الصداقة للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين

الصداقة

الصداقة للعلامة الشيخ #محمد_الخضر_حسين ، في هذا المقال الكلام عن الصداقة وماهيتها ، وأنواعها صداقة المنفعة وصداقة اللذة وصداقة الفضيلة ، والداعي إليها والاستكثار من الأصدقاء وعلامة الصداقة الفاضلة ، وعلى ماذا تقوم الصداقات وهل هي اختيارية وعلاقة الصديق بـ صديقه ومعاملتهم بالمثل والعتاب بينهم، وموقف الرجل من صديقه عند الحاجة وأنواع الصداقة
المقال في 1870 كلمة و 121 فقرة يستغرق 9 دقائق ممتعة للقراءة الصامتة

الصداقة للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين

الشيخ محمد الخضر حسين

الشيخ محمد الخضر حسين

عاطفة سامية القدر، غزيرة الفائدة، تلك هي الصداقة، والشارع رغب في أن تكون المعاملة بين المسلمين معاملة الصديق للصديق، ألا ترونه كيف أمر المسلم بأن يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه؟ بل استحب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم وإن كان به حاجة، وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه.

هذا الأدب الإسلامي نبهني لأن أتحدث إليكم في هذه الليلة عن الصداقة:

ما هي الصداقة؟

المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذة، وإما أن تكون للفضيلة،

وقد يطلق على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة اسم الصداقة.

صداقة المنفعة: هي أن يحب الإنسان شخصا لما يناله منه من منافع،

وشأن هذه الصداقة أن تبقى معقودة بين الشخصين مادامت المنافع جارية.

صداقة اللذة: هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقا،

وشأن هذه الصداقة -أيضا- أن تنقطع عندما تنصرف النفس عن اللذة التي بعثتها.

صداقة الفضيلة: هي المحبة التي يكون باعثها اعتقاد كل من الشخصين أن صاحبه على جانب من كمال النفس،

وهذه هي الصداقة التي يهمنا الحديث عنها في هذا المقام.

إن الذي يصح أن يعد خصلة شريفة هو الصداقة التي يبعثها في نفسك مجرد اعتقاد أن صاحبك يتحلى بخلق كريم.

الصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة؛ فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه،

وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئا من كظم الغيظ، ويجلس لأصدقائه في حلم وأناة،

وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعد متواضعا حليما.

الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء

في اتخاذ صديق حميم لذة روحية يدركها من يسر الله له أن انعقدت بينه وبين رجل من ذوي الأخلاق النبيلة، والآداب العالية مودة،

ولا منشأ لهذه اللذة الروحية إلا الشعور بما بينه وبين ذلك الرجل النبيل المهذب من صداقة.

وصديق الفضيلة هو الذي يجد في لقاء صديقه ارتياحا وابتهاجا،

ويعد الوقت الذي يقضيه في الأنس به من أطيب الأوقات التي لا تسمح بها الأيام إلا قليلا.

ثم إن الصداقة تستدعي بطبيعتها جلب المنفعة أو دفع الضرر؛ فإنها تبعث الصديق على أن يدفع عن صديقه الأذى بما عنده من قوة،

وتهزه لأن يسعده في الشدائد بما أوتي من جاه أو سطوة… ولمثل هذا أوصى بعض الحكماء باتخاذ الأصدقاء؛

فقالوا: «أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.

الاستكثار من الأصدقاء

متى حظي الإنسان بأصدقاء كثيرين فقد ساقت له الأقدار خيرا كثيرا.

وقد أوصى بعض الحكماء ابنه فقال: «يا بني إذا دخلت المصر، فاستكثر من الصديق، أما العدو فلا يهمنك».

علامة الصداقة الفاضلة

ليس من علامة الصداقة الفاضلة أن يقوم لك الرجل مبتدرا، أو يلاقيك باسما، أو يثني عليك في وجهك مسهبا ومكررا؛

فذلك شيء يفعله كثير من الناس مع من يحملون له أشد العداوة والبغضاء.

وقد ذكر الأدباء للصداقة الخالصة علامات منها:

1ـ أن يدفع عنك وأنت غائب عنه.

قال العتابي:

وليس أخي من ودني رأي عينه *** ولكن أخي من صدقته المغائب

2ـ ومنها أن تكون مودته في حال استغنائك عنه واحتياجك إليه سواء.

قال الأحنف بن قيس: خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها.

3ـ ومنها أن ينهض لكشف الكربة عنك ما استطاع كشفها، لا يحمله على ذلك إلا الوفاء بعهد الصداقة، قال بعضهم في صديق له:

وكنت إذا الشدائد أرهقتني *** يقوم لها وأقعد أو أقوم

قصة في مواقف الأصدقاء

ونقرأ في تاريخ الأندلس أن الوزير هاشما بعثه السلطان محمد بن عبدالرحمن الأموي على رأس جيش، فوقع هذا الوزير أسيرا في يد العدو،

وجرى ذكره يوما في مجلس السلطان محمد بن عبدالرحمن، فاستقصره السلطان، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد بالرأي،

فلم ينطق أحد الحاضرين في الاعتذار عنه بكلمة، ما عدا صديقه الوليد؛ فإنه قال: أصلح الله الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور،

بل قد استعمل جهده.. ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه،

فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلا غير مدبر، ملبيا غير فشل، فجوزي خيرا عن نفسه وسلطانه؛ فإنه لا طريق للملامة عليه،

وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم…

وقع هذا الاعتذار من السلطان موقع الإعجاب، وشكر للوليد وفاءه لهاشم، وترك تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه.

ووصل خبر هذا الاعتذار إلى هاشم، فكتب خطاب شكر للوليد ومما يقول في هذا الخطاب:

«الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذب عنك في الغيب لا في المشهد، والوفي من وفى لك إذا خانك زمان».

فكتب إليه الوليد جوابا يقول فيه: «وصلني شكرك على أن قلت ما علمت، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما ذكرته للسلطان من ذلك،

والله شاهد على أني أتيت ذلك في مجالس غير المجلس المنقول إلى سيدي، إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق، ما أردت بها إلا أداء بعض ما أعتقده لك،

وكم سهرت وأنا نائم، وقمت في حقي وأنا قاعد، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا».

الصداقة تقوم على التشابه

لا تنعقد الصداقة الصافية بين شخصين إلا أن يكون بين روحيهما تقارب، وفي آدابهما تشابه؛

فإن وجدت صحبة بين بخيل وكريم، أو جبان وشجاع، أو غبي وذكي، أو مهتد ومبتدع فاعلم أن الصحبة لم تبلغ أن تكون صداقة بالغة.

هذا، وينبغي للرجل أن يتخير لصداقته الفضلاء من الناس، فهؤلاء هم الذين تجد الصداقة فيهم قلوبا طيبة، فتنبت نباتا حسنا.

وكثيرا ما يقاس الرجل بأصدقائه، فإن رآه الناس يصاحب الفساق والمبتدعين سبق إلى ظنونهم أنه راض عن الابتداع ولا يتحرج من الفسوق.

الاحتراس من الصديق

قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق، كما قال أحدهم:

أما العداة فقد أروك ظنونهم *** واقصد بسوء ظنونك الإخوانا

وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجها، هو الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر.

والقول الفصل في هذا: أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس مع الأصدقاء.

أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما – فلا موضع للاحتراس منه.

فإن اجتهدت أيها الألمعي رأيك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقة فضيلة،

ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب – فلا يحملك هذا الخطأ في الاجتهاد إلى الاحتراس من كل صداقة؛

فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياسا في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها،

ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعة خلق، وسماحة نفس.

هل الصداقة اختيارية؟

الواقع أن الاختيار يرجع إلى فتح الصدر لها، وربط القلب عليها، والسير في الأقوال والأفعال على مقتضى عاطفتها؛

فإذا حمدت الرجل على صداقته فإنما تحمده على أن أقرها في صدره مغتبطا بها، ثم جرى على ما تستدعيه من نحو المواصلة والمؤانسة.

ويزعم بعض الأدباء أن الصداقة الخالصة من كل شائبة مفقودة، ومن هؤلاء من ينفيها من الدنيا بإطلاق،

ومنهم من يشكو أهل زمانه، ويخبر بأنه لم يجد من بينهم من يصطفيه للصداقة.
الصديق المخلص عزيز

إن كان أصدقاء المنفعة كثيرا فإن الذي يحبك لفضلك، وتحبه لفضله حبا يبقى ما – بقيت الفضيلة – عزيز المنال.

وهذا الصديق هو الذي حثك الشاعر على التمسك به فقال:

وإذا صفا لك من زمانك واحد *** فاشدد عليه وعش بذاك الواحد

وكلما قضى الإنسان مرحلة من عمره في الاعتبار والتجارب ازداد علما بأن أصدقاء الفضيلة لا تسمح بهم الأيام إلا قليلا.

وإذا بدا لك أن أصدقاءك في وقت الشباب أكثر من أصدقائك وأنت شيخ؛ فإن الشاب مقبل على الحياة في شيء كبير من النشاط والارتياح؛

فيكون أسرع إلى اتخاذ الأصدقاء من الشيخ الذي ترك طول السنين في عظامه فتورا، وأبقت الحوادث في صدره ضيقا.

وإن شئت فقل: إن الشباب لم يزل على الفطرة، فيقيم صداقته على الظواهر،

ولا يبالغ في نقد الناس مبالغة الشيخ الذي يحمله طول التجارب على أن يتريث في اختيار الأصدقاء.

ويضاف إلى هذا أن الشيخ لا يبلغ السن الذي يبلغه حتى يأخذ الموت من أصدقائه فوجا أو أفواجا.

الإغماض عن عثرات الأصدقاء

يرى الباحثون في طبائع البشر أن ليس فيهم من يتخذ صديقا، ويرجى منه أن يسير على ما يرضي صديقه في كل حال،

ودلتهم التجارب على أن الصديق – وإن بلغت صداقته المنتهى – قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة؛

فلو أخذت تهجر من إخوانك كل من صدرت منه هفوة لم تلبث أن تفقدهم جميعا، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديق غير نفسك التي بين جنبيك.

معاملة الأصدقاء بالمثل

يذهب بعض الناس إلى أن يسيروا مع الأصدقاء على مثل سيرتهم معهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع،

وأشار إلى هذا المذهب أبوالقاسم الحريري في مقاماته، بمثل قوله: «بل نتوازن بالمقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال».

والقول الفصل في هذا أن ما يصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو خطأ في اجتهاد الرأي- فذلك موضع الصفح والتجاوز،

ولا ينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.

أما إن كان عن زهد في الصحبة، وانصراف عن الصداقة، فلك أن تزهد في صحبته، وتقطع النظر عن صداقته.

والتفريط في جانب الصديق ليس بالأمر الذي يستهان به؛ فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بينة واضحة.

عتاب الأصدقاء

لا يخلو الرجل – وهو معرض للغفلة والضرورة والخطأ في الرأي – أن يخل بشيء من واجبات الصداقة؛

فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك أقمت له من نفسك عذرا، وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه الصداقة.

فإن حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئا عن التهاون بحق الصداقة، فهذا موضع العتاب؛ فالعتاب يستدعي جوابا،

فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير، فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر، وسماحة نفس.

قال أحد الأدباء:

أزور محمدا وإذا التقينا *** تكلمت الضمائر في الصدور

فأرجع لم ألمه ولم يلمني *** وقد رضي الضمير عن الضمير

فإن أكثر صاحبك من الإجحاف بحق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف الكثير عذرا يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته فذلك موضع قول الشاعر:

أقلل عتاب من استربت بوده *** ليست تنال مودة بعتاب

كتم السر عن الأصدقاء

من المعروف أن الإنسان لا يكتم عن أصدقائه سرا يخشى من إفشائه ضررا، وقد يجد الرجل في نفسه شيئا متى شعر بأن صديقه قد كتم عنه بعض ما يعلم من الشؤون.

ومن الأدباء من ذهب في النصح بكتم السر الذي يخشى من إذاعته ضرر إلى حد أن نصح بكتمه حتى عن الأصدقاء.

ووجه هذا الرأي إنما هو الخوف من أن يكون لصديقك صديق لا يكتم عنه حديثا، وإذا انتقل السر إلى صديق لم يؤمن عليه أن يصبح خبرا مذاعا.

والقول الفصل في هذا أن الأمر يرجع إلى قوة ثقتك بصديق الفضيلة، وذكائه، وفهمه قصدك لأن يكون هذا السر في صدره، لا يتجاوزه إلى غيره؛

فإن كان صديقك على هذا المثال فأطلعه على ما في نفسك؛ فإنما أنت وهو روح واحدة، ولكنها في بدنين.

أثر البعد في الصداقة

شأن الصداقة أن تنعقد بين شخصين يقيمان في موطن، وتبقى حافظة المظاهر مادام الصديقان يتمتعان بأنس القرب والتزاور،

فإن فرقت الأيام بين داريهما، وبدلتهما بالقرب بعدا، وبالأنس شوقا بقيت الصداقة في قوتها، وإنما يكون للبعد أثر في مظاهرها.

الصداقة صلة بين الشعوب

لا غنى للشعوب أن ترتبط بصلات تجعلها كأمة واحدة، تسير إلى غاية واحدة، وهذه الرابطة تتحقق بالصداقات التي تستوثق بين علمائها وزعمائها الناصحين.

فالصداقة التي تنتظم بين طائفة من علماء الصين وطائفة من علماء المغرب الأقصى مثلا؛ تجعل القطرين في اتحاد أدبي، وللاتحاد الأدبي غايات سامية لا يستهان بها.

وإذا دلنا التاريخ أو المشاهدة على صداقة كانت بين علماء متباعدي الأقطار،

ولم تعد على تلك الأقطار بفائدة؛ فإن هذا الزمن يدعونا إلى أن نعمل على تقوية روابط الصداقة بين علماء الشرق والغرب،

ونوجه جانبا من هذه الصداقات إلى خدمة المصالح العامة، والتعاون على أسباب السعادة المشتركة في الحياة.

هامش

انظر المقال كاملا في الجزء الرابع (ص119-133) من «موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين»

شيخ الجامع الأزهر وعلامة بلاد المغرب،

المتوفى سنة (1377هـ). والموسوعة من إصدارات مجلة «الوعي الإسلامي»، وتقع في (15) مجلدا.

#المقالات_المختارة

#مقالات_في_المشاعر_والعواطف_الإنسانية

#محمد_الخضر_حسين

المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

 

كن صاحب أول تعليق على "الصداقة للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين"

تعليقك يثري الموضوع