كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار (1) للعلامة محمد البشير الإبراهيمي

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار ، للعلامة #محمد_البشير_الإبراهيمي وهذا هو الجزء الأول من المقال . وللمقال تتمية في جزء آخر ، ويتضمن رسالة أبوية مؤثرة من الشيخ رحمه الله للمعلمين واستعراضاً لحال الأمة وتأثير الاستعمار الغربي عليها . جاء المقال في ١٠٠١ كلمة و ٦٧ فقرة ، تكرر فيه كلمات ( القرآن ، أبناء ، العلم ، معلمون ، المدارس ، إدراكات ، التعليم ، الأخلاق ، الوفاء ، مدرسة ) .. عن مقال : كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار (١) للعلامة محمد البشير الإبراهيمي

محمد البشير الإبراهيمي

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين

أيها الأبناء الأعزة !

إن هذه الحركة العلمية المباركة أمانةٌ في أعناقنا جميعاً، وعهد إلهيٌّ محتم الوفاء علينا جميعاً،

فنحن في تحمله وفي وجوب الوفاء به سواسية، ليس صغيرنا بأقل تبعةً ولا أخف حملاً من كبيرنا.

ونحن في تحمل هذه الأمانة وأدائها أمام ربٍّ يعلم ما نخفي من النيات وما نعلن من الأعمال،

وأمام أمة تعين على الوسائل، وتنتظر النتائج، وتحاسب على ما بينهما،

وأمام تاريخ لا يغادر سيئةً ولا حسنةً إلا أحصاها، وأمام خصوم أشداء يحصون الأنفاس؛

ليوقعوا العقوبة ويترقبون العثرة؛ ليعلنوا الشماتة؛

فلنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الناس، ولنقدِّر موقع أقدامنا قبل أن نضع الأقدام،

ولنجعل من ضمائرنا علينا رقيباً لا يغفل ولا يتسامح.

إننا نزيد عليكم _ بعد الاشتراك في حمل الأمانة العامة _ باستحكام التجربة، وعرك الأيام، وعجم الحوادث، والتَّمرُّس بالخصوم، والصبر على المكاره، والاستخفاف بالحساد الذين أكل الحسد أكبادهم،

فما بالينا أطاروا أم وقعوا؛ وملابسة الأمة على البر والجفاء، وعلى الإحلاء والإمرار، وعلى الخشونة واللين، وبأننا الغرض المنصوب للسهام؛

لأننا _ دائماً _ في مكان القيادة في الصفوف، فلا تصل الرمية إلى أحدكم إلا بعد أن نُثْخَن، ولا يبقى فينا موضع لسهم؛

فإذا رأيتمونا نَمَسُّكم بالشدة أحياناً، ونقسو عليكم في التثقيف فذلك لكي يخلص لنا من عشراتكم آحادٌ

يخلفوننا في هذه الخلال إذا خلتْ أمكنتنا في المراكز الأمامية بعد أن يقطعوا من مراحل العمر ومقامات التدريب ما يؤهلهم لذلك.

أنتم في ميادين التعليم فرسان سباق، منكم المبتدي، ومنكم الشادي، وفيكم المغبر، وفيكم المتخلف،

ولا يكشف عن جواهر الأصالة والعتق فيكم إلا هذه الأعمال التي واجهتكم في أطوار الحداثة والاقتبال، خيرةً من الله، فيها الخير واليمن،

وتوجيهات منه، فيها السداد والنجح، وامتحاناً من زمنكم، فيه التربية والتمحيص، وفيه التمرس والاحتكاك؛

فإذا تكشَّف هذا الامتحان عن نتيجة صادقة كنتم غريبةً في الأجيال، وفلتةً في السنن.

لستم أبناء مدرسة واحدة

وعذركم الشفيع في هذا التفاوت أنكم لستم أبناء مدرسة واحدة، تجمع وتوحد، وتقارب وتسدُّد،

وأنكم لا ترجعون جميعاً إلى تربية منزلية، أحكمتها العادات الرشيدة، وأقرتها المصطلحات المفيدة؛

ولا إلى توجيه حكومي؛ يهيئكم للحياة، ويسوسكم بالمصلحة، ويروضكم على الرجولة، ويجمعكم على المنفعة.

وإنما أنتم أبناء زمن عقَّه آباؤكم؛ فعقكم، وأضاعوا حقه؛ فأضاع حقكم، وتنكروا له فتنكر هو لكم؛

فما افترَّت شفاهكم له عن ابتسامة إلا قابلها بالتجهم،

ولا أزلفتم إليه بتحقُّق إلا عاملكم بالتوهم، ولا مددتم إليه كفَّ رغبة إلا ردَّها بالحرمان.

أنتم _ في وضعكم الاجتماعي _ أبناءُ حياة ليس لكم في تسييرها يد، ووطن ليس لكم في أرضه مستقرّ، وجيل ليس لكم في تكوينه أثر،

وتاريخ ليس لكم في تسطيره قلم، وقانون ليس لكم في وضعه شرْك، وحاضر ليس لكم في تدبير مستقبله رأْيٌ؛

فجئتم على هذه الصورة التي لا تأتي إلا فترات من الزمن.

وأنتم _ في وضعكم العلمي _ أبناء مدارس( )، وجودها في زمان، وروحها في زمان،

فهي من يقظتها في حلم، وهي مع جدّة الزمان في قِدَم، وهي لا تعطي من الحياة إلا صورَها الميتة، وهياكلها العظمية، وألوانها الحائلة؛

هذه المدارس التي بنيت بإرشاد القرآن، فأصبحت وهي أبعد شيء عن القرآن، وهدْي القرآن، وخلق القرآن،

بل لا يُبْعد من يقول: إنها أصبحتْ معاول لهدم القرآن؛ لأنها لم تخدم القرآن، بهذه العلوم التي قالوا: إنها خادمة للقرآن،

فلم تزكِّ النفوس التي جاء القرآن لتزكيتها، ولم تهيئها لسعادة الدنيا، ولا لسعادة الآخرة،

ولم ترفع العقل من درجة الحَجر إلى درجة الاستقلال في التعقل، ولم تصحح موازينه في إدراك الحياة وفِقْه أسرارها.

المنطق و إدراكات العقول ومقاييسها

وليت شعري: هل صححت دراسةُ المنطق في هذه المدارس _ بهذه الطريقة اللفظية العقيمة _ إدراكات العقول ومقاييسها، كما صححت دراسته العلمية إدراكات القدماء

أو كما صححت إدراكات المعاصرين لماضي الأمم الأخرى؟

وهل طابت هذه المدارس لأخلاق أبنائها الذين أذووْا زهرات أعمارهم فيها؟

وهل أفاضت البيان في قرائحهم وألسنتهم وأقلامهم؟

ليس الذنب في هذه الحالة الأليمة ذنبكم، وليست التبعة فيها واقعة عليكم.

بل أنتم فرائس هذه الأخلاط القاتلة، وأنتم المجني عليكم لا الجناة،

وإنما التبعة على الذين يملكون القدرة على التغيير، ثم لا يغيرون، وتواتيهم الفرص إلى الإصلاح، ثم لا يصلحون.

إن كثيراً منكم في حاجة إلى الاستزادة من التحصيل لو تيسرت لهم أسبابه، وانفتحت في وجوههم أبوابه،

ولكنهم انقطعوا عن التعلم اضطراراً، فشغلناهم بالتعليم اضطراراً؛ لأن حالتنا جميعاً _ وأمتنا معنا _ حالةُ اضطرار لا اختيار معه، وحالة شذوذ لا قاعدةَ له،

وإن التعليم لإحدى طرق العلم للمعلم قبل المتعلم، إذا عرف كيف يصرّف مواهبه، وكيف يستزيد وكيف يستفيد،

وكيف يَنْفُذ من قضية من العلم إلى قضية، وكيف يخرج منه من باب إلى باب؛

فاعرفوا كيف تدخلون من باب التعليم إلى العلم، ومن مدخل القراءة إلى الفهم،

وتوسعوا في المطالعة يتسع الاطلاع، ولا يصدنكم الغرور عن أن يستفيد القاصر منكم من الكامل، والكامل ممن هو أكمل منه.

إنقاذ الأبناء من أمية الآباء

إن حاجتنا إليكم هي أن تنقذوا هذا الجيل الناشئَ من الأمية التي ضربت بالشلل على مواهب آبائهم، وكانت نقصاً لا يعوَّض في إنسانيتهم،

ثم كانت سبباً في كل ما يعانونه من بلاء وشقاء، وأن تحببوا إليهم العربية، وتزينونها في قلوبهم،

وأن تطبعوهم على التآخي والتعاون على الخير،

وأن تربوهم على الفضيلة الإسلامية التي هي مناط الشرف والكرامة والكمال،

وأن تأخذوهم بممارسة الشعائر الدينية صغاراً، حتى نأمن تضييعهم لها كباراً،

وأن تزرعوا في نفوسهم حب العلم والمعلم، وحب الأب والأم، وحب بعضهم بعضاً، وحبَّ الله ورسوله والإسلام قبل ذلك ومعه وبعده.

لا يضيركم ضعف حظكم من العلم إذا وفر حظُّكم من الأخلاق الفاضلة؛ فإن أمتكم في حاجة إلى الأخلاق والفضائل؛

إن حاجتها إلى الفضائل أشد وأوْكد من حاجتها إلى العلم؛ لأنها ما سقطت هذه السقطة الشنيعة من نقص في العلم، ولكن من نقص في الأخلاق.

معلمون للصغار وأئمةٌ للكبار

أخشى أن تغيب عن بصائركم حقيقة ثابتة، وهي أنكم معلمون للصغار، وأئمةٌ للكبار،

أولئك يأخذون من أخلاقكم وعلمكم، وهؤلاء يأخذون من أخلاقكم؛ فإذا راعيتم الجانب الأول، واعتقدتم أنكم معلمون للصغار _ وحسبُ المعلم أن يؤدّي وظيفته أداءً آليّاً،

وأغفلتم الجانب الثاني فلم تبالوا بما يأخذه منكم استقامةً واعوجاجاً _ كان ضركم أكثر من نفعكم؛

وإن الذي يلوح لي من تتبع أعمالكم، وتقصّي أحوالكم أن كثيراً منكم عن هذه الحقيقة غافلون.

يسوؤني أن أرى في كثير مما يرجع إليّ من شؤونكم هِنَاتٍ يهوّنها عليكم الترخص، واتساع مجال الإباحة،

وتغضّون النظر عن عواقبها إذا استشرتْ، وسرَت عدواها من بعض إلى بعض، وأصبحت وسماً لكم وتعريفاً بكم،

وتزنونها بمعانيها عندكم لا بآثارها في الأمة، مما يدخل في معنى الاستهانة بشعور الأمة.

نهاية المقال : كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين

الهوامش

(1) نشرت في العدد 132 من جريدة البصائر، 9 أكتوبر سنة 1950م، وانظر آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 3/ 266 _ 269.

(1) يشير إلى الحالة السيئة التي كان عليها التعليم الديني والعربي لأوائل هذا العهد، وربما يشير إلى ماكانت عليه أيام الاستعمار.

#مقالات_عربية_رائعة

#مقالات_في_التربية_والتعليم

#محمد_البشير_الإبراهيمي

مقالات عربية رائعة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية (٣)

 

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين

كن صاحب أول تعليق على "كلمات واعظة لأبنائنا المعلمين الأحرار (1) للعلامة محمد البشير الإبراهيمي"

تعليقك يثري الموضوع