العرب المسلمون في كراسي الحكم للعلامة محب الدين الخطيب

العرب المسلمون

العرب المسلمون في كراسي الحكم للعلامة محب الدين الخطيب مقال تاريخي يذكر كيف شوه المدونون صور بعض ملوك العرب ويستشهد بمواقف تحقق فيها العدل

العرب المسلمون في كراسي الحكم للعلامة محب الدين الخطيب

لقد شوَّهت الحزبيات السياسية القديمة، والعصبيات المذهبية الآثمة جمالَ تاريخنا _ من بدء تدوينه إلى الآن _ بما عبثت به من حقائق،

وما دفنته من مزايا وسجايا وفضائل، وما ابتكرته من أكاذيب، وما صرفته عن وجهه من المعاذير،

حتى صار الذين لا يساوون عند الله جناح بعوضة يتطاولون بالنقد، والتنقيص، والثلب، وقلة الأدب على مقامات عظماء من الصحابة الذين قام الإسلام على عواتقهم، وسقيت تربة بلاده بدمائهم،

وكان دخول أوطاننا في كيان العروبة والإسلام بعض حسناتهم كما يتطاولون على مقامات عظماء من علماء التابعين وسادتهم وقادتهم وولاتهم ممن نتمنى الآن _ عند دراستنا تراجم حياتهم _ لو أن الإنسانية كلها ترزق مثلهم أو أقل منهم في هذا العصر الذي نتبجَّح، فنتشدَّق بتقدمه الصناعي،

بينما حكماؤه وعظماؤه يُنْحُون بالمذمة على انحلال المبادئ في أهله، وغلبة الشرور في أفراده وجماعته.

تشويه تاريخي

إن المموّهين والمشوّهين من مدوني الأخبار المتقرّبين إلى حكام كل عصر بذمّ خصومهم والسابقين لهم _ قد حقنوا قلوب الناس جميعاً بالكراهية والبغضاء لمثل مروان بن الحكم،

بل لمن هم أعظم منه مقاماً وفضلاً ونبلاً كالخليفة الراشد صهر رسول الله عثمان بن عفان؛

فكان ذلك سبباً في صدّ الأطفال والتلاميذ _تبعاً لآبائهم وأساتذتهم _ عن معرفة ما كان عليه سلفنا من فضائل؛

لأن ما دسه الإخباريون في سيرتهم من أكاذيب قد ابتعدت بسيرتهم عما كانت عليه في الوقائع،

فعرضت على أنظار الناس كما أراد شانؤوهم أن يصوّروهم للناس…

ولأجل أن تعرف مروان بن الحكم _ مثلاً _ كما كان في الواقع،

ننقل هذه الحادثة من تاريخ حياته، ونشير على القارئ أن يبحث في ذاكرته عن أحب الشخصيات إليه ممن تبوَّأوا مقاعد الحكم في أيّ عصر،

ولينظر هل بلغ من أحدهم أن يصدر عنه مثل العدل الباهر الذي صدر عن مروان بن الحكم فيما سنقصه من خبره؟

قال أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني (13: 76 بولاق)

أخبرني محمد ابن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيد أن عبدالرحمن بن الحكم _وهو أخو مروان لأبيه وأمه_ لطم مولى لأهل المدينة حنَّاطاً،

وكان مروان يومئذ والياً على المدينة وله فيها الأمر والحكم، فشكا الحنَّاط عبدَالرحمن بن الحكم إلى أخيه مروان،

فما كان من الأمير إلا أن أجلس أخاه _وهو النبيل الشاعر الوجيه_ بين يديه إلى جانب العبد الحنَّاط وقال للحنَّاط: الطمه كما لطمك!

قال الحنَّاط: والله ما أردت هذا، وإنما أردت أن أعلمه أن فوقه سلطاناً ينصرني عليه. وقد وهبتها لك.

قال مروان: لست أقبلها منك؛ فخذ حقك!

قال الحناط: والله لا ألطمه، ولكني أهبها لك.

قال مروان: إن كنت ترى أن ذلك يسخطني عليك فوالله لا أسخط فخذ حقك!

فعاد الحناط إلى قوله: قد وهبتها لك، ولست والله لألطمه.

فقال الأمير: لست والله قابلها، فإن وهبتها فهبها لمن لطمك، أو لله _عز وجل_.

فقال: قد وهبتها لله _ عز وجل _.

وبذلك انتهت جلسة القضاء والحكم.

مكانة عبدالرحمن بن الحكم

ونحب أن يعلم القارئ أن عبدالرحمن بن الحكم من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام،

وقد علمت أن أخاه أمير المدينة،

وأزيدك أن ابن عمه الخليفة بدمشق، وأنه هو نفسه من كبار شعراء قريش.

فإذا كان العدل القائم سلطانه في تلك الدولة قد أوقفه هذا الموقف من حنَّاط معدود في موالي أهل المدينة _ أي عبيدهم _ فإن مكانة عبدالرحمن بن الحكم في ذاته أباحت له أن يقول لأخيه الأمير في مثل ما يكون بين الأخ وأخيه:

وكلُّ ابنِ أمٍّ زائدٌ غيُر ناقصٍ

وأنت ابنُ أمٍّ ناقصٌ غيرُ زائدِ

وهبت نصيبي منك يا مروَ كلَّه

لعمروٍ وعثمانَ الطويلِ وخالدِ

ولكن الأخ الذي كانت له هذه الدالة وهذه الجرأة على أخيه في البيت، كانت له _ في نظام الحكم الذي كان للعرب في صدر الإسلام _

تلك الطاعة التي رأيناها منه يوم أوقفه أخوه في موقف العدل

وهو ينتظر أن تقع اللطمة على وجهه من كفّ العبد الحنَّاط الذي يمثّل أحطَّ طبقات الناس في المجتمع.

() مع الرعيل الأول ص214 _ 216.

#مقالات_عربية_رائعة

#محب_الدين_الخطيب

مقالات عربية رائعة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية (٣)

كن صاحب أول تعليق على "العرب المسلمون في كراسي الحكم للعلامة محب الدين الخطيب"

تعليقك يثري الموضوع