عيد الأمس ، عيد اليوم ، عيد الغد للعلامة محب الدين الخطيب

عيد الأمس ، عيد اليوم ، عيد الغد

عيد الأمس ، عيد اليوم، عيد الغد للعلامة #محب_الدين_الخطيب ، مقارنة للأعياد المختلفة باختلاف الاعتقادات والمجتمعات، وكذلك اختلاف عادادت الناس فيها باختلاف الأزمنة، المقال موجز مختصر في 570 كلمة و 37 فقرة تكرر فيه عبارات ( الأمم ، الحياة ، عيد ، الوطن ، الوطنية ، اليابانيين ، الأعياد )

عيد الأمس ، عيد اليوم ، عيد الغد للعلامة محب الدين الخطيب

عيد الأمس، عيد اليوم، عيد الغد( ) للعلامة محب الدين الخطيب

ما انفك هذا الشرق العربي يستقبل الأعياد بقلوب أبنائه دون عقولهم،

إلى أن فاجأتنا أعياد أَفَقْنا فيها من رقادنا، فشعرنا بحاجتنا إلى استقبالها بعقولنا دون قلوبنا.

وتلك عادة من عاداتنا السيئة أن تكون نظرتنا الأولى إلى كل أمر من أمورنا منتزعةً من قلوبنا، وضلال مشاعرنا، وميول أنفسنا؛

مهملين كل الإهمال عقولنا التي بنورها يتبدد دَيْجور الليالي،وبمقياسها تقدر المنافع الحقيقية، وبقسطاسها يرجح جانب الصواب في كل حادث.

الحد الفاصل بين عامين

الأعياد السنوية عند الأمم هي الحد الفاصل بين عام مضى وعام أقبل؛

لذلك كان من شأن كل أمة أن تتفرغ في أيام عيدها لاستعراض حوادث العام المنصرم فتصفى حسابه،

وتنظر في مبلغ ما نالته فيه من ربح، فتعده عيداً سعيداً يجدر بأفرادها أن يتبادلوا فيه عبارات التهاني،

أو مقدار ما أصابها فيه من خسران فتفكر في أسباب تلافيه،

ويتمنى بعضهم لبعض أن يعود عليهم أمثاله بخير مما عاد به عليهم في عامهم الذي هم فيه.

ولو كان أفراد جيلنا والجيل الذي تقدمنا قاموا بعملية هذا الجرد الاجتماعي في فرصة كل عيد سنوي لما كنا دون الأمم التي نهضت في تلك البرهة من الزمن،

وأعني بها الأمة اليابانية، والأمة البلغارية، والأمة الفنلندية، وسائر الأمم التي سَرَتْ مسراهن، ونجحت نجاحهن.

ظللنا _ كما كانت تفعل طبقة آبائنا _ نستقبل الأعياد بسرور وغرور،

غير شاعرين بمساعي اليابانيين والبلغاريين والفنلنديين في سبيل نهضتهم الوطنية والصناعية والتهذيبية،

وما انقضى نحو خمسين عيداً حتى انجلت عنهم وعنا غيوم الأزمان،

فظهروا للعالم بمظهر المغالب للطبيعة في الحصول على مقومات الحياة،وظهرنا بمظهر الذي عاند الطبيعة؛

ليمنع مقومات الحياة من أن تتسرب إليه؛ فحصلوا هم منها على القسم الوافر رغم الطبيعة،

ونحن أخذنا منها بالقسم اليسير الذي أرغمتنا طبيعة الزمان على الأخذ به.

وها نحن نرى الآن بأعيننا ما بيننا وبين اليابانيين من المسافات الشاسعة في ميدان الارتقاء ومعترك الحياة:

هم يلبون داعي الوطنية بالألوف، ونحن نلبيه بالمئات،

وهم يشعرون بحاجة الوطن إليهم في ساعة حاجته إليهم، ونحن نشعر بذلك متأخرين،

هم يقدمون للوطن من رؤوس أموالهم علماً منهم بأن حياة أفراد الوطن متصلة بحياة الوطن نفسه ونحن نمن على الوطن إذا جدنا عليه بحثالة الكأس، وفضلات المائدة.

امتحان الأمم

لقد كانت الحرب المنصرمة امتحاناً للأمم يُبتلى فيه مَضاء سلاحها التهذيبي،

وكنا في جملة من دخل هذا الامتحان فعلمنا من نتيجة ذلك أننا بدأنا نشعر بالحياة، وأن فينا من قواها نسيساً لم يكن فينا قبل عشرين عاماً.

لذلك يمكننا أن نعلم من الجرد الاجتماعي الذي نجريه في عيدنا هذا أن ثروتنا الوطنية والتهذيبية في نماء وتقدم،

ولكنهما_ ويا للأسف_ قد تسربا إلينا بضغط طبيعة الزمان علينا، وإرغامها إيانا على مجاراتها للتسلح بمقومات الحياة.

ولو أننا جاريناها بلا ضغط منها علينا، بل لو اندفعنا في طريق الترقي مقاومين ما قد يعترضنا من العقبات _كما يفعل اليابان_ لكنا اليوم بمنزلة اليابانيين صناعة، ووطنية، وتهذيباً.

إن هذا اليوم له ما بعده، ونحن واقفون في هذه الساعات على برزخ بين الحياة والموت؛

فإما أن يندفع كل فرد منا في سبيل الحياة بلا تردد، ويسارع إلى أن يكون قدوة لغيره قبل أن يكون غيره قدوة له،

وإما أن يلبث كل واحد منا واقفاً يراقب كل ما يبدر من الآخرين ليفعل كما يفعلون؛ فتكون النتيجة بقاء الجميع وقوفاً أوشبه وقوف، وذلك هو الموت بعينه.

الواجبات الوطنية كثيرة، والسبيل التي سارت فيها الأمم الراقية واضحة أمامنا،

فليكن حديثنا في هذا العيد دائراً حول هذا البحث شعارنا( إلى الأمام… دائماً إلى الأمام… )

وبهذا يكون عيدنا سعيداً، ونكون واثقين من أننا وأولادنا سنستقبل بعقولنا وقلوبنا بمنافعنا ومسراتنا أعياداً سعيدة إلى الأبد.

الهامش

( ) الحديقة 7/ 6 _ 10، عام 1349هـ، وقد كتبها × في 9 ذي الحجة 1337هـ.

اقرأ أيضاً : اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

 

Be the first to comment on "عيد الأمس ، عيد اليوم ، عيد الغد للعلامة محب الدين الخطيب"

تعليقك يثري الموضوع