحات اجتماعية عديدة.. ولكن هذا النشاط الواسع أضعف الجنرال دي ريفيرا وتدهورت صحته عام 1929.. وهذا علي الأرجح ما يفسر الأخطاء في تقدير الأشخاص التي ارتكبها عام 1930.. فقد اختار في ذلك العام اثنين من زعماء الحركة الاشتراكية وهما بستيرو وسابوري. وكأنه قد شعر بثقل المسؤولية علي كاهله فأراد أن يرفعها عنه، فطلب منهما أن يعيدا تنظيم الجهاز الانتخابي للأمة، لكي يستطيع الشعب تقرير مصيره والاختيار بين الملكية أو الجمهورية.. ولم يُعرف السبب الكامن وراء اختيار هذين الرجلين وسيبقي هذا الحدث بدون تفسير.. وقد قام بيسترو وسابوريت بما يجب علي قائدين ثوريين أن يقوما به، فطوقا الجهاز الانتخابي وأعدّاه ليكون انتخاب حكومة اشتراكية أمرا حتميا.. وانتشر التزوير في الانتخابات، ليقترع في مدريد وحدها 40.000 من المتوفين ومن الناخبين المزورين.
وكانت محافل الشرق الأكبر في أسبانيا قد نظمت اتحادا خاصا سمته “الاتحاد العسكري الأخوي”، ويهدف إلي الإطاحة بالنظام الملكي.. وقد استطاع أن يحصل علي وعد 21 من أصل 23 جنرالا أسبانيا، بأن يساعدوه علي إقامة الحكم الجمهوري.. وقد ذكر هذه المعلومات الجنرال مولا، قائد قوى الأمن الداخلي في أسبانيا، وذلك في كتابه: “Tempestad Calma Intriga Y Crisis”، حيث يخبرنا فيه أن المحافل وضعت تحت تصرف الجنرالات عند انتمائهم لها، مبلغ مليون ونصف بيزفيتا، وذلك لمساعدتهم علي الهرب في حال فشل الحركة الجمهورية.. وكان فرانكو أحد الجنرالين الذين لم ينضما إلي “الاتحاد العسكري الأخوي”.. ويؤكد كلام الجنرال مولا، جنرال آخر كان من بين الذين انضموا إلى “الاتحاد العسكري الأخوي” وهو الجنرال كانوا لوبيز، حيث قال في حديث له في البرلمان الإسباني (الكورتس): “لقد جمعت الماسونية منذ عام 1925 غالبية كبار ضباط الجيش، وذلك تحت شعار الاتحاد العسكري الأخوي”.
ومن بين الذين دخلوا كأعضاء في هذا الاتحاد، كابانيلاس وسانجورجو وغويد ومولا ولوبيز وأوشاو كويبو دي لانا وغيرهم.
ويضيف لوبيز قائلا: “وقد صدرت الأوامر مرتين لهؤلاء الجنرالات، مرة عام 1929 للإطاحة بالديكتاتورية التي تزعمها دي ريفيرا، ومرة للإطاحة بالملكية عام 1931.. وقد نفذ الجنرالات هذه الأوامر كما جاءت”.
ويخبرنا الجنرال مولا كيف حنث هو وغالبية الجنرالات بوعدهم للمحافل، وذلك عندما شعروا أنهم قد استغلوا بكل بساطة لتنفيذ المخططات السرية، التي أعدها ستالين ليحول أسبانيا إلي ديكتاتورية شيوعية أخري.
وقد نشرت المجلة الفرنسية في تقرير لها عام 1932، أن ستالين وعد بمبلغ مئتي ألف دولار، كإسهام منه في تمويل مراكز التدريب الثوري في أسبانيا.. كما تبين الكشوفات المقدمة للمؤتمر الشيوعي الدولي عام 1931، أن القادة الثوريين تسلموا مبلغ مئتين وأربعين ألف جنيه ـ بالعملة الإنكليزية ـ كما كان تحت تصرفهم مبلغ مليونين ونصف بيزيتا لشراء الأسلحة والذخائر.. ويقول الجنرال مولا إنه وصل أسبانيا عام 1938 قادما من روسيا، مئتا قائد ثوري كانوا قد تدربوا في مؤسسة لينين في موسكو.
***
ومنذ عام 1930 وحتى تاريخ بدء العمليات الانتخابية، كانت قد بدأت حملة التشهير ضد ملك أسبانيا وعائلته الملكية.. ومن بين الأكاذيب السخيفة، الزعم أنه كان يسفك دم جندي أسباني كل يوم، وذلك لإبقاء أمير استوريا علي قيد الحياة، وهو المعروف بأنه يعاني من النزيف الدموي.. واتُهم الملك بالفجور ـ تماما كما اتهمت إمبراطورية روسيا زورا بأنها كانت عشيقة لراسبوتين.
وبعد أن انتهت عمليات التزوير وأفرغت من صناديق الاقتراع أصوات الريفيين المؤيدين للملكية.. وبعد أن أعلنت نتائج الانتخابات لصالح حكومة جمهورية، أصدر الملك ألفونسو الثالث عشر بيانه الأخير إلي الشعب، الذي قال فيه: “لقد برهنت الانتخابات التي جرت يوم الأحد أنني لم أعد أحظى بمحبة وتقدير شعبي.. ولكنني مازلت مقتنعا أن هذه الأحوال ستتغير، لأني كنت دائما أجاهد في سبيل أسبانيا وأضحي مخلصا من أجلها.. قد يرتكب الملك بعض الأخطاء، وبدون شك لقد ارتكبت بعضها، لكنّ شعبي كان دائما صفوحا عن أخطاء الآخرين بدون أي حقد أو ضغينة.. لقد كان بإمكاني، وأنا الأسباني والملك علي جميع الأسبان، أن أستعمل جميع صلاحياتي للحفاظ علي حقوقي الملكية بوجه من يظهر أية مقاومة.. لكنني آثرت أن اتنحّى، خوفا من أن تنقسم البلاد فيقاتل الأسباني أخاه في حرب أهلية.. وأنا إذ أغادر البلاد، أصر علي أنني ما أزال مؤمنا بالحق الذي جاءني عبر التاريخ، والذي سأسال عنه يوميا من الأيام.. كما وأني إذ أتخلى عن جميع صلاحياتي الحالية في ممارسة الحكم ـ وفي قناعتي بأن هذا سيكون لصالح البلاد وليكون الشعب كله مسئولا عن نفسه ـ أضرع إلي الله أن يقوم كل أسباني بواجبه الذي يميله عليه حبه لأسبانيا، بنفس القدر الذي كنت أقوم به”.
***
حتى ذلك الحين، كان المتآمرون قد نفذوا الخطوة الأولى، وبدءوا يعدون للخطوة التالية.. ولم يكن جميع أفراد الحكومة الجديدة من عملاء المرابين، بل كان بينهم أعداد كبيرة من المخلصين، ولكنهم كانوا جميعا بدون سلطة وبدون صلاحيات.. أما السلطة الحقيقية فقد كانت بأيدي العملاء الشيوعيين والفوضويين، الذين بدءوا يُعدون للمرحلة الثانية، وهي إنشاء ديكتاتورية البروليتاريا.. وابتغوا لتحقيق هذا الغرض طريقة اللعب علي الحبلين، فأوحت بعض الخلايا الشيوعية إلي الحكومة بارتكاب بعض الأخطاء، بينما راحت خلايا أخرى خارج الحكومة تشنّ هجوما علي الحكومة لارتكابها هذه الأخطاء، وتنعتها بالسذاجة والفساد.. وهنا بدأ عملاء موسكو بتنفيذ جميع أنواع الجرائم، لدفع الناس إلي القبول ـ بل حتى المطالبة ـ بديكتاتورية البروليتريا للحفاظ علي البلاد وعلي أمنها الداخلي.
وكان الجنرال دي ريفيرا قد استخدم لارغو كابا ليرو ومجموعته، في تخفيف حده النزاع القائم بين العمال وأرباب العمل.. ولكن ما إن ظهرت الحكومة العمالية إلي الوجود، حتى كشف كابا ليرو عن حقيقته، وأعلن بصراحة عام 1935 أنه تمكن من إنشاء “عشرات الآلاف من الخلايا الشيوعية في جميع أنحاء أسبانيا”.. وهذا يفسر الاستقبال والتصفيق الحار الذي قوبل به الوفد الأسباني في المؤتمر العام الحادي عشر للجنة التنفيذية للأممية الشيوعية، وامتداح الوفد لأن “الإعدادات للثورة تجري بشكل سريع ومناسب تماما للخطة الثورية في أسبانيا”.. وفي المؤتمر الثاني عشر للأممية الشيوعية وجهت كلمات الثناء التالية للوفد الأسباني: “لقد لا حظنا في أسبانيا بالذات، قيام أعمال ثورية وإضرابات متكررة علي مدي شهور عديدة، بشكل لم يشهده هذا البلد من قبل.. وليس هذا الصراع العمالي إلا الخطوة الأساسية لقيام الثورة الأسبانية”.
***
ما حدث بعد ذلك في أسبانيا يكشف الكثير من وجوه المؤامرة، وخصوصا ما حدث ضمن التنظيم الشيوعي نفسه.. وكما يقول المثل القديم “عندما يختلف اللصوص تظهر الحقيقة”، فإن هذا ما حدث بالفعل في أسبانيا.. فقد كان الزعماء الثلاثة للحركة الشيوعية مورين وسيرجس ونين، قد أتموا دراستهم الثورية في مؤسسة لينين في موسكو، وعادوا لقيادة الحركة الثورية.
وبعد سنوات من الحياة الصاخبة والمليئة بالنشاط الثوري، جلس مورين ليكتب عام 1926 كتابة Hacia la Segunda Revolution، الذي أظهر فيه معارضته لستالين لأنه قد انحرف عن العقائدية الماركسية.. واتهم مورين ستالين بأنه يستخدم القوي الشيوعية لتحقيق مآربه الخاصة في الحكم الديكتاتوري الاستعماري.
وهكذا بدأ الصراع بين ستالين وبين الشباب الثلاثة مورين وسيرجس ونين.. وأثبت هؤلاء عن مهارتهم في تجميع العمال والسيطرة عليهم، فقرر ستالين التخلص منهم يعد أن قاموا بما عليهم حتى بداية الحرب الأهلية.. وكان أمر ستالين بتصفيتهم قد حدد بأن “يظهر موتهم للشعب وكأنه استشهاد بطولي في سبيل الشيوعية”، فأرشد الشيوعيون فرانكو علي مكان مورين، فأعدم بعد أن حوكم.. أما سيرجس فتقول التقارير إنه مات بأيدي الشيوعيين أنفسهم.. وقتل نين في ظروف غامضة.. وبعدها أعلن للملأ أن موت هؤلاء لم يتم إلا علي يد أعداء الشيوعية.
ولكن هذا الصراع لم يمرّ هكذا بدون نتائج أو فضائح.. فلقد أخذ الشيوعيون يفضحون بعضهم البعض ويبينون الحقيقة الخفية لوجودهم.. ومن بين هذه الفضائح ما كتبه سيرجس، حيث يقول: “لقد تم تطور الشيوعية عام 1936 من الثورية الأممية إلي القومية، بشكل قوة عسكرية ضخمة يقوم علي خدمتها أحزاب عديدة في دول مختلفة، وتقوم هذه الدولة القوية بتمويل هذه الأحزاب.. فبعد عام 1936 شكل الستالينيون الحزب الإسباني الاشتراكي الموحد، الذي رعاه المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية.. وكان الهدف من ذلك إنشاء قوة جديدة ذات طبيعة فاشية، تتمكن من تطويق فرنسا، الحليف المحتمل لروسيا في الحرب التي يجري إعدادها”.
ويقول مورين أيضا “جرت السياسة الإنكليزية منذ القديم علي تدمير أعدائها، حتى تفرض نفسها لحمايتهم، وحتى تجعل نهوضهم من جديدا أمرا مستحيلا.. ونحن نعرف أن أسبانيا هي ضحية إنكلترا في المقام الأول، وضحية فرنسا في المقام الثاني.. وإذا مالت أسبانيا نحو إنكلترا زادت فرنسا في اضطهادها.. وما دامت فرنسا وإنكلترا كلتاهما من الدول الرأسمالية، فلن يكونا الحليف الطبيعي لأسبانيا.. لذلك كان الخط المنطقي لأسبانيا هو أن تنحاز إلي البرتغال وألمانيا وإيطاليا وروسيا، لأن مثل هذا التكتل سيجعل من فرنسا وإنكلترا بلدين محايدين بالنسبة لها”.
ويشرح لنا سيرجس، كيف أن التجمع اليساري في أسبانيا تمكن من نشر دعايته بشكل واسع في الصحافة العالمية، في حين أن فرانكو لم يكن ليحظى إلا بالنذر السير من اهتمام الصحف.. وقد كتب سيرجس يقول: “لم يعرف التاريخ من قبل، طرقا وأساليب دنيئة ومنحطة، كالتي استعملها ستالين من وراء المؤتمر الأممي الثالث للشيوعية.. فقد وجه ستالين وأعوانه الدعاية الكاذبة، بشكل متواصل وبدون أي مراعاة للحقيقة والصدق.. واستعملوا أسلوب التكرار والسخرية حتى أصبح هذا الأسلوب ميكانيكا بالنسبة لهم.. ولم يستعمل هذا الأسلوب علي النطاق المحليّ، بل تمكنت البيروقراطية السوفياتية من توسيعه إلي نطاق دولي.. فما إن تطلق “الازفستيا” أكذوبة في فلنتيا، حتى تتناقلها مباشرة الصحف في باريس وستوكهولهم ووارسلو وبروكسل ولندن ونيويورك ومالبورن وبيونس آيريس.. وهكذا يتم توزيع الملايين من النسخ التي تحمل الأكاذيب المضللة.. ولا يبقي أمام المثقفين ثقافة واسعة، الذين يعادون الفاشية، إلا تصديق الصحافة لأنها الوسيلة الأولي لاستقاء المعلومات.. ومن هنا يشعر المرء بأن العالم اليوم يعاني من عملية ضخمة للتضليل الأخلاقي.. وهذا ما يجعلني أقر ـ وأنا أشعر بالأسى ـ بصدق كلمات تروتسكي، عندما اعتبر دعاية الكومنترن الستاليني “زهري” الحركة العمالية”.
وهكذا يصبح الكلام الذي جاء علي لسان سيرجس ومورين بعد أن انشقا عن موسكو، مطابقا تماما لما جاء في المنشور البابوي الذي أمر بتوزيعه البابا بيوس الحادي عشر في آذار عام 1937، وجاء في أحد أقسامه: “وهناك تفسير آخر لهذا الانتشار الواسع للأفكار الشيوعية.. إنها الدعاية الشيطانية بحق، التي لم يشهد لها العالم مثيلا.. فهي تدار من مركز رئيسي واحد، وتوزع علي مختلف مناطق العالم، بشكل يناسب جميع الناس.. كما تسيطر علي مصادر مالية ضخمة جدا تبقى دائما تحت تصرفها، وتُمكّنها من السيطرة علي العديد من المنظمات والمؤتمرات الدولية، وعلي أعداد ضخمة من العمال.. وتستغل هذه الدعاية الصحف والمجلات والسينما والمسرح والإذاعة والمدارس وحتى الجامعات.. وشيئا فشيئا تتمكن من الدخول إلي عقول الناس من مختلف الطبقات أو الفئات.. وهناك عنصر آخر يسهل انتشار الشيوعية، هو الإسكات أو التضييق علي قطاع كبير من الصحافة العالمية.. ونحن نقول تضييق، لأنه التفسير الوحيد لسكوت الصحافة أو بقائها بعيدة عن جو الإرهاب الذي عم روسيا والمكسيك وحتى جزءا كبيرا من أسبانيا.. وكيف تسكت الصحافة وهي التي تبحث دائما بنهم عن الأخبار لتملأ بها صفحاتها، ولا تتغاضى عن أي خبر صغير أو كبير، فما بالك بتنظيم عالمي كالشيوعية الروسية. إن هذا السكوت يعود من جهة إلي قصر النظر للأبعاد السياسية، ومن جهة أخري لوجود القوي الشريرة العديدة التي مازالت تعمل منذ وقت طويل علي تحطيم المجتمع.. وها نحن نري النتائج المؤسفة لهذه الدعاية أمام أعيننا.. انتشار واسع للشيوعية، وتفاخر أبطالها الصريح بتحطيم الثقافة المسيحية واقتلاع كل ذكري لها من قلوب الناس، وخصوصا من قلوب الشباب.. وفي أسبانيا دمروا كل ما استطاعوا تدميره من الكنائس والأديرة، وأزالوا كل ما استطاعوا إزالته من مظاهر الدين المسيحيّ.. ولم تكتفِ نظريتهم نفسها بذبح المطارنة وآلاف الرهبان ورجال الدين من الجنسين، بل تعدتهم إلي أولئك الذين نذروا أنفسهم لخدمة العمال والفقراء، فكانت الأكثرية الساحقة من ضحاياهم من بين عامة الشعب ومن جميع الطبقات.. وقد ماتوا جميعا بحقد وحشي بربري لا يمكن أن تصدق أنه يقع في هذا العصر.. ولا يستطيع أي رجل عاقل أو سياسي مسئول، أن ينكر أن ما يحدث في أسبانيا يمكن أن يحدث غدا في أي بلد متمدن آخر.. هذا ما يحدث إذا حذفنا فكرة الله من قلوب البشر، لأنه عندها لا يمكن أن يمنعهم أي شيء عن ارتكاب أبشع الجرائم البربرية”.

 

#أحجار_على_رقعة_الشطرنج

#وليام_غاي_كار

أحجار على رقعة الشطرنج

كن صاحب أول تعليق على "الثورة الأسبانية أسبابها وعوامل"

تعليقك يثري الموضوع