فوائد تتعلق بالمعلم .. من تنبيهات الطنطاوي على مسيرة التعليم

فوائد تتعلق بالمعلم

ثانياً : فوائد تتعلق بالمعلم

لما نقلت هذه النقلة كنت في قلب الشتاء ، وكنت أستطيع أن أطلب إجازة ولكني لم أقبل الهزيمة ، وكانت همة الشباب تملأ جوانحي ، فحزمت حقيبتي وركبت إلى (صيانايا ) فلما بلغتها ووقفت السيارة الكبيرة فيها ، ونزل منها ركابها ، قلت : ولكني أريد الوصول إلى (رنكوس) ، فقالوا : مستحيل ، قلت : ولم ؟ قالوا : الطريق مقطوع ، قد سدته الثلوج ، قلت لصاحب السيارة : أدفع لك ما تردي فأوصلني ، قال : ما عندنا ركاب فهل تدفع أجر المقاعد كلها ؟ قلت : نعم ، قالوا : وإن لم نستطع الاستمرار في السير ؟ قلت : إن لم تستطيعوا فعودوا والأجرة لكم .

وسرنا وسط الثلوج ، في طريق جبلي خطر فلما بلغنا نصفه أو أكبر قليلا لم يعد بالإمكان أن تتقدم السيارة ذراعا واحدا . فقلت : عودوا وأنا أمشي .

قالوا : كيف تمشي ؟ الطريق خطر ، ولا يخلو من وحش ، والثلوج كما ترى .

فأصررت ومشيت ، مشيت نحو ساعتين ونصف الساعة ، الله وحده يعلم ما قاسيت فيهما ، وكان البرد يقص العظم ، ووصلت ، فسألت : أين المختار (أي العمدة ) ، فنظروا إلي مدهوشين كأنهم يرون في جنيا طلع عليهم ، وقالوا : من أنت ؟ وكيف جئت ؟ قلت : أنا المعلم ، وقد جئت ماشيا من نصف طريق (صيدنا يا) .

وكانوا رجالا صلاب العود يقحمون الأهوال فعجبوا من شاب شامي يبدو في أنظارهم رقيق العود ، قليل الصمود ، يفعل ما لا يقدمون على فعله .

ودلوني على (المختار ) وكان قاعدا مع صحبه على دكة (مصطبة) يواجه شمس الشتاء الضعيفة ، فسلمت فردوا ردا ضعيفا ، وقالوا : من الأخ ؟ .

فخبرهم من كان معي ، أنني المعلم ، وأنني جئت ماشيا ، فكبرت في أعينهم قليلا ، ودعوني إلى القعود ، ثم قال المختار : لا يا جماعة ، بل يدخل فيأكل شيئا ويستريح .

ودخلت معهم إلى (المضافة) فشربت الشاي وأكلت ما حضر ، وسألت : أين المدرسة ؟ وأين تلاميذها ؟ .

فسبوا الحكومة ، وشتموا المعلم ، وفهمت من كلامهم أن الوزارة لم تستأجر دارا للمدرسة ، ولا صنعت ، ولا صنع المعلم شيئا للقرية ، وتلقيت أنا هذه الشتائم بوصفي ، الموظف الحكومي الوحيد بينهم .

وكان الناس قد تواردوا على (المضافة) ليروا هذا المعلم العجيب الذي بلغ حبه التعليم وشغفة به ، أن يخوض إليه الثلج ، ويلتحف البرد ، ويتعرض للمهالك .

فلما كثر عددهم ، قمت فألقيت عليهم خطبة نارية مجلجلة ، أثرت بها وطنيتهم ، ونبهت أيمانهم وحييت بطولتهم ورجولتهم ، ورغبتهم بالعلم ليكون من أبنائهم من يحتل هذه الكراسي ، التي يقتعدها الجواسيس والمنافقون من رجال السلطة وأذناب الاستعمار .

وما انتهيت حتى صرت عندهم شيئا آخر ، غير الذي رأوه أول مرة واستأذنتهم أن أرجع اليوم ، وأعود إليهم إن شاء الله بعد أن تفتح المدرسة ، وتستكمل عدتها ولم أرجع ماشيا ، بل تطوع واحد منهم عنده سيارة ، فحملني إلى قلب (صيدنايا) .

هل كان يخطر على بالي يومئذ أنها ستمر إحدى وخمسون سنة ، وأني سأكون في مكة ، وأن أذكر تلك الأيام وقد انطفأت حرارة ألمي منها ، حتى لأتحدث عنها كأن غيري هو المصاب فيها ؟ .

كنت أراها في حينها هي الواقع كله ، كنت أحسب أنها آخر الدنيا ,أنه كتب علي تجرعها وإن لم أسغها ، فالحمد لله ، أن جعلها مجرد ذكرى ، وصيرها حديثا يروى .

فليأخذ المتألمون المعذبون العبرة من هذا الذي أقول ، فما أسرد خيالات ، ولا ألقي مواعظ ، بل أروي لهم ما وقع لي ، وسيأتي على هؤلاء المتألمين المعذبين ، بمرض ينغص عليهم عيشتهم ، أو فقر ينكد عليهم أيامهم ، أو سجن ظالم يقيد أيديهم ، ويحرمهم أهلهم وأولادهم ، أوعذاب مستمر من جبار آثم يغديهم به ويمسيهم ، سيأتي عليهم يوم يكون فيه هذا كله ذكرى في النفس ، وحديثا في المجالس . ومهما اشتد الضيق ، فالفرج موجود .

اقرؤوا ما كتب الأستاذ مصطفى أمين – عما قاسى في سجنه ، وما كتب غيره عما في سجون الظالمين ، ومعتقلات المجرمين ، وهاهو ذا قد نجا منها ورجع يكتب والتفاؤل ملء برديه ، والأمل يظهر على سن قلمه ، وإن لم ير البائس الفرح في الدنيا ، فما الدنيا ؟ أيام معدودة ، وإن الحياة الباقية لهي الحياة الآخرة ، وهنالك يعوض المظلوم تعويضا يرضيه ، ويرى الظالم ما قدم لنفسه .

(ذكريات4 :صفحة 12، 13 ، 14)

ولما كنت أدرس في الثانوية المركزية أول عهدي ببغداد دخل علي الصف (الفصل) يوما شاب في مثل سني أو يكبرني قليلا ، وكان من عادتي في دروسي أن أدع الباب مفتوحا ، فمن شاء أن يدخل دخل ، ومن أراد من طلابي أن يخرج خرج ، لا أمنعه ولا أجبره على أن يستمع إلي بالعصا ، ولو فتح الطالب كتاب الكيمياء في درس الأدب ، بل لو قرأ فيه قصة من القصص لما قلت له شيئا ، ما كنت أمنع إلا شيئا واحدا هو أن يحدث الطالب صوتا يعكر علي صفاء درسي ، فإن لم يكن منه صوت فعل ما أراد ، مما لا يحرمه شرع ولا قانون ولا عرف .

حسبت هذا الشاب أحد الذين يدخلون ليستمعوا ، ولم يكن ذا سن ولا هيبة لا شيء فيه يدل عليه ، فقعد في آخر الصف ، ومضيت في درسي ، ورأيته قد أخرج دفترا صغيرا فجعل يكتب فيه فقلت : حريص على الفوائد يدونها لئلا ينساها .

فلما انتهى الدرس وخرجنا لحقني الطلاب على عادتهم يمشون معي ، ومشى هو معهم ، فلما انتهيا إلى غرفة الأساتذة رجعوا ودخلت فدخل هو معي ، وافتتح القول بالثناء على درسي الذي سمعه ، وعلى مقالاتي التي قال : إنه كان يقرؤها في الرسالة ، وأنا لا أجد في مثل هذه الحال ما أقوله . لأن من سألني عما أعرف أجبته ، ومن حياني حييته ، ومن شتمني شتمته ، أما الذي لا ينطق إلا بمدحي فماذا أقول له ؟ اللهم إلا كلمات الشكر أعيدها وأكررها، ولا أتمنى إلا أن يخلصني الله من هذا الموقف الذي أراه (إلى الآن) أشق المواقف علي

فلما ظن أنه خدرني بمدحه ، وأنه تمكن مني ، وأنه عقل لساني بالحياء عن جوابه قال : أعرفك بنفسي أنا الدكتور فلان من مصر المفتش ألاختصاصي للغة العربية .

وأحسست أنه مد باللقب صوته ، ونصب عنده قامته ، ودانى ما بين حاجبيه ، ووقف وقفة القائد الذي يريد أن يلقي أوامره فتطاع .

وأنا مهما حاولت أن أروض نفسي على طاعة المفتشين والرؤساء لا أستطيع ، وأجدني مدفوعا دفعا لا يقاوم إلى المنازلة وإلى المجابهة من يأمرني وينهاني مستعليا ، بما يكره،إلا اثنين من المفتشين والرؤساء.
(ذكريات4 / 4).

وكنت أعرف (الفصل) الذي كلفت بالتدريس فيه ، فلم أدخل على المدير ، كما هو المطلوب من مثلي ، بل دخلت الصف (أي الفصل) رأسا ، وكنت من الحر قد نزعت ردائي (جاكيتي) وحملته ، وشمرت كمي عن طرف ساعدي ، كأنني طالب كبير . ولا ينبغي للمدرس أن يصنع مثل هذا ، لا سيما في دروسه الأولى ، قبل أن يعرفه الطلاب ، ويثقوا من علمه وفضله ، ويثق هو من أدبهم معه واحترامهم له .
( ذكريات4 / 41).

لقيني قبل العيد جماعة من المعلمين ، من الذي يدرس الواحد منهم أربعة وعشرين درسا في الأسبوع ، يحضر لها بالمراجعة والإعداد ، ويصحح وظائف التلاميذ ، ولنقل الحجارة أسهل من تصحيح الوظائف ، ويضبط الفصل ويديره ، وضبط الفصل وإدارته أصعب من إدارة وزارة كاملة ، لأن الوزير يكلم ناسا كبارا ، يعقلون ويقدرون النتائج ، ويفكرون قبل أن يعملوا ، والمعلم يخاطب صغارا ، لا يقدرون العواقب ، أيديهم إلى العمل أسرع من رؤوسهم إلى التفكير ، بل لعلهم لا يكادون يفكرون ، ومن عند الوزير مسئولون عن أنفسهم ، ومن في المدرسة من التلاميذ وراءهم أولياؤهم ، إن أحسنت رعايتهم وصدقت في تعليمهم وتهذيبهم لم يشكروك ، لأنك إنما تؤدي واجبا وجب عليك ، وإن قصرت في العمل ، أو شددت في العقوبة ، ذهب الأولاد إلى أبيهم مساء يبكون ، قالوا يا أبانا المعلم ضربنا ، وربما كان الأب عالي المكان ، أو كان من ذوي السلطان ، فنال المعلم الأذى .

أعرف هذا لأني بلوته حينا من الدهر ، بل ابتليت به ، ومسني من أجله الضر ، هذا وربما كان المعلم مقصرا بلا عذر ، قاس بلا مبرر ، يضرب الأولاد ضرب منتقم ، لا ضرب مرب معلم ، لذلك منع الضرب في المدارس ، وترك لراعي الإبل في البر لا للمعلم في المدرسة .
(ذكريات- 8-صفحة 57).
* * *

وإن مثال هذه الكلمات يلقيها معلم يجتمع له في قلب تلميذه الحب مع الاحترام ن هي التي تبقى على كر الأيام ، وإن نسيت محاضرات الفصل التي يكون فيها الامتحان . أضرب لكم عليها مثلا :

تجوز الصحراء ، فلا ترى إلا أرضا جرداء ، لا ظل و ماء ، ولا نبته خضراء ، فإذا نزل المطر اهتزت وربت وكسيت ثوبا أخضر من العشب والزهر ، وصارت مرعى للسوائم ومتعة للنظر ، فمن أين ترونه قد جاء هذا النبات ؟ .

من بذور صغار قد لا تأخذها من دقتها الأبصار ، قد ركب الله لبعضها ما يشبه الأجنة القصار ، تحملها الرياح فتلقيها بين حبات الرمال ، فلا ترى إلا تلالا من الرمل تتلظى تحت وهج الشمس ….

فإذا أنزل الله الأمطار ، وجمع الله لها (الظروف) التي جعلها سبب الإنبات كان منها هذا النبات ، وكان منه الزهر البارع ، والثمر اليانع ، أو كان منه الشوك الجارح والسم الناقع .

وكذلك كل ما تسمعه لاسيما إن سمعته في الصغر ، إنه بذرة خير أو بذرة شر ، إذا جاءها (الظرف المناسب) وضعتك على طريق الجنة ، أو على سبيل النار . .

(ذكريات-1-صفحة 74).

فيا ليت مدرسي الفقه إن علموا الطلاب أحكام الحج عرضوا له مصور المشاعر ، وأماكن العبادة ، ليصلوا علوم الدين بحياة الناس في هذه الدنيا .

ولولا أني أبعد عن موضوعي ، لعرضت لشيء أعلم أن ليس هنا مكانه ، ولكنها ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين ، هي أن دروس مدرسي الدين ، وخطب خطباء المساجد ، ومواعظ الوعاظ ، لا تبلغ من نفوس الناس غالبا مبلغها المرجو لها ، لأنها تأتي بعيدة عن الحياة منفصلة عنها ، فكأنها الآثار ، تقتني للإعجاب بها ، ولكنها لا تستعمل للاستفادة منها ، تعرض في الرائي البرامج وهي شتى ولعل منها ما يخالف الإسلام ، وأنا لا أقصر الكلام على المملكة بل أعمم ، ثم تختم بتلاوة القرآن الكريم كما بدأت بتلاوة القرآن الكريم ، فتأتي التلاوة منفصمة عما كان قبلها وعما كان بعدها .

وننسى أن القرآن لم ينزل جملة واحدة ، كما نزلت الكتب من قبله ، وكما طلب الكفار ، بل نزل منجما ، مرتبطا بالحياة ، تكون قصة أسرى بدر فينزل فيها قرآن ، وتكون مسألة الإفك فينزل فيها قرآن ، ينزل دائما مقترنا بالأحداث لنفهمه دائما مرتبطا بالحياة ولنربطة بها .

.(ذكريات- 8-صفحة 96).

58- يا أيهـــــــا الرجــــــــــــل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كما يصح به وأنت سقيـــم

لأبي الأسود الدؤلي ، من قصيدته التي يقول فيها :

حسد الفتــــى إذ لم ينالــــــوا سعيه فالقوم أعـــــداء له وخصوم

(فكر ومباحث-صفحة 99).

وقعت لي في هذه المدرسة حوادث صغار ولكنها عميقة الآثار .

منها أني كنت يوم أجتاز باحتها الواسعة ، خارجا من محاضرة قاصدا إلقاء أخرى ، وأنا أمضي دائما هذه الفسحة بين المحاضرات في الباحات ، لا أكاد ألج غرفة المدرسين إلا نادرا ، لأن الطلاب يمشون معي يسألونني ، وتتوالى الأسئلة والإجابات فتضيع هذه الفسحة بين المحاضرات .

أقول إني كنت يوما أجتاز الباحة فرأيت ركنا في مدرب رياضي ألماني ، والطلاب يتدربون على مبادئ الملاكمة ، فلما رآني وكنت شابا قوي الجسد ، متين التركيب ، وكان مقاييس جسمي ، العنق والصدر والبطن والأطراف لا تختلف عن المقاييس المثالية لأبطال كال الأجسام إلا 7% فقط ، فقال لي ضاحكا : هل تدخل معهم فرقة الملاكمة ؟ قلت بلا تردد : نعم .

دخلت في فرقة الملاكمة فتعلمت من هذا المدرب الألماني وقفة الاستعداد وأنواع اللكمات : المستقيمة الأمامية ، والمنحنية الجانبية ، والقصير الصاعدة .

والقاعدة عندهم أن يستعمل المبتدئ في بداية التدريب يده اليسرى وحدها ، حتى أن من المدربين من يربط اليمنى حتى لا يستعملها .

تدربت أولا على الكيس الثقيل ، ثم شرعت أنازل بعض الطلاب ، أضربهم ويضربونني ، فإذا دخلت الفصل عدت مدرسا وعادوا طلابا ، وأشهد أن طلاب العراق يعرفون الانضباط تماما .

ولبثت على ذلك شهورا ، حتى كان يوم أصابتني فيه ضربة من طالب تورمت منها عيني ، وظهر أثرها عليها ، فقلت للمدرب : إلى هنا وبس ـ وكلمة ( بس) بمعنى (فقط) فصيحة معربة من القديم ـ ولكن سرعان ما طبقت ما تعلمته من دروس الملاكمة . ذلك أنني زجرت يوما طالبا مسيئا يبدو أنه من أسرة غنية وجيهة ، فحقد على أهله .

وكنت في صباح يوم مطير من أيام الشتاء ، أمر أمام وزارة الخارجية ذاهبا إلى المدرسة ، فاعترضني رجل طويل ممن يدعون في بغداد “أبو جاسم لر ” أي من صنف الفتوات كما يقال في مصر ، أو القبضايات كما يقال في الشام ، وكلمة “لر” تركية هي علامة الجمع عندهم .

ففتح معي بابا للشر ، وقال : لماذا شتمت فلانا (يعني من الطلاب؟) أما عرفت من هو ؟ وهل بلغ من قدرك أن تتطاول على ابن فلان ؟ .

فقلت له : حافظ على أدبك ، وإن كان لك كلام فراجع مدير المدرسة .

فقال قولا بذيئا ، وهددني , أمسك بصدر ردائي حتى كاد يشقه ، ثم لوث ثوبي بحذائه المحمل بالوحل والطين فترك عليه أثرا ظاهرا .

وكان يمشي إلى يساري فقبضت يدي وتناولته بلكمة جانبية جاءت تحت صدغه لم يكن يتوقعها .

وتجمع الناس وحالوا بيني وبينه ، ولم أعد أستطيع المشي إلى المدرسة بهذا الثوب الملطخ بالوحل ، فأخذت عربة (عربانة كما يقولون ) وذهبت فبدلت ثيابي ومررت بالأخ الكبير الذي كان مفزعنا في كل ملمة تلم بنا ، الأستاذ بهجة الأثري ، فخبرته .

فقال : لا تدير بال ( أي لا تدر لها بالا) .

ووصلت المدرسة متأخرا فوجدت شيئا عجيبا ، الطلاب جميعا يستقبلونني ، يحفون بي ، يقولون : ( خاطر الله سشنو هذا ) مذا عملت ؟ كيف ضربته ؟ وأسئلة كثيرة من أمثال هذه كرت علي كرا .

قلت ويحكم ، خبروني أولا ، ما القصة ؟ فإذا القصة أن هذا الذي ضربته معدود في حيه من أبطال الرجال ، لا يقدر عليه أحد .

أو هو يوهم من حوله بأنه لا يقدر عليه أحد ، فلما يئس من أن ينتقم مني بيده ، ذهب إلى المخفر وشكاني ، وكانت اللكمة قد أصابت أصول أسنانه فنزل منها الدم ، فهول ألأمر على الضابط وكبره ، حتى أحالوه إلى الطبيب الشرعي ، ويظهر، أنه استمال الطبيب فربط وجهه بالرباط الأبيض ورجعة إلى الضابط ،

فبعثه الضابط مع شرطي إلى المدرسة يفتش عن المجرم الذي اعتدى على هذا البطل … وكنت أنا ذلك المجرم .

فكانت دعاية لي بأنني قهرت من هو أقوى الرجال ، وأنني صرت بذلك من الأبطال ، وذهبوا فحدثوا بالقصة إخوانهم وأهليهم ، وزادوا في سردها ، على عادة الناس في المبالغات ، وملحوها وفلفلوها ووضعوا لها الحواشي والذيول ،

فكانت النتيجة أنني صرت بطلا ، والحقيقة كما قال المثل : ( مكره أخاك لا بطل )
ولم تنته السنة المدرسة حتى جاء يوم خفت فيه حقيقة ، ذلك بأنني بعد أن أنهيت عملي في المدرسة وأكملت امتحاناتي كلفوني بمراقبة فرقة من الطلاب الأحرار ، الذي يدرسون الدراسة المسائية ،

وكانت هذه الفرقة تؤدي امتحان الشهادة الثانوية ، وكان هؤلاء الطلاب غالبا من الجنود والعمال وكبار السن .

فوجدت جنديا ضخم الجثة ، بادي القوة ، متراكب الأعضاء ، غليظ العنق ينطق كل ما في جسمه بقوته وشدته . وكان قاعدا عند الشباك ، ينظر في الخارج متلهفا كأنه يرقب عونا ، فوضعت عيني عليه ، فخلا مقعد في وسط الغرفة ،فقلت له ” قم فاقعد فيه” .

فتردد ، وهم بأن يقول لا ، فما استطاع لأنه جندي خاضع للنظام العسكري ومعرض للعقوبة إن هو أعلن العصيان ، ووضعت عيني عليه ، وكانت عينه إلى الشباك ، فألقيت إليه رزمة أوراق فسبقته إليها فأخذتها فإذا فيها الأجوبة المطلوبة فأبقيتها معي ولم أدفعها إليه ، فضم شفتيه ، ورماني بنظرة وعيد يتطاير منها الشرر ، وهز رأسه كأنه يقول : سترى .

وكان قد بقي لموعد سفرنا عشرة أيام ، فذهبت إلى المدير فرجوته أن يسمح لي بالسفر ، وأن يعفيني من هذه المراقبة التي لم تكن من عملي الأصلي .

فعجب وقال: لماذا ؟ فقصصت عليه القصة ، فقال وهل تخاف ؟ فقلت : نعم ، أخاف ؟. فضحك وقال : عجيب . قلت : له ، بل العجيب أن لا أخاف ، ألم يقتل السنة الماضية الأستاذ المصري الدكتور سيف ؟ ألم يكد يلحق به الأستاذ محمود عزمي لولا أنه أخرج مسدسه وهدد به ؟ ألم يعتدوا في الكرخ على الأستاذ فاضل الجمالي وهو يومئذ مدير المعارف ؟ .

إن الطلاب في الشام إن غضبوا لحقوا المدرس يسبونه أو يهتفون به الهتاف العامي الوسخ ( بعرو) أو يرمونه بالحجارة وربما ضربوه ، أما القتل …القتل ؟

فلا والله ، لا أعرض نفسي للقتل حتى تقول عني إنني شجاع .

فأبى أن يأذن لي بالسفر ، واعتذر بأنه لا يملك الإذن ، إنما تملكه وزارة المعارف ، وخرجت منزعجا .

وكنت أنام – كما عرفتم – في دارة العلوم الشرعية ، في المدرسة الملحقة بجامع أبي حنيفة في الأعظمية ، وكان عندنا رجل مسن اسمه حاجي نجم (الحاج نجم) كان بمثابة رئيس الفراشين .

ولكنهم يوقرونه لسنه ويحترمونه ، وكان عاقلا .

فرآني مهموما فسألني : مالك ؟ قلت : لا شيء .

فأصر علي أن أخبره ، وحلف علي بالله أن لا أكتمه شيئا .
فخبرته بما كان فاستراح وقال : المسألة هينة ، أنا أذهب معك غدا .

فتعجبت ، وضحكت ، وقلت شبه ساخر : تذهب معي ؟ أشكرك .

ولكن ماذا تصنع وأنت يا حاجي رجل عجوز ؟ هل تقاتل عني إن قاتلوني ؟ قال : لا تستصغر أحدا يا أستاذ ، وغدا إن شاء الله سترى .

فاذهب الآن فتعش ونم مطمئنا .

وذهب معي صباحا ، فلما نزلنا من الحافلة في طرف بغداد مشيت ومشى ورائي بجانب الطريق فلما اقتربت من المدرسة وجدت الطالب الذي هددني ،

ومعه ثلاثة من أشباهه ، لو صارعوا دبا قطبيا لصرعوه ، أو قاتلوا ثورا هائجا لقتلوه ، فأقبلوا علي من الجهات الثلاث بخطى بطيئة كخطى الجاموس الذي يتقدم للنطاح .

فوزنت قوتي بقوتهم ، فرأيت أني لن أقوى عليهم ، ولكني لن أكون ضحية سهلة ، وسأتناول واحدا منهم أو اثنين بلكمة قوية أو لكمتين قبل أن يصلوا إلي .

وتوقعت الشر وأيقنت أنه لا بد من وقوعه .

وإذا بهم يقفون ، ثم ينظر بعضهم لإلى بعض ، ويستديرون راجعين ، فلم أفهم ماذا جرى ، وإذا الحاج نجم هذا الرجل العجوز لم يزد على أن مشى خطوتين إليهم ، وتنحنح يقول : احم ، كأنه يقول هلم ، “نحن هنا” فلما رأوه تطايروا كما يتطاير سرب من العصافير حط عليها الباشق .

ومشى معي إلى المدرسة . قلت أشكرك ، أشكرك ، ولكن خبرني أولا لماذا ذهبوا ؟ لماذا خافوا منك ؟ قال : هذا توفيق من الله .

فأصررت عليه ، فلم يخبرني ، فتقصيت خبره بعد ذلك ممن يعرفه ، فعلمت أنه كان في شبابه مقدم حيه ، وكبير “فتواته” وبقي معه من أتباعه ومن إخوانه جماعة يفدونه بأرواحهم ، ويبذلون له دماءهم ،

وكل واحد منهم بخمسة من هؤلاء الشباب الذين قطعوا علي الطريق ، وجاءوا يهددونني .

فلما رأيت ذلك رجوته أن ينزل معي كل يوم من أيام الامتحان من الأعظمية إلى بغداد فقبل ، وبقينا على ذلك حتى حان موعد السفر ، وجزيته خير ما قدرت من الجزاء ، وأسأل الله الآن أن يرحمه ، وأن يجزل له الجزاء .

ومما وقع لي تلك السنة أن الطلاب اليهود كانوا في الأقسام العلمية تسعة أعشار الطلاب وكانوا ينالون أعلى الدرجات في الامتحانات حتى في الأدب العربي الذي أدرسه ، كما أدرس الديانة ، وكان منهم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس أي أن الخمسة الأوائل كانوا من اليهود .

فغاظ ذلك المدير ، وكان شابا يتفجر حماسه وإخلاصا ، ويمتلئ قلبه بغضا لليهود وكرها ، وقد نسيت اسمه مع الأسف – ولعل الأخ العراقي الذي علق فيما سبق على هذه الذكريات يرسل تعليقا جديدا من مقامه في المغرب ، يبين فيه اسم هذا الرجل .

كلمني المدير بشأن هؤلاء اليهود فقلت له : إني ليغيظني الذي يغيظك ، ولكن ماذا أعمل ؟ وأنا إنما أؤتمنت على تقدير الدرجات لما في ورقة الامتحان ، فلو أن بين الطلاب ابني أو أخي ما زدته درجة على ما يستحق .

ولو كان بينهم قاتل أبي ما نقصته درجة ، وهذا ما أرادنا به ربنا حين قال لنا : (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا ).

فإذا وجدت أنت سبيلا إلى ضمان مصلحة البلد ، بمعاملة اليهود بما يستحقونه ، بشرط أن لا أدع العدالة بين الطلاب ، كنت لك شاكرا .

ففكر ، ثم قال ندمج مادتي الديانة والأدب معا ، ونعطيهما درجة واحدة ، قلت : ولكن بقي للامتحان أسبوعان ، وسيفاجأ اليهود بهذا القرار ويثورون عليها ، قال : هم أقل وأذل من أن يثوروا ، وهذا الدمج من الأمور الإدارية التي نيطت بي ، وأنا المسئول عنها ، فوافقته مكرها .

وصدر القرار ونفذ ، ولم يسمع صوت اعتراض لأن مادة الديانة كانت دراسة سورتين من القرآن الكريم وتفسيرهما ، والقرآن الكريم كتاب العربية وكتاب الإسلام ، فلا عجب أن يكون بين النصوص الأدبية المختارة شيء من القرآن الكريم ، بل ذلك هو الأصل وذلك هو المطلوب .

وجاء الامتحان ، وصححت الأوراق ، وظهرت النتائج ، فكان الأول والثاني والثالث والرابع والخامس أيضا من اليهود .

فذهبت إليه قبل أن أعلن النتيجة ، وقلت ماذا ترى ؟ قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا أعمل إذا كان الطلاب العرب المسلمون كسالى لا يعملون ، وكان هؤلاء الخبثاء هم العاملين الجادين .

(ذكريات- 4 – صفحة 114-116-117-118-119-120-121-122)

وأول من سن سنة التشجيع في بلدنا هو العلامة المرحوم مربي الجيل الشيخ طاهر الجزائري ، الفيلسوف المؤرخ الجدلي ، الذي من آثاره المدارس الابتدائية النظامية في الشام ، والمكتبة الظاهرية ، والأستاذ محمد كرد علي بك ، وخالي الأستاذ محب الدين الخطيب … ومما كتب في ذم التثبيط :

“… وقد عجبت من أولئك الذي يسعون في تثبيط الهمم ، في هذا الوقت الذي ينتبه فيه الغافل …

وكان الأجدر بهم أن يشفقوا على أنفسهم ويشتغلوا بما يعود عليهم وعلى غيرهم بالنفع ، ولم ير أحد من المثبطين قديما أو حديثا أتى بأمر مهم ،

فينبغي للجرائد الكبيرة أن تكثر من التنبيه على ضرر هذه العادة والتحذير مها ، ليخلص منها من لم تستحكم فيه ، وينتبه الناس لأربابها ليخلصوا من ضررهم” .

وكان الشيخ في حياته يشجع كل عامل ، ولا يثني أحدا عن غاية صالحة ، حتى لقد أخبرني أحد المقربين منه أنه قال له : إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام ، فلا تقل له إن هذا غي ممكن .

فتفل عزيمته ، وتكسر همته ، ولكن أقرئه وحبب إليه النحو ، فلعله إذا أنس به واظب على قراءته .

ثم إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءه حتى تظهر وتثمر ثمرها ، وتؤتي أكلها ، ورب ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون إذا شجع وأخذ به عالما من أكابر العلماء ، أو أديبا من أعاظم الأدباء !

وفي علماء القرن الماضي في الشام من ارتقى بالجد والدأب والتشجيع من منوال الحياكة ، إلى منصب الإفتاء وكرسي التدريس تحت القبة .

ومن هذا الباب قصة الشيخ على كزبر ، وقد كان خياطا في سوق المسكية على باب الجامع الأموي ، فكان إذا فرغ من عمله ذهب فجلس في الحلقة التي تحت القبة فاستمع إلى الشيخ حتى يقوم فيلحق به فيخدمه ،

وكان الشيخ يعطف عليه لما يرى من خدمته إياه فيشجعه ويحثه على القراءة فقرأ ودأب على المطالعة ، حتى صار يقرأ بين يدي الشيخ في الحلقة ،

ولبث على ذلك أمدا وهو لا يفارق دكانه و لا يدع عمله ، حتى صار مقدما في كافة العلوم .

فلما مات الشيخ حضر في الحلقة الوالي والأعيان والكبراء ليحضروا أول درس جديد للمدرس الجديد ، فافتقدوا المعيد فلم يجدوه .

ففتشوا عليه فإذا هو في دكانه يخيط ، فجاءوا به ، فقرأ الدرس وشرحه شرحا أعجب به الحاضرون وطربوا له .

فعين مدرسا ولبث خمسة عشر عاما يدرس تحت قبة النسر ، وبقيت الخطبة في أحفاده إلى اليوم

(فكر ومباحث – صفحة 130، 131،134) .

كنت معلم ابتدائي ، ولكني كنت متمردا أقوم بعملي كله ، أو بأكثر منه ، لأني كنت أحب عملي ، ولكن لا أشعر بالخضوع لمدير .

ولما جاءت بدعة دفتر التحضير رفضتها ، ولم يستطع أحد أن يجبرني عليها لأنني إذا ضويقت فزعت إلى قلمي فجردته ، فقرعت به أركان وزارة المعارف .

كانوا يعرفون هذا ويعرفه كل من أدرك تلك الأيام .

وأنا لا أرى للشباب أن يقلدوني فيه ، ولكن أذكر ما كان ، وأنا أعلم أنه لا يستقيم أمر أمة إذا تمرد موظفوها على رؤسائهم ، أو تكبر عليهم رؤساؤهم .

أنما يستقم أمرها إذا وقر صغيرها كبيرها ، ورحم كبيرها صغيرها , واتبعوا في ذلك منهج الإسلام ، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام .

(ذكريات- 3 صفحة – 171)

كان الأستاذ الذي يدرسه – أي الاقتصاد – كلما وجد في الأساتذة أو الطلاب من له قلم بليغ سأله أن يعود على عبارته بالتنقيح والتصحيح ، حتى صار كاتب أدب .

ولم يكن يستر جهله بصمته بل يكشفه بلسانه ، فيضيع أولا ربع ساعة بقراءة التفقد يرفع النظارات عن عينيه حتى يقرأ الاسم ، ثم يعيدها حتى يبصر الطالب المسمى ، ثم يأمر أحد الطلاب فيقرأ الفصل من الكتاب فيضيع ذلك ثلث ساعة ، ثم يشرح ، وهالكم مثالا مما بقي في ذهني من شرحه .

يمر في الكتاب ذكر السلسلة العددية والهندسية ، فيقول : أتدرون ما السلسة العددية وما الهندسية ؟ فنقول (للتسلية بشرحه الهزء به) : لا ندري . فيفكر ويأخذ هيئة العالم الجاد ، ويقول العددية يا أولادي هي التي تنقص والهندسة هي التي تزيد .

وجاء مرة ذكر (ميزانتروب) وهو اسم مهزلة (كوميدية) لموليير ، فقال أتعرفون من هو ميزانتروب ؟ قلنا لا . قال هو عالم من علماء الاقتصاد !.

قلنا : أفادك الله كما أفدتنا .

(ذكريات- 2 صفحة 172، 173)

ومن أصعب ما مر بي من تجارب في مجال الدروس الخصوصية ، تجربة كنت ناسيتها فما حدثتكم حديثها ، هي أنه كان في (بوابة الصالحية) مؤسسة أهلية لأستاذ لبناني اسمه (كما أذكر) سليمان سعد ، تدعى (كما أظن) الجامعة العربية ، سمع بأني أحسن العربية ، وأحتاج إلى المال ، فعرض علي أن ألقي عنده درسا خاصا ، لطالب واحد ، بأجر يعتبر كبيرا جدا ، فقبلت .

وكانت المفأجاة الكبيرة يوم الدرس أن هذا الطالب جاء يحمل معه تاء التأنيث ، لم يكن طالبا ولكن طالبة شابة تتفجر شبابا ، وتفيض حسنا ، تنشر حولها ساحة من الفتنة مثل الساحة المغنطيسية ، لم أقدر أن أمكن نظري منها، لأصف وجهها وعينيها ، ولكن اللحظة التي لقيت عيناي فيها عينيها ، كفت لتقول لي ، وأقول لها .

ولعلي بالغت في تصوري ، ولعل شبابي وكوني لم أجتمع قبلها بفتاة من غير أهلي ، وأن في نفسي من العواطف والرغبات ما يكون في نفوس أمثالي من الشبان ، لعل هذا هو الذي خيل إلي أني أرى فيها ما رأيت .

الخلاصة أني أصبت منها بمثل ما يصيب من يمسه السلك مشحونا بتيار الكهرباء .

ووقفت ألتقط أنفاسي ، وأرقب أن أفيق من دهشتي ، يتقاذفني ميل نفي إلى تدريس هذه الفتاة ، مع حاجتي إلى الأجر الكبير الذي عرض علي ، وخوفي من الله الذي أسأله أن يبعدني عن طريق الحرام ، ومزلات الأقدام .

وترددت هل أقول : لا ، فأحرم نفسي متعة الجمال والمال .

أم أقول : نعم ، فأسلك سبيل الضلال ؟ وتمنيت أن أقوى على الرفض فلم أستطعه ، ومنعني ديني أن أعلن القبول .

وكانت هذا الخواطر تمر في نفسي مر (الفلم) الذي يكر مسرعا ، وهما يرقبان الجواب وهو يستحثني عليه ، يشجعني على القبول ، فقلت : ولكني لا أستطيع أن أدرس الآنسة وحدها .

وقد نسيت أن أقول لكم إنها كانت سافرة ، يتهدل شعرها على كتفيها ، وتبدو ذراعاها ، قالا : ولمه .

قلت :لأن ديني يحرم هذا علي . قالت : آتي بأخي معي يحضر الدرس .

وليتها ما نطقت ، فقد كان صوتها فتنة أخرى كامنة فيها ، ومن الأصوات ما يفتن ولو نطقت صاحبته بالموعظة والتذكير ، وحضر أخوها ، ودرستها ، والدرس (تصوروا) موضوعة منهاج تاريخ الأدب البكالوريا ، الذي يجيء في أوله شعر بشار وأبي نواس ، ولو درس الشاب مثل هذه الفتاة أحاديث البخاري لوجد الشيطان مدخلا إلى مجلسهما ، فكيف والدرس في غزل بشار المكشوف المفضوح ، وشعر أبي نواس ؟ درستها أربع حصص أو خمسا ، الله أعلم كيف كنت فيها ، وإن لم أدر (صدقوني) ما لون عينيها ، فأنا كنت الخجلان لا هي ، فكنت أتحاشى النظر إليها ، على رغبة نفسي فيما أتحاشاه .

ثم رأيت أن استمرار الدرس مع غض البصر ، ولزوم الاحتشام ، ومع ما في النفس من الرغبة الطاغية ، نوع من عذاب الدنيا ، ونظري إليها ورفع الكلفة معها ، وتوثيق الصلة بها ، تعريض نفسي لم ا هو أشد منه عذاب الآخرة .

فتركت لها ما بقي لي من (الأجرة ) معها ، وهربت منه ، وقلبي عندها ولو وضعت في هذه الحالة قصة لكانت من أروع اقصص .

وأنا قادر على كتابتها ، ولكني أكرم شيبتي أن أعود الآن إلى هذا الهراء ، وأرحم الشباب من القراء.
(ذكريات – 2 صفحة 175 ، 176 ، 177)
* * *

وأنا أنصح من أراد أن يتقن علما وكان عنده اطلاع على أسسه ومعرفة بمراجعة أن يدرسه فإنه لا يقوي طالب العلم ولا يعينه على إتقان هذا العلم ، مثل تدريسه .

(ذكريات – 7 صفحة 224) .

* * *

قال سارطون ( العلم مجموعة معارف محققة ومرتبة)

لما قال (معارف) أخرج المشاعر ، ولما قال (محققة) أبعد النظريات ، ولما قال (مرتبة) نفى الحقائق المفردة المنثورة التي تبدأ بها العلوم عادة قبل استكمال تكوينها .

أما التعليم ، فليس كل من علم شيئا استطاع أن يعلمه ، وما كل عالم يصير معلما ، فالتعليم أن تختار الأسلوب الذي توصل به هذه المعارف إلى أذهان المتعلمين .

وذلك يقتضي معرفة بمدى إدراك الطالب ، لا تكلفه بما هو فوق إدراكه .

وبمدى قبوله ما تلقيه عليه ، وإلا أغلق ذهنه دونك ، فقرعت بابا لا يفتح أبدا .

وأن تزيح من طريقة العوائق التي تعيق فهمه عنك ، وينشغل بها عما تقول ، ومن هذه العوائق ، ما يكون فيك أنت أيها المدرس فلا ينبغي أن يكون في هيئتك ، ولا في لهجتك ، ولا في أسلوب معاملتك ، شيء غريب يقف فكره عنده ، فلا تستطيع أن توصل إليه ما عندك .

وأنا أحمد الله على أني كنت معلما ناجحا ، لا أقول ذلك عن نفسي وحدي ، بل يشهد به تلاميذي على مدى أحدى وستين سنة ، منذ بدأت التعليم .

علمت في المدارس الأولية في القرى الابتدائية في المدن ، والمتوسطة والثانوية ، وعلمت في الجامعات ، وفي أقسام الدراسات العليا فيها ، وعلمت شبانا ، وعلمت في مدارس البنات ، وإن كنت استغفر الله مما فعلت ولا أجيز مثله ، وعلمت في مدارس المشائخ كما علمت في مدارس الشباب ، وكان من أسباب توفيقي ثلاث ، أوصي بها من أراد أن يكون معلما ناجحا :

أولها استيعاب المادة التي يدرسها ، والإحاطة بها ، والرجوع إلى كل كتاب يصل إليه من كتبها ، لا يقتصر على الكتاب المقرر . أما في الجامعة فلا يجوز أبدا أن يقرر للطلاب كتاب بعينه ، لا يرجعون إلا إليه ، ولا يأخذون إلا منه ، ومن يفعل ذلك من الأستاذة يكن معلم مدرسة ابتدائية ، لا أستاذ في جامعة .

الثاني : أن يسلك إلى إفهام الطلاب كل سبيل ، فإن ساق المسألة بعبارة لم يفهموها ، بدل العبارات حتى يصل إلى العبارة التي يستطيعون إن يفهموها ، وما دامت مسائل العلم في ذهنه ، وكلمات اللغة بين يدية ، يسهل ذلك عليه .

لما جاءتنا هذه الرياضيات الحديثة ، نقل بعض الأستاذة منا ما قاله فيها غيرنا ، فما فهمننا عنهم ، وما أحسب أنهم هم فهموا ما نقلوا ، فجاء أخي الدكتور عبد الغني ، فشرحها في كتابه ، الذي وضعه للطلاب في جامعة دمشق ، من أكثر من عشرين سنة ، فإذا هي مفهومة واضحة .

أحسب أني بعدت عن موضوع الذكريات ، وهذا دائي ، أذهب يمينا وشمالا ، ولكن آتيكم حيثما ذهبت بما ينفعكم أو يمتعكم .

أما الشرط الثالث فهو ، أن يكون طبيعيا فإن لم يعرف المسألة للطلاب إني لا أعرفها , وإن اخطأ قال لهم إني أخطأت فيها .

(ذكريات – 6 – صفحة 236، 237)

* * *

وأنا في العادة يحبني الطلاب لأني لا أقيدهم ، بل أقول لهم من شاء أن يخرج فليخرج ، ومن أراد أن يدخل فليدخل ، ومن لم يعجبه قولي فليفتح كتابا فليقرأ فيه ،

ولو كان قصة من القصص أو مجلة من المجلات ، أو يكتب رسالة ، أو ينظم شعرا أو يسمع ما يشاء بشرط واحد هو أن لا يخرج صوتا ، ولامن فيه ، ولا من أي ثغرة أخرى فيه ، ومن كان له سؤال فليطرحه علي ،

ولكن بعد أن أكمل الجملة وأصل إلى موضوع يصبح الوقف عليه ، لا أن يدخل بسؤاله بن الفعل والفاعل ، والمبتدأ والخبر ، فيقطع علي كلامي ، ويبعثر أفكاري .

ومن كان له اعتراض فأنا أستمع اعتراضه ، بشرط أن يكون عالما بما يقول ، أن يكون له عليه دليل ، وإن تبين أن الحق معه ، رجعت إلى قوله ، وشكرته عليه .

(ذكريات – 8 – صفحة 239)

* * *

وقد وقع لي أول قدومي مكة أن جاء ذكر حكم فقهي في مسألة من المسائل في مذهب الإمام أحمد ، فذكرت ما أعرفه ،

فقال لي طالب من الطلاب : أن الحكم في المذهب على غير هذا ، فقلت له : درست الفقه في المدرسة المتوسطة ، ثم في الثانوية ,

وأنت لم تتعلم بعد حكم هذه المسألة ، وأطلت لساني عليه ، وكان مهذبا فسكت ، فلما رحت إلى الدار ، رجعت إلى كتب الفقه ، فإذا الذي قاله هو الصواب ، أفتدرون ماذا صنعت ؟

جئت من الغد فقلت للطلاب : سمعتم بالأمس ما قلته لأخيكم هذا ، وقد تبين لي أن الحق معه ، وأنني أنا المخطئ ، لذلك أعتذر إليه أمامكم ،

أعتذر إليه مرتين : مرة لأني خطأته وهو المصيب ، ومرة لأنني خالفت أخلاق العلماء ، فأطلت لساني عليه ، وظلمته بما أسأت به إليه .

وقد كان درسا عمليا أفاد الطلاب أكثر مما تفيدهم الدروس النظرية التي ألقيتها عليهم .

ومما وقع لي ، أنني كنت في أواخر الأربعينيات من هذا القرن الميلادي ، أدرس – مع اشتغالي بالقضاء – في ثانوية البنات الأولى في دمشق.

فكلفت الطالبات في درس الإنشاء الذي يدعونه الآن ” التعبير” الكتابة في موضع يخترنه بأنفسهن ، لا أفرضه عليهن .

وكنت عندي بنت أحسبها شركسية الأصل ، صارت الآن كاتبة معروفة في سوريا اسمها نادية خوست ، فقالت : أتسمح أن أكتب عنك ؟ قلت نعم . فقالت بمكر ظاهر : ولو كتبت عنك ما لا يرضيك ؟ قلت : اكتبي ما شئت ، لكن التزمي الصدق وحدود الأدب .

فكتبت قطعه لا تزال عندي بخطها ، وقد مر عليها الآن أكثر من ثلث قرن ، تصفني فيها وصفا يضحك على كل من قرأه ، تسخر مني وتهزأ بزيي وشكلي وحركاتي ، ولكن القطعة مكتوبة كتابة جيدة .

فماذا صنعت بها ؟
أعطيتها الدرجة العالية على أسلوبها ، لأنه كان في الحق أسلوبا أدبيا ممتازا ، وأحلتها على لجنة التأديب في المدرسة ، فاحتجت ، فقلت لها : إنك تحسنين الكتابة ، لذلك أعطيتك العلامة الكاملة ، كما يعطي الذي يصيب الهدف في مباراة الرماية ، لكن من يحسن الرماية لا يجوز له أن يرمي الأبرياء ، وأن يعتدي على الناس .

ولما أوقعوا عليها العقوبة عفوت عنها ، وما كان في نفسي شيء منها ، لأنني من تلك الأيام بل من أطول منها قد تعودت على النقد , وألفت الهجاء .
(ذكريات – 6 – صفحة 238)

* * *
اشتغلت بالتعليم قبل أن أكمل التعليم ، فكنت طالبا في أواخر المدرسة الثانوية ، ومعلما لصغار التلاميذ في أوائل الابتدائية ,

لبثت أعلم : علمت صغارا وكبارا ، وبنين وبنات ، ومشائخ وأفندية ، في المدارس العادية والمدارس الشرعية ، في الثانويات وفي الجامعات ، قبل أن ألي القضاء ، ومع ولايتي القضاء ، فما شكوت ولله الحمد يوما من اضطراب الفصل ، ولا من شغب الطلاب .

كنت أطل على الطلاب بوجهي فأبدأ الكلام ، فلا أدع ثغرة ينفذون بكلامهم منها ، وأمضي فيه حتى أخرج من الفصل وأنا أتكلم .

وكنت أتتبع المناسبات ، فلا أمسك النكتة إن حضرت ، ولا يؤذيني ضحك الطلاب إن أضحكتهم ، ولا أدع مسألة ولو كانت خاصة بي ينفعهم أو يمتعهم سماعها ، إلا ذكرتها ، وإن مر اسم كتاب رصفت الكتاب ، أو اسم عالم عرفت بالعالم ، أحافظ على أصل الموضوع .

ثم أعلق عليه ما يحتمله من الحواشي والتعليقات والفوائد ، لأني عرفت بالتجربة أن الموضوع الأصلي قد ينسى ، ولكن تبقى هذه الفوائد والتعليقات والحواشي ، وقد نسيت الآن ، بعد إكمال الدراسة بستين سنة ، نسيت أكثر المنهج الذي كان مقررا ، ولكني لأزال أحفظ كلمات قالهن المدرس في بعض المناسبات

ويبقى حبهم إياي ما بقي الامتحان بعيدا ، فإذا ، حل الامتحان فهي نهاية الحب ، وكان شيخنا الشيخ عبد القادر المبارك ، رحمه الله يقول : إني أعطي ربع راتب طول عمري لمن يقوم عني بالامتحان .
(ذكريات – 8 – صفحة 241)
* * *
ما كنت ولا كان كثير من إخواني نعد أنفسنا معلمين فقط .

وما كنا نرانا مسئولين أمام وزارة المعارف وحدها ، نطبق مناهجها ونطيع أوامرها ، بل كنا نعد الجواب للسؤال يوم العرض على الله : السؤال عن تربية الأولاد على ما يرضيه ، على الشريعة التي بعث بها خاتم رسله ، عن تخريج أمة جدية تؤمن بالله إيمانا خاليا من الشرك كله ، الظاهر منه والخفي .

تخاف الله ولا تخاف في الحق أحدا إلا الله ، تستهين بعذاب الدنيا مهم اشتد ، للخلاص من عذاب الله في الآخرة وهو أشد .

كنا نلقنهم العقيدة سالمة الشوائب ، ونعودهم العبادات بعيدة عن الرياء ، والسلوك الذي يحببهم إلى الناس ولا يكرههم إلى الله .

فإن جاء أمر فيه ترك واجب أو فعل حرام ، فلا مبالاة حينئذ بحب الناس ولا خوف من كرههم ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

كنا نعيد عليهم كل يوم أن هذه البلاد لنا ، وأن الفرنسيين واغلون علينا عداون على حقنا ، ومن يعاونهم منا أعدى منهم علينا ، وإن كان في الظاهر منا .

لا نلقي عليهم في ذلك كله محاضرات فلسفية ، ولا خطبا بليغة أدبية ، بل نكلمهم باللسان الذي يفهمونه ، لا نجمعهم لذلك بل نتبع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله : كلمة هنا وكلمة هناك ، وكل كلمة في موضعها ، وكل كلمة عند مناسبتها ، يحفظها من يحفظها وينساها من ينساها ، ولكن لا يضيع أثرها أبدا . من سمعه حملها إلى أهله فبلغهم وبلغ أصحابه ، مغزاها ورب مبلغ أوعى من سامع ، أو يحفظها في ذاكرته حتى يكبر فيدركم معناها ، كما تحفظ الصحراء بذور الكلأ حتى يأتي المطر فتخضر منه الصحراء .

وما خرجوا جميعا متعبدين صالحين ، ولا وطنيين مخلصين ، و صاروا أئمة بالخير جمعوا أسبابه واستكملوا مزاياه ، بل اقتربوا منه وأحبوه . . (ذكريات صفحة 262).

هل أضرب مثلا واقعا أم أخاف أن أؤذي به أحدا ؟ على أن الذي يؤذيه الحق أولى به هو أن يرجع إليه لا أن نترك نحن كلمة الحق حفاظا عليه .

على أنني لا أسمي أحدا ولا أعين بلدا . كان لي حفيد تكرموا عليه فأدخلوه مدرسة مشهورة ، لكن اتفق أن بدلوا معلميها وجاءوا بغيرهم فكان معلمه شابا مبتدئا لم يحذق صنعته ، ولم تصقل الأيام خشونته ، ولم تهذب حواشيه ، فمضت السنة ولم يتعلم تهجئة الكلمات .

وحسبت ذلك ضعفا منه فجاءت نتيجة الامتحان فإذا هو يعطى درجة جيد جدا .

وارتقى إلى الصف الثاني فالثالث فالربع وهو لم يتجاوز الحد الذي وقف عنه على عهد المعلم الأول ، وحفيد آخر في مدرسة أخرى ابتلى بمعلم قاسي القلب ، فارغ الرأس ، يستر فراغ رأسه وضعفه في مهنته ، بشدته وقسوته ، فهو يدخل القلم بين أصابع الولد مخالفا بينها ثم يضربه عليها ضرب مجرم مكانه السجن ، لا معلم محله منبر التدريس .

أنني أقول الآن : يا أسفاه على أيامي الأولى في التعلم الابتدائي التي ضقت فيها لما كنت أعيشها ، ثم عرفت قدر عملي فيها لما فارقتها . كان أسلوب التعليم على أيام الفرنسيين أن يتسلم المعلم فصلا كاملا بكل دروسه . وكنت آخذ إحدى شعبتي السنة الثالثة ، والشعبة الثانية يتولاها الصديق الأديب الشاعر سليم الزر كلي مد الله في عمره ، فنشأ من هؤلاء التلاميذ الصغار من نبغ وبقي حبلي متصلا بحبله ، وشملي مجموعا إلى شمله إلى الآن ، لأن أعمق الآثار في حياة التلميذ أثر معلم الابتدائي . معلم الابتدائي يصادف قلوبا خالية يمكن أن تملأ بالخير أو بالشر ن بالإيمان أو بالكفر ، بالفضيلة أو بالرذيلة ، وأنا أرجو أن أكون قد نثرت في قلوب تلاميذي بذور الفضيلة والخير والإيمان .

إن ممن علمت في الابتدائي أناسا بلغوا المراتب ، صار منهم كما قلت من قبل : الوزراء، وصار منهم في الوزارات وكلاء ، وصاروا أساتذة جامعات ، وصار منهم من هو أجل مني قدرا ، وأسير في إنسٍ ذكرا ، ولا يزالون إذا لقوني يذكرونني بالخير ، ولولا المنغصات في التعليم الابتدائي ، ولولا رعونة بعض المديرين وسخافة عقولهم ، واهتمامهم بالصغائر ، ولولا انتفاخ بعض المفتشين ، ولولا أن من الأنظمة والقوانين ما وضعه ناس غرباء عن التعليم لكان التعليم الابتدائي نعمة من النعم .
(ذكريات صفحة -263، 264)
* * *

هذا مع العلم أننا نعيش في الدنيا لا نعيش في الجنة ، وأن الدنيا ما صفت للأحد حتى تصفو لنا .

خلقت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلف الأيام ضــد طباعهـــــا متطلب في الماء جــذوة نار
أكبر ذنب في التربية والتعليم نرتكبه ، والله سائل مرتكبه عنه ، ومجازيه به ، هو أن نسلم الولد أو نسلم البنت ، وقلوبهما صفحات بيض ، إلى معلم لا يخشى الله ، أو معلمة لا تتقيه ، فينقشا عليها سطور الشكوك والعصيان ، بدلا من كلمات الاستقامة والإيمان ، والمعلم مهما بلغ من سعة العلم ، وكبر الشهادات وبلاغة اللسان ، لا يكون فيه خير إن لم يكن له (مع ذلك) المعرفة بالشرع ، والإخلاص لله .

لقد عملت سنين قبل أن آتي هذه القرية ، ولكني كنت أعلم في مدارس أمرها إلى غيري ، لم أكن أملك إدارتها ، ولم يكن لي الحكم فيها ، وهذه أول مرة أتسلم فيها مدرسة فيها أكثر من مئة من الأولاد يأخذون منى ما أعطيهم ، ويسمعون ما أقوله لهم ، ويسيرون من حيث سيرتهم ، فأحببت أن أكون لهم كما كان أفاضل أساتذتي لي ولرفاقي ، لا أجعل عملي كله أن آخذ ما في كتبهم المقررة فأحشو به أدمغتهم ، وأسجله على ذاكراتهم حتى يؤدوه يوم الامتحان كما تسلموه ساعة الدرس ،

ثم يمحى منها ، فلا يكاد يبقى منه أثر فيها ، هذا الذي تريده وزارة المعارف ، وتكافئني عليه ، وتقنع مني به ، ولكن الله يريد مني أن أراقبه فيهم ، وأن أدلهم عليه وأرشدهم إلى ما يرضيه منهم ، وأجعل منهم أعضاء في جسم الأمة سليمة من العلل ، قائمة بالعمل ، لا أعضاء معتلة ولا مشلولة ولا خاملة .

حاولت أن أعودهم على أداء العبادات ، على إقامة الصلاة ، على الصدق في القول ، على الجرأة في الحق ، أغرس في قلوبهم الخوف من الله وحده ، وأنوع منها الخوف من عبيده ، لا سيما الرؤساء ، على أن يحترموهم وأن ، وأن يطيعوهم فيما ليس فيه معصية لخالقهم ، لا أريد منهم أن يجانبوا طريق الأدب معهم ، فالأدب مطلوب ، ولكن التذلل هو المرفوض ، فأنا لا أريد أن يذلوا أمامهم .

الذل أمام الله في الصلاة ، وأمام الضعيف لمساعدته ابتغاء ثواب الله ، وأمام صاحب الحق ليصل إلى حقه ، هذا كله عز .

ولكن الذي أبيته لنفسي وعودتهم على إبائه هو الذل أمام الجبار الظالم خوفا من جبروته ، وأمام الغني أملا بغناه ، وأمام ذي المنصب من اجل منصبه .

ووقع أمر كان امتحانا عمليا لي أمامهم ، ذلك أني لما وصلت القرية لاستلام عملي زرت (مدير الناحية) ، وهو كما قلت من قبل المرجع الإداري لمن فيها ، وكان شابا مهذبا متخرجا في معهد (أي كلية) الحقوق ، وقد نسيت اسمه ، فذهبوا به وجاءوا برجل من آل المؤيد ، وهم فرع من أسرة العظم ، التي كنت أعرف بعض رجالها : حقي بك الذي حضرنا في امتحان الشهادة الابتدائية ، وكان حاكم دولة) (!) دمشق وأعجب بأجوبتي (لأن الامتحان كان شفهيا) ، ومنحني جائزة ثمينة لأني كنت الأول على وزار ة العدل : دواة لها قيمة بقيت عندي إلى أن كبرت .

وعرفت سامي بك مدير وزارة العدل ، أي وكليها ، وكان صديقا لوالدي ، وكان من جماعة خالي محب الدين الخطيب ، لزم معه الشيخ طاهرا الجزائري ، ودخل معه الجمعية العربية لما أنشأها ، وكان يحبني ويودني .

وأعرف رجلا من فقراء آل العظم عالما معلما مؤلفا فاضلا وهو جميل بك .

وكان من رفاقنا ناظم المؤيد وهو في الذؤابة منهم نسبا ، ورمزي العظم ، وأعرف الأخ الأكبر لهذا المدير الجديد وهو صفوح بك ، ولكني لم أعرفه هو ، ولم ألقه ، وأنا أزور المرجع الإداري مرة عند حضوري لأن ذلك عرف قانوني ، ثم أعكف على عملي.
(ذكريات صفحة 266/ 268)

* * *
وكنت في المدرسة يوما فإذا الأولاد يقولون : المدير جاء . قلت : أهلا وسهلا .ومشيت لاستقباله لأنه ضيف على المدرسة .

وأني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلإ تلك من صفة العبد ورحبت به ، ولكنه صعر خده وشمخ بأنفه ، وقال : أنت المعلم ؟ وتوجه إلى التلاميذ يكلمهم .

وكان يلبس لباس الصيادين وهو حذاء طويل إلى الركبة ، وقد غرس فيه درة (كرباج صغير) ، ورداء (جاكيته) من الجلد ، وقد برم شاربيه الكبيرين ، فحكمت عليه بأنه مغرور متكبر (على الفاضي) ، وثارت الكرامة في نفسي ، وأنا حين أحس أن كرامتي مست لا أعود أرى الذي هو أمامي .

وقلت له بلهجة أخف وأيبس من لهجته : نعم أنا المعلم ، وأنت من تكون ؟ فاسشار إلى العسكري من خلفه إشارة من يخاف منه علي

ثم قال : يأستاذ حضرته المدير .

فقال للعسكري : أولا أنت ما سألك أحد فاسكت ، ثم إنه لو كان المدير لكان مؤديا عارفا بمواضعات الناس المؤدبين ، ويستأذن قبل أن يدخل ، ويسلم بعد أن يستأذن ..

فصرخ : ماذا تقول يا أفندي ، هل تعرف من تخاطب ؟ قلت : لا لأنك غير معروف ، ولم يعرفني أحد ببك ، أما أنا فإنني معروف ، وإن جهلتني فاسأل عني أخاك صفوح بك .

ورفع صوته ، فكان صوتي أرفع ، واحتدم الجدل ، فصحت بالطلاب : انتباه ، فسكتوا ، ثم قلت لهم : صف فاصطفوا ، فقلت لهم : انصراف ، خذوا كتبكم واذهبوا إلى بيوتكم ، فانصرفوا ! وأدرت له ظهري ومشيت إلى غرفتي ، وتركته وحده ، يشتم ويهدد ويتوعد ، ثم خرج وهو يرتجف من الغضب ، وأسرعت إلى دمشق ، فزرت بديع بك كبير أسرة آل العظم وخبره بما كان لم أخرم منه حرفا ، ولم أبدل شيئا مما قال وما قلت ، وما كان منه وكان مني .

ويظهر أن بديع بك قد استدعاه وكلمه ، فسكت ولم يذكر المسألة بعد ذلك ، وأبلغني بعض المتصلين به أنه لامه وقال له : أتريد أن تعمل ثورة جديدة في الغوظة تكون أنت المسئول عنها ؟ ألا تعلم أن له لسانا يهز المنابر ويحرك البلد؟ ألا تعرف أنه من زعماء الطلاب ؟ ألا تقرأ ما يكتب ؟ وما زال به حتى اعتذر له عما صنع ، بدل أن يكلفني أنا الاعتذار ، ثم صار صديقي .

وكنت خلال ساعات الدوام أؤدي عملي الرسمي على أكمل وجه ، بل إني أعمل أكثر من العمل الرسمي ، وأسد مسد ثلاثة معلمين ، وكنت قريب عهد بقراءة كتاب كان له لما صدر في فرنسا صدى عظيم ، لأنه جاء بشيء جديد في التربية الاستقلالية ، هو كتاب (التربية الحديث) لأدمون ديمولان، فحاولت أن أطبق بعضا فيه .

خلاصة ما جاء به أقولها من ذهني وقد قرأت الكتاب من نصف قرن ، خلاصته أن يكلف التلميذ أو المجموعة من التلاميذ ، بعمل يعملونه ، ويترك لهم وضع الخطة لإنفاذه ، ولا يراقبهم أثناء العمل وإنما يسألهم عن نتائج العمل.

فبدأت بنظافة المدرسة ، وهي من عمل آذن أو (الفراش) ، ولكن المدرسة ليس فيها آذن ولا ففراش ، فاقتديت بمن هو أفضل من بألف درج ، ومن لا أبلغ في العلم ولا في الدين ولا في العبقرية عشر معشار ما عنده منها : عمر بن الخطاب لما أراد أن ينظف بيت المقدس مما ألفاه اليهود عملت مثله :

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

فطلبت مكنسة وأخذت أ:نس فناء المدرسة ، فأسرع التلاميذ يأخذونها من يدي ، ويقولون : ماذا تفعل ياأستاذ ؟ قلت : أفعل ما فعله ثان رجل في الإسلام ، من كان يحكم ثلاث عشرة حكومة من حكومات اليوم ، أنظف المدرسة ،

إن المدرسة دارنا فإن لم يكن عندنا خادم أفنقعد على الأوساخ ؟ كنت أخاف إن أمرتهم بذلك أمرا أن يهربوا منه فلما رغبتهم فيه ترغيبا ، وسبقتهم إليه ، تزاحموا عليه ، فقلت : رتبوا أتم أمركم وتقاسموا العمل بينكم ، حتى تكون مدرستكم نظيفة مثل دوركم .

ثم عملنا على غرس الأغراس ، وزرع الأشجار ، في فناء المدرسة ، ولم يحتاجوا إلى من يعلمهم ، فقد كانوا أولاد أبرع الفلاحين ، فما شهر حتى تحول الفناء من أرض خراب إلى جنينة تعد تحفة في الجنائن ، قام بذلك كله التلاميذ متعاونين .

وكنت أبقى في المدينة النهار كله ، لأن وقت الدراسة كان قبل الظهر وبعده ، يذهب التلاميذ ساعة للغداء والصلاة ويرجعون وكنت أحمل غذائي.

(ذكريات- 2 – صفحة 268، 269)

* * *

ونصل إلى (جسر ) الغيضة) ) حيث يجري بردى ممتلئا جياشا ، وعنده خمائل ممتدة ، وأشجار مزدحمة أشباه الغابات ، كان لها لا سيما في منطقة (الزور) دور كبير أيام الثورة السورية ، وكانت قريتنا وما جاورها من القرى ، تزرع القنب ، وهو قصب لطيف إذا نزعت قشرته عاد مثل الخشب الناعم ، ولكنه ضعيف ينكسر لأدنى ضغط ، مجوف يلعب به الأولاد .. يسحبون به الماء بأفواههم من النهر و، ويحمل على الدواب بعد أن يصف صفا
في أبالات كبير ، القنب الطويل في أطرافها ، والمكسر في وسطها ، ليؤخذ إلى أفران الشام ، توقد به النار ، لأنه سريع الاشتعال حتى لتضرب به في ذلك المثال ، كما يضرب المثل بضعفه حتى ليقال للإنسان الضعيف : كأن عظامه من القنب .

أما قشره فتصنع منه الحبال ، فترى الحبلين بين البساتين ، قد نصبوا أعمدة مدوا عليها الحبال (لبرمها) .

أما الاستعمال الأعلى للقنب أو لبعض أنواعه فهو أن يستخرج منه المورفين (المخدر) أي (الحشيش) ، والغريب أن أهل الغوطة والبقاع الأخرى من الشام ، وبعض الأماكن في تركيا ، يزرعه أهلها ولا يتناولونه ، لكن يبيعونه بالخفاء لمن يتعاطاه ، ويربحون منه المال الكثير ، يهربون به لأن الحكومة تمنع .

ثم جعلت أبتعد بالتلاميذ ، فزرنا مدرس (زملكا) وكان فيها صديقنا بشير ياسين (وعمه الشيخ محمود ياسين هو خال شكري فيصل) ، وكنا نتبارى فيحسن تعليم التلاميذ وتنظيمهم ، فكنا كفرسي رهان ، حتى جاء يوما بما عجزت عنه ، هو انه ألبس تلاميذه كلهم الطرابيش ، مثل تلاميذ المدينة ، فغلبني .

ولكني ثأرت منه في حادث طريف ولكنه ليس بظريف ، وأنا هنا أسجل مالي وما علي .

وتعلمت ركوبها ، ولكني لم أتقنه ، فكنت أقف على حجر أو كرسي ، فأمتطي الدراجة وأمشي بها متعثرا خائفا .

ومررت به يوما وأنا راجع (لأن قرية زملكا على طريقي ) فدعوته ليركب ورائي على الدراجة ، فيستريح من انتظار السيارة ، ويوفر أجرتها .

قال : لا ، يا عم ، أخاف أن ترميني .

قالت : يا عيب الشوم (وهي كلمة تقال في الشام بمعنى يا للعار ) أتخاف وأن ورائي ؟ قال : اتركني الله يرضى علهي ،قلبي غير مطمئن ، قلت : أركب ولا تخف ، فركب مكرها ، وسرنا والطريق خال ، فاعترضنا نهر صغير عليه جسر (أي كوبري، والكوبري بالتركية الجسر) فقال : أنزل وأمشي ، قلت :لا أبقى راكبا .

وكان الجسر خشبتين طويلتين ، عليهما خشبات صغار معترضة ، فوقها بعض فروع الشجر ، فلما بلغت وسط الجسر اضطربت يداي ، وملت به ، فسقط في النهر وسقطت فوقه ، وسقطت الدراجة معنا ، ولم يكن النهر عميقا ، ولكن كان نجسا ، وكان مجراه طين منتنا ، أما الدراجة فالتوى عمودها الفقري ، وانكسر مقودها أي ذراعاها ، وأما نحن فخرجنا على شر حال ، وتركته يلقى في سبي (منولوجا) طويلا لو كنت في غير هذه الحالة لأخذت قلما وورقا وكتبت الشتائم المبتكرة التي نطق بها ولا أدري من أين اقتبسها فهي أوسخ من كل ما قال شعراء الهجاء ، بل أوسخ من النهر الذي سقطنا فيه ، ولكن الحق هو أني كنت مستحقا لها .

واستوقفنا سيارة مرت بنا ، فلما رأى سائقها ثيابنا ساقها وتركنا ، وسيارة أخرى وثالثة ورابعة فلم يقف لنا أحد من سائقيها ، فانتظرنا حتى حل الليل وأسدل ستاره ، فمشينا مشيا حتى بلغنا دمشق ، فدخلناها من غير الشارع العام ، ولما وصلت الدار وكانت فيها عمتي (بعد وفاة أمي) أبت على دخول الدار إلإ إن نزعت هذه الثياب عني ، ثم مشيت رأسا إلى المطبع لأغتسل في زاويته ، ولم يكن في دارنا ولا في أكثر دور الشام حمام ، ولا تعجبوا فلقد ذهبت سنة 1970 إلى (بون) والمدن المجاور لها وزرت كثير من منازل الطلاب العرب فيها فوجدت أكثرها من البيوت القديمة التي ليس فيها حمام .

وكان التعليم الابتدائي إلزاميا ، وكان عندنا قانون أظنه صدر أيام العثمانيين ، يلزم كل ولد في سنة الدراسة الابتدائية بالذهاب إلى المدرسة ، فإذا امتنع أجبره الدرك (شرطة الأقضية والقرى) على الذهاب ، وغرموا وليه مالا ووقفوه في المخفر ، ولم أحتج إلى هذا القانون فقد تدفق الأولاد على المدرسة حتى لم يبق فيها مكان ، ضاقت هي ولكني لم أضق أنا بهم ، ولم أتبرم بكثرتهم بل كنت أزداد بهم فرحا ، كلما ازدادوا عددا ،

وكان أنبه التلاميذ (رضا) ابن أبي رضا الذي ذكرته ، فجعلته على صغره عريفا ، وجعلت من متقدمي الطلاب معلمين أو معاونين لمتأخريهم ،

فكبروا لذلك قبل أوان الكبر ، وكنت أراقبهم من بعيد فلا أجد بحمد الله إلا التعاون الصادق ، حتى صارت هذه المدرسة إماما لمدارس القرى ، ونفخت فيهم روح الحماسة للعمل ، وإخلاصه لله لا للناس ن وكانوا على صغرهم يدركون هذا كله ، إن لم تدركه عقولهم وعنه قلوبهم واشتملت عليه ضمائرهم .

وكان قبلي في هذه المدرسة معلم أصله من درعا اسمه الشيخ (فلان) الحلبي ، وكان محركا (موتورا) لايقف ومبعث نشاط لا ينضب ، لم أره ولكن رأيت آثار عمله وكانت آثارا طيبة .

ولم يكمل تعليمه من تلاميذ هذه المرة إلا الولد الأصغر لأبي رضا السقباني ، يعمل الآن مستشارا قانونيا في إحدى الإدارات في الرياض ، اسمه (أحمد عبده) يذكر تلك الأيام وإن مضى عليها الآن نصف قرن كامل .

ذكريات – 2 صفحة 270 ، 271 ، 272

* * *

وكان معنا مدرس فلسطيني يدرس اللغة الإنجليزية ولكنه خفيف الروح ، صاحب نكتة ، له غرائب .

منها أنه يركب الحافلة المزدحمة فيخلي الناس المقعد كله له ، فيقعد وحده مكان اثنين ، والناس مزدحمون على المقاعد أو هم وقوف يمنعهم أن يقعدوا معه .

ذلك أنه يجعل جسده كله يختلج فجأة ، وتصطك أسنان ، ويخرج من حلقة أصواتا مبهمة عجيبة وتهتز أطرافه ، ويجيء ذلك كله في لحظة واحدة ، يعود بعدها ساكنا ، كما كان قبلها ساكنا ، فيحسبه الناس مجنونا أو مصروعا فيبتعدون عنه ، وبذلك يخلو له المكان .

وكان عندنا مدرس إنجليزي أذكر أن اسمه ماكدونالد ، وإذا كان في الإنكليز برودة كما يقال ، فهذا أبرد الإنكليز . ما عرفت ولا سمعت بأبرد منه ، لا يكلم أحدا ، ولا يسلم على أحد ، ولا يرد السلام على أحد .

وكانت تأتي بين الدروس أحيانا ساعات ، ليس للمدرس فيها عمل فينتظر الساعة التي بعدها ليلقي درسه ، فاتفق أن هذا المدرس الفلسطيني اجتمع في ساعة فراغ بماكدونالد ، ولم يكن في غرفة المدرسين ، من المدرسين الأربعين غيرهما ، فقال له صاحبنا : (غود مورنينغ) فمارد ، فسكت قليلا ، ثم كلمة فما أجاب .

فأخذ صاحبنا جريدة فجعل يقرؤها ، أو يتظاهر بقراءتها ، ثم جاء بحركته تلك ، ففزع الإنكليزي وابتعد عنه وقعد يسترق النظر إليه ، فرآه قد عاد ساكنا كما كان ، فتعجب منه ، ثم جاء بها المرة الثانية فلم يعد اللإنكليزي يستطيع البقاء ، وخرج من الغرفة فذهب إلى المدير .

وكان المدير رجلا عربيا بغداديا طيبا سليم الفطرة ، لا يعرف من الإنكليزية شيئا ، وكانت غرفته مستطيلة يصعد إليها بدرجات قصار ، ولها شرفة واسعة تطل على ساعة المدرسة ، فلما دخل عليه يكلمه بالإنكليزية ما فهم عنه ، فلما أطال المقال ، وجعل يشير بيديه استدعى الفراش ، وقال له اذهب فأتي بمدرس إنكليزي ليفهم ما يقوله هذا .

فذهب فلم يجد إلا صاحبنا المدرس الفلسطيني فجاء به ، فلما رآه الإنكليزي داخلا من الباب أراد الهروب فلم يجد مهربا إلا من الشباك ، فوثب منه إلى باحت المدرسة ، وعجب المدير ، وسأل ما شأنه ؟ فقال له المدرس الفلسطيني : إنه مجنون ، فأيقن المدير بجنونه فكتب يطلب نقله ، وتدخلت السفارة البريطانية في بغداد ، وكانت مشكلة . .

(ذكريات- 3 – صفحة 289، 290 )

* * *

صفات المعلم الناجح :

أما الطلاب فأشهد أنهم من أحسن من رأيت من الطلاب : حرصا على الفهم ، ورغبة في العلم ، وانضباطا وتقديرا للمعلم على أن يحسوا منه بأنه قوي في مادته ، عادل في معاملته ، طبيعي في تصرفاته ،

وهذه هي الصفات الثلاث للمدرس الناجح ، ثم إن سئل عن شيء يعرفه أجاب ، وإن لم يكن يعرفه قال : لا أدري ، فعلمهم بذلك أخلاق العلماء ، كما يعلمهم علم العلماء .

وأن يكون جريئا شجاعا ، وأن يكون كريما لا يحرص على المال .

والشجاعة والكرم هما ركنا النباهة والسيادة عند العرب . وهما مدار قصائد المدح عند الشعراء ، من قديم الأزمان . .
(ذكريات – 3 – صفحة 293)
* * *
لما بلغنا ذروة الجبل العالي ، المطل على الربوة ومتنزهاتها ومقاهيها ، المقابل لـ(المنشار) و (قبة السيار) ، وملنا لنهبط إلى (المزة) اعترضتنا حظيرة من الجنود السنغاليين على رأسهم عريف فرنسي ، فمنعونا ، فأردنا أن نرجع من حيث جئنا ، فأبوا ذلك علينا .

قلت لهم : فماذا نصنع ؟ فأشاروا إلى الربوة ، أي أن نهبط من وجه الجبل ، كان ذلك يشق على المحترفين من متسلقي الجبال ،

فما بالكم بأولاد ، منزلهم الغوطة ، ما عرفوا الجبال ولا ألفوا صعودها وهبوطها ، والجبل من هنا كأنه جدار قائم ، عليه حجارة صغار ، إذا وضع النازل رجله عليها تدحرجت من تحت رجله ، فكأنما مشت الأرض أو خسفت به فهوى معها .

عدنا إليهم نحاول إقناعهم ، فلا أقنعهم العقل ، ولا حركهم العاطفة ، ولا نفع معهم كلام ، كأننا نكلم صخرة ، أو نخاطب دابة ، وكلما ألححنا عليم حركوا زناد البندقية ووجهوها إلينا .

امتحان مر عليه نصف قرن ، ولم أنس ما قاسيت منه ، وكان معي إخوتي الثلاثة ، فكنت أضع أخي ناجي مرة أمامهم ، وأكون أنا من خلفهم , ومرة أكون أنا قدام وهو من وراء ، وكنت أدعو الله أسأله (إذا كان مقدرا على أحد منا الموت) أن أموت أنا أو أحد إخوتي وينجو أبناء الناس ،

هل يفرط أحد بنفسه أو بأخيه ، أو يهون عليه فقده ؟ ولكني اخترت أن أقع أنا أو أخي ، ولا أوقع أحدنا من هؤلاء ، لأنهم أمانة في عنقي ، فمن يخلصني من آبائهم وقد عرضتهم أنا إلى الهلاك ؟ .

وتردد الأولاد ، وخافوا ، وكنت أشد منهم خوفا ، وأكثر ترددا ، ولكني تجلدت ، وشددت صوتي وأمرتهم أمرا عسكريا أن ينزلوا ، بعد أن علمتهم كيف يكون النزول ، وهددت من يتأخر أو يجبن بالعقوبة ، وأثرت الحماسة في نفوسهم .

وكنت متعودا على الجبال ، عرفتها وألفتها ، وطال عهدي بها ن فهونت النزول عليهم ، فنزلوا والحجارة تتدحرج من تحت أقدامهم ، وكل من كان في المقاهي ، أو كن قاعدا على السفح ، أو كان يتنزه بين الأنهار التي تجري في الجبل ، كلهم يصرخ بي : ما في نزلة من هنا . ارجع . ارجع . مافي نزلة . خطر .

يرون الخطر وأنا أراه معهم ، ولكنهم لم يروا ، ولم يعلموا ، ما الذي جعلني أهجم على الخطر ، وأعرض أولاد الناس إليه .

وكانت ساعة أطول من دهر ، لا يعلم إلا الله ما مر علي فيها ، وأن أتوجه إليه أدعوه ضارعا مضطرا ، وهو الذي يجيب دعوة المضطر ، كنت أرى الموت في كل خطوة نخطوها بأقدامنا ، وفي كل حجر ينحدر من تحت أرجلنا ،

أراه في الوادي الذي يبدو لي كقرارة بئر ما إليها وصول ، أرى لمعان مياه الأنهار كأنها سيوف مشرعة ، أو سكاكين محددة ، أمام قلبي الذي كاد من شدة الخفقان يفارق الضلوع ،

وكانت صورة الولد الذي سقط قديما في النهر ، لا تفارق مخيلتي ، فأسال الله ألا تعاد ، وأدعوه أن يمر اليوم بسلام .

وما كنت تراني إلا صاعدا ونازلا ، وكذلك يصنع أخواني ناجي وعبد الغني : يتعثر تلميذ فنسرع إليه ، أو يعلق فنمضي لأنجاده ، والأصوات لا تنقطع من تحتنا ، من المقاهي ومن شطوط الأنهار ، لم يبق للناس عمل إلا مراقبتنا والنداء علينا . .

وما صدقت أني بلغت السفح ، حتى تشهدت ، وألقيت بنفسي على الأرض ، أستريح قليلا لأشرح للناس الذي تكوموا علينا ، لماذا نزلنا من هنا .

فقد ذكرتني بهذه الجولة برحلة إلى حلبون .
(ذكريات – 2 – صفحة 294 ، 295، 296)
* * *

ومما رأيت أن مدير آخر (الشيخ محمود العقاد تلميذ أبي وأستاذي) أراد أن يدرب الطلاب الكبار في مدرسته على تعليم الأطفال الصغار ، ومر عليهم يرى تدريسهم فأبصر من أحدهم خطأ فضربه أمام التلاميذ الذي يعلمهم ،

ولقد كان من أثر هذه التربية وأثر الكتاب الذي قضيت فيه قبلها يوما واحدا أو بعض يوم ، أن أورثني كرها دائما للمدرسة ، وبغضا لا يزول لها من نفسي ، حتى إنني لأفرح يوم العطلة ، كما أفرح إن غاب المدرس أو شغل عن الدرس ، وبقي ذلك بعدما صرت معلما ابتدائيا ، ثم صرت مدرسا ثانويا ،

ثم صرت أستاذا جامعيا ، بل إنني لأفرح الآن إذا هتف بي (أي كلمني بالهاتف) مخرج برامجي في الرائي أو الإذاعة ، يخبرني أن يوم التسجيل قد أجل ، أو خبرت أن المحاضرة التي حددت ساعة إلقائها قد ألغيت أو أن المقالة التي كلفت بها ، قد صرف النظر عنها ، صرت أوثر الكسل وأكره العمل ، وأؤخر إن لم أجد منه مهربا إلى اللحظات الأخيرة ،

فلا أكتب المقالة ولا أعد الحديث ، ولا أهيئ المحاضرة إلا حين لا يبقى بيني وبين إلقائها إلا وقت إعدادها .

وأني لأعجب أن أجد الآن فيما أقرأ من المقالات ، أو أستمع في الندوات من يحن إلى عهد الفلق ، ويبكي عليه ويتمنى أن يعود أولاده إليه ، وأعجب منهم الذين يدعون إلى إرجاع الكتاتيب ، ويثنون عليها ويحمدون أيامها ،

ولقد كان في حينا في دمشق ، حي العقيبة أمام جامع التوبة ، مدرسة أثرية هي المدرسة الأجرية ( التي صارت الآن مكتبة عامة) كان فيها كتاب أخذني جدة إليه وأنا ابن خمس سنين وكان الكتاب مغلق الباب مسدود النوافذ ، ولم يكن فيه مقاعد ،

وكان الأولاد يجلسون على الأرض في صفوف تتراص حينا ، وتنفسخ حينا تبعا (لحالة السوق) وكثرة الأولاد ، إلا أن المعروف عن الكتاب أنه كجهنم لا يراد آتيا ، وأنا الشيخ مستعد أبدا لحشوه بالتلاميذ ، وواثق أنه لن ينفجر من قلة الهواء ، وكثرة التنفس ، وانعدام النوافذ ،

وكان الصبيان يخلعون أحذيتهم ، وأنا أقول أحذيتهم على المجاز وإلا فهي القباقيب غالبا ، يخلعونها عند الباب ، ثم يدخلون فيقبلون يد الشيخ ، ويضعونها أمامهم بجانب اللوح والصبرة (أي كتاب الهجاء) والغذاء ،

ويجلسون جلسة واحدة إلى المساء ، لايقومون إلا للشراب من البركة القريبة من الكتاب ذات الماء الملوث يدخلون فيها رؤوسهم ، ويعبون عبا كالجمال ، وإلا لقضاء الحاجة ، ويسمونها (الدستور) فإذا رفع الولد أصبعه وقال (دستور) ، عرف الشيخ أنه خارج لقضاء حاجته في مراحيض المسجد ، أمام الكتاب .

أما الطعام فكانوا يأكلونه وهو قعود في أماكنهم ، عندما يسمعون المؤذن ينادي بالظهر ، أو يلتهمون اللقمة أُثر اللقم في غير وقت الظهر من غير أن يراهم الأستاذ ، أعني الشيخ .

وللحديث بقية عن المدارس والكتاتيب وعن المصايف والاصطياف ، وعن الاستفادة من العطلة في تغذية العقل بالمطالعة وتقوية الجسد بالرياضة .. بقايا ستأتي إن شاء الله .

(ذكريات – 8 – صفحة 310، 311)

* * *

ومن طريف الذكريات ، أني كنت أدرس مرة في ثانوية البنات في دمشق ، ولم أكن مصيبا في قبول التدريس فيها ، وأستغفر الله الآن من دخولي إليها ، لأنه لا يجوز في شرع الله ، ولا في طبع عباده من العرب ، أن يتولى رجل تدريس البنات البالغات ، وأكثرهن سافرات كاشفات ، فكيف بأن تدرس بنت فتيانا ؟؟ وكنت أشرح قصيدة الخطيئة ، فمر “بغيض” فسخرت طالبة من اسمه واستقبحته .

فسألتها : مااسمك ؟ قالت مها ، قلت : أفلا أنكرت اسمك ، والمهاة هي البقرة ؟

أفلا أنكرت اسمك ، والمهاة هي البقرة ؟

فوضعت رأسها بين كفيها ، وانكبت على المقعد تبكي ، وأطالت البكاء .

قلت : ماالذي يبكيك ؟ قالت : أبكي لأنك قلت أني بقرة ، قلت : أنها البقرة الوحشية ، ثم إن أهلك وهم أعرف بك وأحنى عليك ، هم الذين سموك بهذا الاسم ، فازدادت بكاء ، قلت : لك أن تبكي ما شئت ، ولكن لا تخرجي صوتا يعطل علينا درسنا .
(ذكريات – 7 – صفحة 325)
* * *

وكنت يوما في الرياض أدير مفتاح الراد ، فسمعت إذاعة غريبة ليست من جدة ، ولا من مصر ، لم أكن أسمع في الرياض يومئذ غيرهما ، إلا إذاعة بغداد ، أسمعها أحيانا ، فوجدت هذه الإذاعة الغريبة .
(ذكريات – 8 – صفحة 329)
* * *

#علي_الطنطاوي

كن صاحب أول تعليق على "فوائد تتعلق بالمعلم .. من تنبيهات الطنطاوي على مسيرة التعليم"

تعليقك يثري الموضوع