فوائد تتعلق بالطالب .. من تنبيهات الطنطاوي على مسيرة التعليم

فوائد تتعلق بالطالب

فوائد تتعلق بالطالب .. من تنبيهات الطنطاوي على مسيرة التعليم

رابعاً : فوائد تتعلق بالطالب

إقبالنا على العلم ، فقد كان أكبر من إقبال الطلاب الآن من غير شك . وسبب ذلك أمران :

الأول : أننا كنا في بداية يقظة فكرية جاءت بعد نوم طويل .

الثاني : أنه لم تكن عندنا هذه الصوارف التي تصرف الطلاب عن العلم ، والمعلمين ع نحسن الاستعداد للتعليم ما كانت إذاعات ولا كان شريط التسجيل ، ولا كانت هذه المجلات ، ولا كانت الأسفار بالطيارات ولا الجولات في السيارات .

نعم كان عندنا داران للسينما الصامتة لا يدخلهما إلا من سفه نفسه ، وكانت دمشق عدا المرجهة وما حولها ، وباب توما والقصاع وهما مسكن النصاري ، كانت تنام ن بعد صلاة العشاء .

حتى المقاهي الشعبية لم يكن يسهر روادها إلى أكثر من الساعة الثالثة أو الرابعة (بعد غروب الشمس) يستمعون إلى الحكواتي أو يشاهدون (كراكوز)

وهو خيال الظل ، ثم يمضون إلى بيوتهم ، وما وراء ذلك من اللهو لم أكن أعرفه . شغلي الدائم المطالعة

يقرع التلاميذ اليوم أبواب المدارس المتوسطة ، وما معهم من العلم إلا ما كان في كتب المدرسة الابتدائية . وكثير منهم لم يقرأها كلها ، أو قرأها ولكن لم يفهمها كلها ، أو فهمها ولكن لم يحفظها كلها .

وما ذاك لأنهم أٌقل منا ذكاء أو أضعف إدراكا ، بل لأننا كنا أشد منهم رغبة في العلم وتقديرا له ، وحرصا عليه.

منا نفرح إن ازددنا علم مسألة لم نكن نعلمها ، وهم يفرحون إن حطت عنهم مسألة كانوا سيكلفون علمها .

ثم إننا لم نكن نجد ملهاة تصرفنا حقا عن التحصيل ، وهم لا يجدون لكثرة الملهيات ووفرة التسليات ، وقتا للتحصيل .

(ذكريات – 1 صفحة 159)

* * *

قلم إن شئته غصنا من أغصان الجنة أورق وأزهر وأنعش القلوب ، وإن شئته حطبة من حطب جهنم أحرق ودمر

(ذكريات- 3 صفحة 170)

* * *

وأعدوا لتلقيه الصغار ، وهذا مما تنبه إليه أعداؤنا ، وغفلنا نحن عن ، هو الاهتمام بالأطفال هم أمة المستقبل ، نفوسهم صفح بيضاء ، تنقش عليها ما تشاء ، وقلوبهم عجينة طرية ، إنهم كالأرض الخلاء ، تقيم عليها البناء ، بلا تعب ولا عناء . والكبار كالبيت القديم ، عليك إذا أردت تجديده أن تهدمه وأن تنقل أنقاضه وأن تخلي أرضه ثم تقيم البناء الجديد عليه .

فتداركوا أطفالكم ، انظروا المربين والمربيات الذي تسلموهم إياهم ، انظروا المدارس التي تبعثون إليها بهم ، انظروا المعلمين الذي تقعدونهم بين أيديهم ، تنبهوا فإن كل كلمة تلقى في أذن الطفل وكل بذرة عقيدة تغرس في قلبه ، سيكون لها أثر ظاهر في مقبل أيامه ، في دينه وفي خلقه وفي سلوكه .

لقد طالما قلت وأعدت وكررت القول إن بذور الخير والشر والإيمان والكفر ، تغرس في نفوس الأطفال في السنوات الخمس أو الست الأولى من أعمارهم ، فالله الله في أطفالكم .

(ذكريات – 6 – صفحة 229)

* * *

لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل

هذه اليابان : ماذا كانت اليابان قبل مئة سنة أو تزيد قليلا ، وماذا صارت الآن اليابان .

(ذكريات – 8– صفحة 230)

* * *

وهذه رسالة كريمة ، جاءتني من يومين، من مرسل يبدو أنه أستاذ كريم ، يقول فيها :

لقد اشتغلت بالتربية والتعليم كما علمنا منك وسمعنا عنك ، من زمن طويل ، ولقد عرضت بعض ذكرياتك في التعليم ، أفليس عندك ذكريات في علم التربية ؟

ويا ليتك تعرف من لا يعرف بهذا العلم ، وبتجاربكم بتطبيقاته ، فتكتب حلقات ، إن لم يجىء فيها علم ينفع المربين ، فلا بد أن يكون فيها أدب وفن يمتع جمهور القارئين .

هذا خلاصة ما جاء في الرسالة ، كتبتها بقلمي ، وعرضتها بأسلوبي .

أما الكلام في معنى العلم والتربية ، فليس ذكرى من ذكرياتي ، التي لا يعرفها غيري ، لأنها جزء من حياتي ، فيحق بذلك لي وحدي الكلام فيها ، بل هي قدر مشترك بين كل المفكرين ، ومن قراء الجريدة من هو أقدر عليه وأعرف به مني .

وأنا لم أدرس التربية كما يدرسها المختصون فيها ، المنقطعون إليها ، وليس في يدي شهادة من أساتذتها ، على أني من أهلها ، ولكني شاركت في تربية إخوتي ، وربيت بناتي ، وأشرفت على تربية أحفادي وحفيداتي .

وقد بلغ عدد من ذكرت إلى الآن واحدا وأربعين ، أفلا تكفيني هذه التجارب وتكون شهادة لي على أن لي معرفة ببعض طرائق التربية ؟

وقد بدأت التعليم من إحدى وستين سنة ، من سنة 1345هـ وقرأت من كتبها كل ما وصلت إليه يدي ، ولا أدعي مع ذلك أني صرت من كبار المربين ولا أني من صغارهم . أما تعريف التربية كما أرى ، تعريفا قريبا من الأفهام ، بعيدا عما أودعته في الكتب الأقلام ، التعريف المنبثق من فكري أنا ، لا المنقول من الكتب التي ألفها مؤلفوها فهو :

أن سلوك الإنسان مجموعة عادات ، وإن كل عمل جديد هو بداية عادة جديدة ، إما أن يستمر فيها وإما أن يرجع عنها . فالتربية هي غرس العادات النافعة ، والصرف عن العادات الضارة .

وعندنا العلم الذي يقابل الفن ، وقد سبق مني القول فيه مرارا ، وبيانه أن مطامح البشر تقف عند ثلاث هي : الحق والخير والجمال . تلك هي المثل العليا .

(ذكريات – 6 – صفحة 234 ،235)

* * *

وشيء آخر لعله من أسباب ضعف الطلاب في الدروس كلها وفي العربية على التخصيص ، أخشى إن قلت الحق فيه أن أغضب ناسا ما لي إلى إغضابهم رغبة هو أن الاهتمام بالشيء بمقدار الحاجة إليه ، وتعرف الحاجة إليه بمقدار الخسارة في فقده ،

ونحن نحتاج إلى من يعلم أولادنا ، ومن يداوي مرضانا ، ومن يضمن إقامة العدل فينا، ويؤدب الجانحين والمجرمين منا ونحتاج قبل ذلك إلى من يدلنا على طريق النجاة في آخرتنا ، والوصول إلى رضى ربنا ،

فهل إدخال الكرة في شبكة في الملعب أهم من هذا كله هذا هو السؤال ، فلا تغضبوا إن أنا سألتكم ، فما أريد إلا أن أتعلم ، فلماذا نتهم بهذا اللاعب أكثر من اهتمامنا بالطبيب وبالمدرس ، وبالأستاذ ، وبالواعظ ؟

وكيف نرغب الطلاب في القواعد والإملاء ، وهم يرون هؤلاء ينالون منا التكريم أكثر مما ينله الخليل والمبرد وأئمة اللغة أجمعين ، لو بعثهم الله القادر على كل شيء من قبورهم فمشوا بيننا وعاشوا معنا ؟

وأنا لا أقول لكم أتركوا العناية بالرياضة ، لأنها من القوة التي أمر الإسلام بإعدادها ، والقوة زينة الرجال ، قوة العلم ، وقوة الجسم وقوة الإيمان ، ولكن الذي أقوله لكم أن لا تدفعوا ثلاثمائة ريال مثلا في بضاعة مهما غلت لا تساوي إلا خمسة عشر ريالا .

أعود إلى كتب المطالعة وما تضعونه فيه ، فهل تريدون الحقيقة الصادقة ، والنصح المخلص أم أنكم لا تحبون الناصحين ، وأعيذكم بالله من ذلك ؟

جنبوا كتب المطالعة هذا لأدب الذي تسمونه يوم بأدب الحداثة ، ويوما بالشعر المنثور ، كما قال المازني رحمة الله مازحا ساخرا لما سأله عنه ، ويوما بقصيدة النثر ، وكل ذلك من مظاهر العجز عن نظم الشعر البليغ ، كالثعلب لما لم يصل إلى عنقود العنب قال إنه حامض ، واختاروا له مما يقوي مملكتهم العربية ، ولأن العربية والإسلام لا يكادان يفترقان ، لقد حاقت بالعربية نكبات ، واعترضت

طريقها عقبات ، ونزلت بها من نوازل الدهر المعضلات ، ولكن ما مر بها يوم هو أشد عليها ، وأنكى أثرا فيها ، من هذا الأدب المزور الذي سميتموه أدب الحداثة ، إنه ليس انتقالا من مذهب في الشعر إلى مذهب للبشر فما كانت غايته الحق ، وسبيله الفكر ، وأداته المحاكمة فهو (العلم) ،

وما كانت غايته الجمال ، وسبيله الشعور ، وأداته الذوق فهو “الفن” أما العلم بمعنى Science كعلم الطب والفيزياء ، فله عند علمائنا الأولين تعريفات كثيرة جدا ، ولكن أود تعريف سمعت به ، وأقربه إلى الوضوح ، ماقاله سارطون ، ولا يضرنا أن نأخذ منه فإن الحكمة ضالة المؤمن ، أي أنه ملك له ضاع منه ، وند عنه فهو يلتقطها حيث وجدها .

(ذكريات – 8 – صفحة 334 ،335 ،336)

* * *

فيا شباب الأزهر أنتم ورثة هذا المجد كله ، أنتم خلفاء الجدود فصلوا طريقكم بتليدكم ، وأتموا بفعالكم مجد أسلافكم : بالعلم لا تسمو الأمم إلا بالعلم ، بالبيان لا علم إلا ببيان ، ولا فكر إلا بلسان ، بالأخلاق أخلاق العلماء الذي أخلصوا الخضوع لله ، فخضع لهم جبابرة البشر ، وألقوا كلمة السماء فعرفتهم فوق أهل الأرض .

وزهدوا بزخارف الدنيا ، وأوهام الجاه ، فانقادت لهم الدنيا وسعى إليهم الجاه ، وبالأخلاق فالأخلاق قبل العلم ، ونحن لا نريد نسخه من الكتاب ، ولكن نريد رجالا يكونون نماذج للمسلم الكامل ، نريد دعاة إلى الله بالأفعال لا بالقوال .

وابتغوا القوة في كل شيء ، فلا شيء كالقوة يزين الرجال قوة الجسم وقوة العلم ، وقوة اللسان وقوة الجنان ، فلقد كان محمدا صلى الله عليه وسلم رجلا كامل الرجولة .

إن شعلة الإسلام اليوم وسط هبات من زوابع الباطل ، ولن تنطفئ إن شاء الله ، وستخمد هذه الرياح كما خمدت من قبل رياح أشد منها قوة ، وأعلى عزيفا ، ولكن لابد من دفعها عن الإسلام.

(فصول إسلامية – صفحة 246، 247)

* * *

كنت مرة في المعهد العالي للمعلمين ، ففاجأت الطلاب بسؤال ، لماذا دخلتم هذا المعهد ؟

ولماذا اخترتم مهنة التعليم ؟

وتبين لي أن أكثرهم ، بل أن أكثر الناس يعملون ما يعملون بلا نية ، ولو استحضروا نية لكان كل عمل عبادة ، يأكلون ويكون أكلهم عبادة ، وينامون ويكون نومهم عبادة ، ويجتمع أحدهم بأهله ويكون هذا الاجتماع عبادة ، تبين لي أن أكثر الطلاب ما فكروا بشيء من هذا ،

بل بلغوا سن المدرسة فأدخلوهم إليها وانتقلوا من صف إلى صف ، حتى أكملوا الابتدائية ، فدخلوا مع من دخل في المتوسطة ، ثم تدرجوا فيها درجة درجة ، سنة بعد سنه ، حتى وصلوا إلى الدراسة العالية ،

فنبهتهم إلى النية وأثرها في أعمال الإنسان ، وأنها هي التي تجعل المباح الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب عبادة تستحق من الله بكرمه الثواب . .

(ذكريات – 8 – صفحة 252)

* * *

ماذا يراد بالأزهر ؟!

أنا لا أقرأ هذه المجلات المصرية ، وأمنعها أن تدخل بيتي ، كما أمنع نفسي أن تدخل بيوت الفحش ، وأنزهها عنها كما أنزهها عن مواطن الإثم ،

لذلك لم أر شيئا مما كتب طه حسين في هذا ، ولا ما كتبوا عنه ، حتى خبرني صديق لي ، أن طه حسين يقترح إغلاق المعهد الذي علمه وأفضل عليه ، والذي هو فخر مصر ، ومهوى قلوب المسلمين .

الأزهر الذي جعل لمصر في دنيا الإسلام من المنزلة في القلوب ، والحرمة في النفوس ، ما ليس لبلد بعد المساجد الثلاثة ، فلا تذكر مصر إلا ذكر الأزهر و يتمنى مسلم الحج إلا تمنى معه زيارة الأزهر ، والذي صير مصر (معلمه) العالم الإسلامي ، عن علمائها يؤخذ العلم ،

ومنهم يتعلم التقى وغاية أماني الشامي والعراقي ، والأفغاني الهندي ، والبخاري والتركي ، والجاوي والملاوي ، وكل شاب مسلم في الشرق والغرب ، من الصين وأندونيسيا إلى مراكش والصومال ، وألبانيا والمجر ، أن يرحل إليهم ، ويكون له شرف القعود بين أيديهم .

الأزهر الذي بقي ألف سنة ، وهو أمل المسلمين في أرجاء الأرض كلها ، كلما أدلهم ظلام الجهل ، وتراكبت دجى الشهوات ،

وتتالت عواصف النكبات والأرزاء ، وكاد يملأ القلوب اليأس ، نظروا إليه فرأوا مصباحه لايزال يضىء ، يلمع من بعيد كالمنار الهادي ، يبدو للسفن الضالة في سواد الليل ، يدلها على الشاطئ الآمن ، فسعوا إليه ، يقبسون من نوره ما يبدد ظلام الآحداث .

الأزهر الذي كان يتسابق الملوك إلى رفع دعائمه ، وتوسيع جنباته وعمارته ، عمارة الإشادة والبنيان ، وعمارة العبادة والإيمان ، فلا يرى الملك أنه كتب في التاريخ حتى يترك في الأزهر أثرا .

الأزهر الذي كان يجيئه الحاكم الجبار ، فإذا دخل حماه ، وجاز عتبته ، أحس أن سلطانه وجبروته ، قد بقيا خارج الباب فطأطأ الرأس خضوعا ، ثم جاء حتى قبل يد الشيخ ، وقعد في حلقته مع أصغر تلاميذه .

الأزهر الذي طالما ورده الغلام الجاهل ، الريفي أو الأعجمي ، ثم صدر عنه وهو إمام العربية وحجة الله على الناس ، فأحيا به الله قرية ، أو بلدة ، أو قطرا كاملا .

الأزهر الذي وقف في وجه الزمان ، وتكسرت على جدرانه أمواج الأحداث ولم تلو به ولم تزعزعه ، نكبات الشرق ولا نكبات الغرب ، لا جحافل المغول نالت منه و لاجيوش الصليبيين ، أفتكون نهايته أن يقضى عليه الحكام المسلمون ، في البلد المسلم .

أبعد ما لبث أكثر من ألف سنة ؛ هل في الأرض جامعة نيف عمرها على الألف سنة ألف سنة ! كم أقيم فيه خلالها من صلاة ؟

كم ألقي فيه من دروس ؟ كم ظهر فيه من علماء ؟ كم انبثق عنه من مصنفات ؟

كم أحيا بالعلم عقولا كانت ميتة ؟

كم أنار بالموعظة قلوبا كانت مظلمة ، كم صفت على ثراه أقدام ، تقوم فيه وراء سجف الظلام لا يدري بها إلا الله ، كم وضعت عليه من جباه كريمة ما كانت تذل في طلب الدنيا لأحد ؟

كم ارتفع من جوف . .

(فصول إسلامية صفحة 252، 253)

* * *

#علي_الطنطاوي

كن صاحب أول تعليق على "فوائد تتعلق بالطالب .. من تنبيهات الطنطاوي على مسيرة التعليم"

تعليقك يثري الموضوع