اعرابي في السينما للشيخ علي الطنطاوي

اعرابي في السينما

اعرابي في السينما للشيخ علي الطنطاوي : قدمت الشام , قدمة أخرى , فكان أول ما صنعت أن قصدت صاحبي , وكنت قد عرفت داره في ( الميدان ) .. فأكرمني و أحسن استقبالي , أحسن الله إليه , و ذبح لي خروفاً , و لم يكتفِ بذلك من اكرامي بل أزمع أن يأخذني إلى سِنَمَه

اعرابي في السينما للشيخ علي الطنطاوي

وطالت غيبة ” صْلَبي “, فنسيته و طرحت همه من عاتقي ,

و عدت أدور مع الحياة كما تدور الساقية , مغمض العينين ,

أطوف في مفحص قطاة , فلا غاية أبلغ و لا راحة أجد ,

أغدو إلى كد العقل و عذاب النفْس , و جفاف الريق و انقطاع النفَس ,

و أروح و ما بقي فيّ بقية لعمل , و لا طاقة على كتابة ,

فألقي بنفسي على كرسيٍ أو سرير , أنتظر عذاب اليوم الجديد .

و إني لغادٍ إلى المدرسة ذات يوم , و إذا أنا بأعرابي في شملته يشير إليّ …

و هو يسير بين تلك المواخيز – تريانون , و ليدو , و لُوزايس – حائراً يتلفت ,

فقلت : لعله ضال أحب أن يستهديني و وقفت له فلما دنا و تبينته , لم أملك من الفرح فمي …

فصحت في السوق وسط الناس , و ما لي لا أصيح و قد وجدت ” صلَبي ” بعد طول الغياب …

و حييته و حياني تحية ذاكر للصحبة , حافظ للود , و طفق يحدثني حديثه .

قال : أتذكر يا شيخ ما بتلاني به الله من أمر الحمام ؟ لقد وقعت في داهيةٍ أدهى …

و لقد والله كرهت الحضر , و عفت المدن , و أصبحت أخشى فيها على نفسي ,

فما أدري ماذا سيكون من أمري بعد الذي كان ؟

…. قدمت الشام , قدمة أخرى , فكان أول ما صنعت أن قصدت صاحبي , وكنت قد عرفت داره في ( الميدان ) ..

فأكرمني و أحسن استقبالي , أحسن الله إليه , و ذبح لي خروفاً , و لم يكتفِ بذلك من اكرامي بل أزمع أن يأخذني إلى سِنَمَه ..

قلت : و لكني لا أعرف سِنمه هذا ؟ , و لا أدري من هو ؟ فكيف تأخذني إليه ؟

قال : لا بد من ذلك ,فاستحييت منه و كرهت أن أخالفه بعد الذي صنع في إكرامي …

و قلت في نفسي , لولا أن سنمة هذا صديق له عزيز عليه , ما سار بي إليه

ولقد قال المشايخ من قبيلتنا : صديق صديقك , صديقك …

فرضيت و قلت له : على اسم الله .!

و لكن الرجل لم يُسر بل أدركه لؤم الحضر فصاح بابنه أن هات الجرائد حتى نرى الرواية ,

فتوجسّت خيفة الشر , و قلت : إن الرجل قد جُنّ , و إلا فما بال الجرائد ؟

و هل تراه يضربني بها ؟ إذن و الله لأريّنه عزّ الرجال و لأضربنه ضرباً يبلغ مستقر اللؤم في نفسه …

و خشيت أن أتريّث أو أتلوم فأخيب و أفشل و ذكرت حكمة حَمَدْ بن علْوي : ” الغلبة لمن يبدأ ”

فشد ذلك من عزمي و صرخت ” يا هُو … ”

و وثبت وثبة أطبقت بها على عنقه , و قلت : سترى لمن الجرائد و السياط , ألابن المدينة الخوار الفرار , أم لابن البر الحر ؟

فأرتاع و أبيك و جعل يصيح من جبنه : أدركوني , أنقذوني ! النجدة , العون ,

يا فلان ( لابنه ) أقبل … و يلك يا صْلَبي … يا مجنون , كف عني , ويلك ماذا اعتراك ؟

فأخذتني به رأفة فكففت عنه , و قعدت محاذراً أرقب أهل المنزل , وقد اجتمعوا ينظرون إليّ بعيون من يهم بفرْي جلدي ,

فقال : ما أردت بهذا ويلك ؟ و بم أسأت إليك حتى استحققت منك هذا الصنيع ؟

قلت : بالجرائد … أمثلي يضرب بالجرائد لا أمّ لك ؟ .

فضحك و جعل يكركر حتى لقد شبهت بطنه بقربة جوفاء أدخلتها الماء ,

و ضحك كل من كان حاضراً من أهله و بنيه ضحكاً ما شككت معه أن القوم قد أصابهم طائف من الجن ,

فقلت : قبحكم الله من قوم , و قبحني إذ أنزل بمثلكم و هممت بالانصراف .

فصاح بي و عزم عليّ إلا ما رجعت فبررت بيمينه و قفلت راجعاً

فقال لي :

و أنت حسبت الجرائد مما يضرب به ؟ ألم تبصر جريدة قط ؟

قلت : و يحك فكيف إذن ؟ أنا من بلاد النخيل , تبوك حاضرتي .

قال : و تحسبها جرائد نخيل ؟ قلت : إذن فجرائد ماذا ؟ قال : خذ هذه هي الجرائد .

و ألقى إليّ صحفاً سوداء بها من دقيق الكلم مثل دبيب النمل ,

فعجبت منها و سألته أن يقرأ عليّ ما فيها فأستفيد علماً ينفعني في أخرتي ,

فإن الرجل لا يزال عالماً ما طلب العلم . فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ,

و لقد سمعت أنه جاء في الأثر ” كن عالماً , أو متعلماً , أو مستمعاً , و لا تكن الرابعة فتهلك ” .

فضحك و قال : هل تظنها كتب علم ؟

قلت : فماذا بها فيها مما ينفع الناس ؟

قال : فيها أخبار البشر , من سافر منهم أو حضر , أو تزوج أو ولد له ولد ,

فما يصنع أحد من شيء إلا دون فيها , و لا ينبغ من عالم أو أديب أو يقدم مغن أو تجي قينة أو تأمر الحكومة أو تنهى إلا ذكر ذلك فيها ,

حتى إن فيها صفة الخمر و الإعلان عن الميسر , و أخبار دور الدعارة , و الدعوة إلى الروايات الخليعة …

فلما سمعت ذلك طار عقلي و أخذت هذه الجرائد و مزقتها شر ممزق ,

وعلمت أن الله مهلك هذه القرية , و عزمت على مفارقتها و نويت ألا أعود إليها بعد الذي سمعت من خبر جرائدها …

و ما ظننت أن مثل ذلك يكون , ولم يجتزيء صاحبي بما أعلمني من علمها حتى وصف لي أخرى تكون في أيدي الصبيان و البنات فيها صور قوم عراة تبدو عوراتهم ,

و نساء ما يسترهن من شيء إلا شيء ليس بساتر ,

قلت : فهل يرضى الحضري بها ؟

قال : نعم … فسقط و الله من عيني و قلت , هذا القرنان الذي لا تأخذه على أهله غيرة ,

و ما كنت أحسب أن رجلاً يؤمن بالله و اليوم الأخر يفعل ذلك .

و لست مطيلاً عليك الحديث …

… و ذهبنا نزور سنمة فسرنا حتى بلغنا قصراً عظيماً على بابه كثير , و له دهليز تسطع فيه الأضواء ,

فقلت , هذا قصر أمير البلد , هذا الذي يدعونه رئيس الجماهير …

و ألهاني ما رأيت و شغلني ففقدت صاحبي وسط الزحمة …

و لكني لم أُبالِ , و أقبت أصعد الدرج فمنعني أغلمة بثياب ضيقة حمر ما رأيت مثلها ,

وعلى رؤوسهم كُمَمٌ لها رواق من فوق عيونهم كالذي يوضع على عينيّ بغلة العجلة …

و أفخاذهم مكشوفة فعل أهل الفسوق و التهتك ,

فهممت أن آخذ ثلاثة منهم فأكركبهم على الدرج فأزحلق مِعدهم عن مواضعها ,

ثم قلت : ترفق يا صلبي لا تُجن فما أنت في البادية , أنت في قصر الأمير و هؤلاء مماليكه

و إنك إن مسستهم لم تجد أمامك إلا ضرب العنق …

و و ضعت يدي على عنقي أتحسسها فعلمت أني لا أزال أحتاجها .

و لو أنني في السوق أبتاع مثلها *** وجدك ما باليت أن أتقدما .

و سألت الغلمان الكاشفي ماذا يريدون مني أن أصنع ,

فأشاروا إلى كوة ازدحم عليها الناس فعلمت أن الدخول من هناك , فأقبلت أزاحم و أدافع و هم يردونني حتى بلغت الكوة ,

فإذا هي غرفة ضيقة كأنها القفص و إذا فيها رجل محبوس و الناس يتصدقون عليه ,

فقلت في نفسي , هذا رجل ضرب مماليك الأمير فحبسه هنا لتضرب عنقه في غداة الغد ,

و حمدت الله على السلامة , و توجهت بوجهي إلى رجل توسمته أسأله : متى تضرب عنق السجين ؟

فنظر إلي و لم يجب , ثم ولاني قفاه و انصرف , فعلمت أن الأمير يمنع الناس من الكلام في هذا , و لولا ذلك لأجابني .

ودنوت من كوّة السجن فأعطيته قروشاً كانت معي وقلت له: هذه لأولادك من بعدك، لهم الله فلا تحزن،

فلم يقبضها حتى عدّها فرآها كثيرة فردّ إليّ بعضها وقبل بعضاً، فلم أحلف عليه وأخذتها منه وأخذت معها ورقة صفراء أعطانيها لم أدر ماهي،

ولكنني لم أشأ كسر قلبه بردّها، ووضعت ذلك كلّه في كمي وعدت إلى الكوّة لأدخل منها فوجدتها عالية،

فوثبت فأصبت بقدمي وجه رجل ممّن كان هناك، فما باليته وقلت سأعتذر إليه،

وقد رأيت أهل المدن يؤذون إيذاء العدوّ، ثمّ يعتذرون اعتذار الصديق.

 وأدخلت رأسي في الكوّة، فصاح السجين صياحاً أرعبني والله، شبّهته بصراخ كلب ديس على ذنبه،

وأجلب الناسُ، وطفقوا يشدّون برجلي وثيابي، وأنا أرفس بقدمي رفساً لا أبالي موقعه من أجساد النّاس،

والسجين اللئيم الذي أحسنت إليه يدفع برأسي ويشدّ بشعري،

ولم يكن عضو من أعضائي إلا وهو مشغول،

فيداي أتمسك بهما، ورجلاي أذود بهما عن نفسي، ولم أجد ما أدفع به أذاه عني إلاّ أن بصقت في وجهه،

فأقبل يضربني فعضضت يده، ثمّ دنوت من وجهه فعضضت أنفه.. وكان أنفاً ذليلاً لا يزال خبث طعمه على لساني.

ثمّ أخرجوني قسراً وجبراً، وجاء مماليك السلطان فحجزوا بيني وبينهم،

وأخذوا الورقة الصفراء، وأدخلوني من باب كان هناك إلى بهو واسع صحّ معه ما كنت قدرت من أن سنمة هذا سلطان البلد..

ورأيت النّاس قد صفّوا كراسيهم كصفّ الصلاة، وإذا بعضهم يولي بعضاً دبره،

فقلت: ما ألأمَ أهل المدن، والله ما كنت مولياً مسلماً ظهري إلا في الصلاة،

وعمدت إلى الكرسي لأديره فإذا هو مثبت بمسامير من حديد، فتركته واستدرت أنا،

فجلست على قفاه، وجعلوا يضحكون مني، فما ألقي لهم بالاً،

حتى جاءت امرأة، فجلست قبالتي، فقلت: يا أمة الله استتري. فأقبلوا يزبرونني، وإذا هي ـ فيما قالوا ـ شاب وليس امرأة، فجعلت أعجب.

ولبثت أنتظر خروج السلطان فإذا بالمماليك يديرونني فيجلسونني من حيث يجلس النّاس، فلم أملك إلا الطاعة،

وقعدت أنتظر فلم أنشب أن جاء مملوك آخر، فقدّم إليّ صفحة من خشب قد صفّ عليها فراني وشطائر وقال: تريد؟

قلت: أريد والله.. وهل يأبى الكرامة إلا اللئيم؟

وأقبلت آكل فأجد طعاماً هشّاً تحت الأسنان، حلواً في الحلق، خفيفاً على البطن،

فقلت: هذه هي البقلاوة التي وصفوها لنا، وجعلت آكل فلا أشبع،

وهو يقدم إلي متعجباً حتى استنفدت ما كان معه، فمسحت شفتي بيدي وقلت: الحمد لله، جزاك الله خيراً.

فظلّ واقفاً ولم يمض، فقلت: الحمد لله، لقد شبعت. قال: يَدك على الفلوس؟

قلت: ويحك ماذا تريد؟ قال: أكلت ثلاثين قطعة كلّ قطعت منها بسبعة قروش فهذه مئتان وعشرة..

قلت: قبحك الله من عبد لئيم! تأخذ من ضيوف السلطان ثمن القِرى؟

وكان ما أكلت قد شدّ ظهري فوثبت إليه ووثب إليّ، وقام النّاس، وزلزل البهو بأهله،

وكادوا والله يطردونني لولا أن ظهر صاحبي فانفرد بالمملوك فأرضاه عني، وجاء فقعد معي.

وإنا لكذلك ياشيخ، وإذا بالأنوار تنطفئ، وإذا بالخيل تهجم علينا مسرعة حتى كادت والله تخالطنا.

فقلت: لك الويل ياصْلَبى، ثكلتك أمّك، إنَّه الغزو فما قعودك؟

وقفزت قفزاتي في البادية، وصرخت وهجمت أدوس على أجساد النَّاس وهم يضجُّون ويصخبون،

فلما كدت أبلغ الخيل اشتعلت الأنوار وفرّ العدو من خوف بطشي هارباً،

وجاء عبيد السلطان ليخرجوني فردّهم عني صاحبي وكلّمهم.

فقلت: هذا والله العجز والذل، فقبّح الله من يقيم عليهما.

ترون العدوّ قد خالطكم وتلبثون قعوداً؟

ما أكرهكم إليّ يا أهل المدن، ما ظننت والله إلا أنّكم ستحملون إليّ صلة السلطان على أن رددت عدوّكم وهزمته..

فضحك اللئام، وجعل صاحبي يحذِّرني العودة إلى مثلها؛

ولم ألبث حتى أطفئت الأنوار كرّة أخرى، ففزعت ونظرت فما أحسست إلا امرأة قد قبض عليها رجل خبيث يحاول أن ينال منها على مرأى منا ومسمع؛

وهي تستغيث وأنا أسمع صياحها ولا من مغيث؛

فثارت الحمية في رأسي وسللت الخنجر وأقبلت أريده، فاختفي والله كأن لم يكن هنالك من أحد.

وعادت الأضواء، ورجع الصخب؛ فقلت: والله ما أقيم، وجعلت أصيح: أخرجوني.. ويلكم.. أخرجوني..

قال صْلَبى: فخرجت وقد علمت أنّ جرائدكم يا أهل المدن تنشر الفجور وتهتك ستر الله عن النّاس وتفضحهم،

وأنَّ شبابكم بنات، وأنّ أمراءكم سحرة يسحرون أعين النّاس حتى يروهم ما لايُرى..

ثمّ إنّكم لا تغارون على أعراضكم ولا تبالون كشف عورات أبنائكم وبناتكم.. لا والله ما أحبكم..

وذهب مولياً عني مسرعاً يمشي بين تلك المواخير القذرة: تريانون وليدو وأولميبيا.. تلقاء سوق الحميدية والأموي حيث المدن الطاهرة الفاضلة..

حيث دمشق التي سمّاها شوقي “ظئر الإسلام”!

اعرابي في السينما للشيخ #علي_الطنطاوي

نشرت عام 1940 م

من كتاب : صور وخواطر

مقالات الشيخ علي الطنطاوي

كن صاحب أول تعليق على "اعرابي في السينما للشيخ علي الطنطاوي"

تعليقك يثري الموضوع