أصداء ملحمة البوسنة في الشعر المعاصر (1)

أصداء ملحمة البوسنة في الشعر المعاصر (1) مقال للكاتب د. حسن فتح الباب حسن رحمه الله، نشر في مجلة الفيصل عام 1995 ، وقد قرأت جزءاً منه في مكتب عام، ثم فقدت المقال، وتطلب الأمر عدة سنوات حتى عثرت عليه في أرشيف مجلة الفيصل

أصداء ملحمة البوسنة في الشعر المعاصر (1)

بقلم د. حسن فتح الباب حسن

د. حسن فتح الباب

من ألمع الايام والاعوام التي تحتفظ بها ذاكرة التاريخ، تلك التي يهب فيه العديد من أصحاب الضمائر الحية المدافعين عن الحق لنصرة شعب يخوض معركة مصيره ضد غاصبي قوته، أو منتهكي حريته وكرامته وسيادته على أرضه أو المعتدين على حقه في حرية العقيدة.

حينئذ تشفى صدور الجرحى من آلامهم، ويشمتد بأس المظلومين والمناضلين، ويستجمع المترددون عزائمهم مسارعين إلى الالتحام بالركب الصاعد الذي تخلفوا عنه.

وهنالك يقوم التاريخ مسيرته بعد أن تفرقت به السبل حينا، وغامت في عينه ه الرؤية، واختلطت الحقيقة بالوهم وما ينفع الناس بالزيد الرغاء، ويستمر بعدها زحفه إلى الأمام عبر طريق طويل من الآلام يتحقق في نهايته دعوة الأنبياء والمرسلين إلى العدل، وحلم الفلاسفة والشعراء بوحدة الناس كافة، وتصدق بفعل انتفاضة الشعوب المظلومة وانتصار الأحرار لها حكمة الإسلام القائلة: دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة.

وها هم هؤلاء الأحرار يتوحدون في صيحة واحدة دفاعا عن شعب البوسنة والهرسك الصغير المسلم، وهو يقبض على عقيدته وتراب وطنه مثلما يقبض على الجمر، ولكنه لا يتخلى عنهما، فترتد مقاومته اسهاما في قلوب العتاة والمجرمين القتلة، ويستعصي إكراههم على الاستسلام، لأنهم يدركون أن الإسلام دين القوة، وأن المسلم القوي خير وأحب إلى الله من المسلم الضعيف كما ورد في الحديث النبوي الشريف، فيبذلون أرواحهم ليردوا كيد الطغاة الانمين.

ملحمة البوسنة تفجر الإبداع

وقد وقف الشعراء العرب في مقدمة أنصار شعب البوسنة، فكان صوتهم سلاحا معنويا يؤازره، لأنهم يمثلون ضمير أمتهم الإسلامية وقدرتها على نصرة الحق مهما اشتد الطغيان واستبد، وعلا صنائع الشيطان في الأرض علوا كبيرا.

فالشعراء يملكون قوة الكلمة والفكرة التي تستطيع مقاومة الأسلحة المادية، وحفز المناضلين على الاستمرار في التضحية في سبيل أقدس قضية وهي الحرية والعدل تحت ظلال الحق.

ولقد فجرت ينابيع الإلهام في نفوس هؤلاء الشعراء تلك الملحمة التاريخية التي خاضها، ومازال يخوضها، جيش جمهورية البوسنة والهرسك وقيادته السياسية مستبسلين في مواجهة عدوان غادر مجرد من أي حس إنساني يشنه مسرب عنصريون تسيطر عليهم أحاط الغرائز التي يعرف عنها الوحش، وتقوده أشد النزاعات التدميرية دناءة.

وبرغم المذابح البشعة. التي تستهدف إبادة الشعب البوسني أو اقتلاعه من الأرض التي تغلغلت فيها جذوره منذ مئات السنين، والحصار الطويل منذ عامين لمدينة سراييفو العاصمة وغيرها من المدن التي يعيش فيها مئات الالاف من البشر،

فإن كل أشكال العنف الدموي المسلطة عليهم عجزت أن تقتلع من صدورهم الامل في بقاء الوطن، واستعادة السلام، وتوفير كرامة الإنسان، واسترداد الأرض المغتصبة.

وما يزال الصرب عاجزين عن إطفاء شعلة هذا الأمل، لأنه ملء صدور يردد أصحابها الآية الكريمة، وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (يوسف:87)، وقوله تعالى يحث المؤمنين على الصبر ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون» (آل عمران: ١٣٩).

بهذه المعاني، ومن -ي تلك المثل والقيم الإسلامية، شدا شعراء من مختلف البلدان العربية، وانعكس في مراياهم الشعرية تجاوبهم مع المجاهدين البوسنيين،

وحزنهم لما حاق بالأطفال الأبرياء والنساء والشيوخ الضعفاء المسالمين من آلام يعجز عنها الحصر والوصف، وتصويرهم مشاعر الأمة الإسلامية التي هزتها الكارثة،

وأحاسيس ذوي الضمائر النقية في هذا العالم المنكوب بأعداء الحرية والعدل والسلام، الذي تكيل فيه الدول الكبرى بمكيالين لتحقيق مصالحها وأطماعها، فتناصر الظالم الجاني بدلا من ردعه والضرب على يده،

وتهمل شأن المظلوم ذي الحق بدلا من أن تؤازره وتكف عنه العدوان.

ويضاعف من إثمها أنها تزعم أنها راعية حقوق الإنسان، وأنه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية التي كانت تدور في فلكه، وانتهاء عصر الحرب الباردة بين المعسكرين،

قد بزغت شمس عصر آخر أطلقوا عليه اسم النظام العالمي الجديد الذي يقوم على الشرعية الدولية وإقرار حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومنع الحروب، ونبذ العنصرية وسائر أشكال التعصب،

والوقوف تحت راية المنظمة الدولية في وجه المعتدين على السلم والأمن، وتطبيق ميثاق هذه المنظمة.

شعر الفروسية والفداء عبر العصور الإسلامية

وتعد القصائد التي صاغها الشعراء العرب من وحي البوسنة امتداد الشعر المقاومة والبطولة والاستشهاد منذ غزوة بدر التي صور وقائعها الشاعر الصحابي المحضرم حسان بن ثابت والشاعر الصحابي كعب بن زهير الذي خلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردته استحسانا لشعره وتكريما له لدفاعه عن الإسلام،

وإدانته للمشاركين بعد أن أنشد بين يديه قصيدته اللامية المشهورة.

ومن أبرز قصائده تلك التي نظمها في غزوة بدر على قافية الراء.

ومن شعراء النبي الذين دافعوا عن الدعوة أيضا كعب ين مالك، وقد صور في إحدى قصائده وقائع غزوة بدرايضا.

ويزخر تاريخ الشعر الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين بالقصائد التي تمجد البطولة والاستشهاد في سبيل الحق والحرية وسائر القيم الإسلامية.

ومن أشهر شعراء الحماسة الشاعر الفارس قطري بن الفجاءة الذي جمع بين عبقرية الخطابة والنبوغ في الشعر، والشاعر أبوالحسن الأنباري الذي لم يرو عنه إلا قصيدة واحدة تعد من عيون الشعر العربي، وقد نظمها في رثاء حفيد من أحفاد الإمام الحسين رضي الله عنه قتله بنو أمية وصلبوه.

وبلغ من نجاح الشاعر في تصوير عظمة الاستشهاد أن قال بعض الرواة إن الحاكم الأموي القاتل وهُ- بعد أن بلغته القصيدة وقرأها. لو أنه كان هو القتيل ورثي بها.

واستمرينبوع شعر الفروسية والبطولة متدفقا في عصر العياسيين، شحذا للهمم واستنفارا للجهاد وخوض غمرات القتال، ولا سيما في ظل الفتوح الإسلامية التي اتسع نطاقها لتقويض أركان الامبراطوريتين الفارسية والرومية اللتين كانتا تقفان بجيوشهما الجرارة في وجه الدعوة إلى دين الله الحق.

فواكب الشاعر معارك الفتح والفداء، إذ كان الشعراء أنفسهم فرسانا أو حاملين لروح الفروسية، متشيعين بمبادى الإسلام ومثله العليا التي تحض على القتال في سبيل الله.

وقد بلغ شعر الحماسة في هذا العصر ذروته على يد الشعراء الكبار. وتحفظ لنا صحائف التاريح قصيدة أبي تمام التصويرية الرائعة التي نظمها في مدح الخليفة المعتصم بعد انتصاره على الروم في موقعة عمورية التاريخية، والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

ومازالت -. القصيدة تبهرنا بتعبيرها القوي عن تلك المعركة التي كانت نقطة تحول في التاريخ، إذ أقل بعدها نجم العسكرية البيزنطية ودولتها الباغية، وانفسح الافق لراية الإسلام خفاقة على العالمين. وازدهر شعر المقاومة والبطولة في العصر العباسي الثاني ولاسيما في قصائد المتنبي بفضل موهبته الفنية وقوة انفعاله بالأحداث الحربية والمواقف التي عاصرها واشترك في بعضها، إذ كان فارسا مقداما.

ومازالت تهز قلوبنا قصائده التي استوحاها من حروب سيف الدولة الحمداني أمير حلب ضد الروم على حدود الدولة الإسلامية، إذ تمجد الفروسية التي تسترخص الحياة وتستعذب لقاء الموت دفاعا عن الحرية والكرامة وإيثارا للعزة والمجد، وتلك هي أهم شمائل الفروسية العربية.

فإذا انتقلنا من المشرق العربي إلى المغرب واطلعنا على إنتاج شعراء الأندلس ألفيناهم يحذون حذو المشارقة في نظم القصائد التي تتناول شتى أغراض الشعر، ومنها الحماسة.

ومن هذه القصائد ما يدور حول وصف المعارك الحرية ومدح الملوك والسلاطين والأمراء الاندلسيين الذين خاضوا تلك المعارك ضد الغال الذين انتزع منهم العرب جزء من أراضيهم وأقاموا عليها دولتهم الإسلامية، وظل ملوك الغال يشنون الغارات بين حين وآخر على تلك الدولة.

ومن ثم انعكس هذا الصراع على بعض الشعراء، وعلى رأسهم ابن هانى الاندلسي الذي تفوق بإيداعه على كل أدباء المغرب والأندلس.

ويضم ديوانه قصيدته التي مدح بها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله – وكان ابن هانى قد لحق به في المغرب ، وتتضمن وصفا للأسطول العربي الإسلامي.

وكان يومئذ أقوى أسطول في البحر الابيض المتوسط، وهي من شعر الحماسة إذ يتغنى فيها الشاعر بمناقب الفروسية التي يضفيها على ممدوحه، وتمجيد الجهاد في سبيل الذود عن حياض الإسلام، كما يصور ما أصاب الروم من روع لدى مشاهدتهم السفن الحربية الإسلامية.

تصوير ملاحم البطولة والجهاد في الشعر الحديث

لا جرم أن يوصف محمود سامي البارودي رائد مدرسة الإحياء الشعري بأنه شاعر السيف والقلم.

فلقد خاض غمار الحروب التي اشتبكت فيها الدولة العثمانية مع أعدائها في اليونان والبلقان.

كما كان من زعماء الثورة العرابية التي شقت عصا الطاعة على الخديوي الخائن الموالي للمستعمر الإنجليزي، دفاعا عن الحقوق الدستورية للشعب المصري، وإيمانا بالمبدأ الإسلامي (لا طاعة مخلوق في معصية الخالق).

وقد دفع هذا المقاتل الحر ثمن موقفه الشجاع غاليا، إذ نفي مع سائر زعماء الثورة بعد فشلها إلى جزيرة سرنديب (سيلان)، وبقي شعره مرأة لصورة البطل والبطولة، مما استحق به أن يعد من كبار شعراء الحماسة في ديوان الشعر العربي.

والأمير الشعراء أحمد شوقي نصيب من شعر الحماسة يتجلى فيما نظمه من قصائد في وصف الحرب، ومنها القصيدة التي نشرت في ديوان الشوقيات بعنوان (صدى الحرب في وصف الوقائع العثمانية اليونانية)، وهي قصيدة بالغة الطول يقلد فيها شوقي الشعراء الاقدمين وإن تخللتها سمة ملحمية.

وقد نظمها تمجيدا للخليفة العثماني السلطان عبدالحميد، ووظف فيها أسماء ورموزا تاريخية لشخصيات من القادة العرب.

ولشوقي قصائد أخرى في التغني بالبطولات الإسلامية والمجد العربي المؤثل قبل أن يسدل عليه الستار، ويدخل بعضها في عداد مرئيات المدن،مثل تلك التي يرثي فيها (مقدونية) وقد تكاثرت على الدولة العثمانية دول البلقان تؤازرها الدول الأوروبية الكبرى حتى نزعتها منها بعد ولاء الترك في الدفاع عنها، وذلك سنة ١٩١٢م،

وقد شهد ضياع مقدونية ضياع الأندلس، على أن رائعة شوقي التي تكفل وحدها أحقيته في شغل موقع من قافلة شعراء المقاومة هي قصيدته المشهورة (دمشق) التي استوحاها من الاصوات الغاضبة في جميع البلدان العربية بسبب العدوان الفرنسي الاستعماري على العاصمة السورية على إثر تجدد الثورة العربية في سورية سنة 1925م ضد الانتداب الفرنسي.

ولما كان أمير الشعراء شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم فرسي رهان في مضمار الشاعر، فلا غرو أن يحفل ديوان حافظ بكثير من القصائد التي يتغنى فيها بالحرية والمقاومة، وقد كان في طليعة شعراء مصر الناطقين بلسان ثورة سنة 1919م بقيادة الزعيم سعد زغلول.

كان البارودي المثل الأعلى لشاعر النيل في الفروسية والإبداع الشعري، ومن ثم نظم قصيدة طويلة على نمط الارجوزة بعنوان (دولة السيف والمدفع) ضمنها صورالمناقب البطولة العسكرية.

وله قصائد متعددة في الحث على التضحية في سبيل الوطن، وفي تمجيد الضحايا المناضلين.

ومن الاثار الشعرية ذات القيمة الادبية والتاريخية (الإلياذة الإسلامية) التي كتبها الشاعر أحمد محرم مصورا فيها وقائع الجهاد الإسلامي عبر عصورالمجد والازدهار التي سادت فيها الحضارة الإسلامية العالم، وانتشرت أعلامها فوق ربوع أرجاء المعمورة، وضرب فرسانها المثل الاعلى في الدفاع عن العقيدة والاستشهاد في سبيل الله.

وإذا تصفحنا ديوان الشعر العربي الحديث بعد مدرسة الإحياء ألفيناه زاخرا بالقصائد التي تحض على الجهاد، مثل قصيدة شاعر الجندول.

إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر

من وحي بطولة شعب البوسنة

لم يكن مستغربا أن تطالعنا الصحف والمجالات والإذاعات والكتب في مختلف الأوطان العربية والإسلامية بفيض من القصائد التي انثالت متدفقة ومتوهجة من قلوب الشعراء وعلى ألسنتهم، مستوحية مأساة شعب البوسنة والهرسك وملحمة كفاحه النبيل في سبيل صد الهجمات الهمجية التي شنها عليه البرابرة الصرب ومن يقف وراءهم.

فالشعراء هم ضمير الشعب وصوت الحق ومصابيح الوجدان التي تضيء درب الوعي، وترهف المشاعر الإنسانية لحفر الأفدة على التآلف والتراحم والدفاع عن المقدسات، وهم يقصائدهم التي تنبع من معين الحكمة والجمال يحملون المشعل الذي يكشف الظلمات الكامنة في بعض النفوس، ويزيد الإنسان قدرة على الإيمان بالحق والخير والسلام، ويحفزه على درء الشر واعتناق الفضيلة.

ولقد جاء في الأثر: (إن من الشعر الحكمة وان من البيان لسحرا).

وإذا كانت نكبة فلسطين قد روعت الأمة العربية، وأثارت أبناءها جيلا بعد جيل تلك المظالم التي حاقت بالشعب العربي الفلسطيني، فإن مأساة البوسنة – ولا تحل بعد المشكلة الفلسطينية التي تمثل جرحًا داميا في قلب الأمة الإسلامية – قد ضاعفت الالام التي مازالت تزف لكثرة ماسال من دماء المسلمين الأبرياء.

ولكن الشعراء لم يعبروا عن أحزانهم فحسب، ولكنهم صوروا أيضا بطولة جيش البوسنة وصموده في مواجهة عدو عنصري أكثر عددا وعدة، تظاهره دول كبيرة تفتح له مخازن ترساناتها المسلحة وتمده بالعون المادي والسياسي، وهو يرتكب جرائم لا مثيل لبشاعتها في العصر الحديث على مرأى ومسمع من العالم، دون أن تتحرك الضمائر، فترتفع الايدي لردع الجناة، وإعادة الحقوق المغتصبية، ومحاكمة القتلة، والأخذ بيد المظلومين.

الشاعر المغربي حسن الامراني في (ملحمة الإسلام في البوسنة)

د. حسن الأمراني

ومن أصدق وأعمق الأصوات التي استصرخت الضمير الإسلامي خاصة والضمير الإنساني عامة، لإدانة المذابح والعذابات التي سلطتها جموع الصرب على المسلمين الامنين في ديارهم بدولة البوسنة والهرسك، صوت الشاعر المغربي الدكتور حسن الامراني في قصيدته (جسر على نهر درينا- ملحمة الإسلام في البوسنة)،

وهي قصيدة طويلة تتألف من مجموعة من المشاهد الدرامية ذات الطابع المسرحي.

وقد افتتحها بنداء على لسان أطفال سراييفو الذين روعتهم المجازر الصربية:

نحن أطفال سرايفو الشهيده

إن حُرمنا من حنان الأمهات

في الليالي الكادحات

فلأنا مسلمون

ثم يورد الشاعر إشارات مرجعية وإضاءات دالة على الصراع التاريخي الأبدي بين الظلمات والنور يبدؤها بالآية الكريمة: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولو ربنا الله» (الحج:39).

د. حسن الأمراني. صورة نشرت ضمن مقال مجلة الفيصل 1995

ويفصح الدكتور الأمراني عن استعارته عنوان ملحمته أو لوحاته الشعرية من الرواية الشهيرة للكاتب البوسنوي إيفو آندريتش : (جسر على نهر درينا) التي نشرت في اعقاب الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م،

مبينا أنه استوحى قصيدته الدرامية المطولة من نصوص هذه الرواية التي تصور فواجع الحرب،

وكأنه يريد أن يقول إن التاريخ يكرر نفسه ولكن في أشكال جديدة، أما فحواه فهو الصراع بين العدل والجور، وتصوير المآسي والتضحيات.

فرواية أندريتش التي تعد من روائع الأدب العالمي رؤية تاريخية فتية لمسيرة اليوسنة والهرسك بوصفها بلاد العريقة في منطقة البلقان،

وشعبا تكون على مر العصور الحديثة من أكثرية إسلامية وأقلية مسيحية توحدا في نسيج واحد وتضامنا في السمراء والضراء، فسقط الشهداء من الجانبين وهم يكافحون الغزاة النازيين دون أن تفرق الأرض التي سقطوا فداء لها بين دمائهم.

والجسر الذي كان قائما عند ملتقى نهري درينا ورزاف هو المحور الذي تدور حوله الأحداث وتتصارع النقائض والشخصيات،

وقد بناه سنة ١٥٧١م، الوزير العثماني محمد باشا سوكولوفيتش الذي ولد في إحدى قرى البوسنة الواقعة عند ذلك الملتقى، ليكون هذا الجسر رابطا بين إقليمي البوسنة والصرب، وداعيا إلى التعايش السلمي بينهما بدلا من القطيعة وما تجره من ضغائن ومنازعات مسلحة.

الكاتب البوسنوي إيفو آندريتش

واليوم – كما يقول حسن الأمراني – يعود نهر درينا ليشهد مآسي لم يعرف لها العالم نظيرا، حيث يقوم الصرب بتذبيح المسلمين رجالا ونساء وأطفالا، ويلقون بجثثهم إلى النهر،

وحين يمتنع النهر عن التهام الجثث فتظل طافية يقوم الصرب ببقرها لتستقر في أعماقه..

إن أعماق نهر درينا تضم اليوم كثيرا من الشهداء.

ويقتبس الشاعر مقاطع أربعة من رواية جسر على نهر درينا يستعين بها في إلقاء ضوء على لوحاته أو قصائده المسرحية،

إذ يُسقط الماضي – حين عاث الجيش النمسوي الاستعماري القديم فسادا في البوسنة والهرسك وتنكيلا بشعبهما بدعوى تخليصهما من العثمانيين – على الحاضر الذي يقترف فيه الصربيون الطغاة شتى صنوف الموبقات، مرتكبين أبشع جناية غزو في القرن العشرين،

بل في تاريخ البشرية،

فما أشبه الليلة بالبارحة!!.

وتتألف القصيدة التي أبدعها حسن الأمراني من ثلاث عشرة لوحة، منها:

البيان – الجرح الهادر- الصلب – الاغتصاب – الذكرى – الرؤيا – الخرافة – الحقيقة.

وأولى هذه اللوحات بعنوان (ورقة مهملة من سيرة حيران بن الأضعف).

ويفصح هذا العنوان عن فحواها، فهي مرثية لنفس العربية التي جار عليها الأعداء والعاقون من أبنائها، فأصبحت ترتع في مباءات الهوان عبر انتصارات قليلة وانكسارات كثيرة آخرها مأساة البوسنة والهرسك الدامية.

ولكن الشاعر يقدم لهذه المرثية بأغنية حنين شجي إلى عهد الشباب الممراح في زمن الشموخ العربي الإسلامي،

وكيف صحا القلب من أحلام الحب وأشعار الغزل التي لم تدم إلا قليلا على دوي الصراع الذي خاضته الأمة وماتمخض عنه من نكبات،

فخيمت الأحزان في الصدور التي كانت تخفق بالامال الحسان والافراح الموعودة.

وتتداعى الذكريات عن المآسي والبطولات والرموز التي لا تموت، حتى نلتقي مع الشاعر بفتى من فتيان سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك،

فتى ولا كل الرجال الآخرين الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكنهم لا يجسدون قِيَمه، ولا يرفعون رايته لترتفع في الآفاق هداية للبشرية ومجدا لاصحاب الضمائرة الطاهرة والإيمان القوي.

فتى يحمل بين جنبيه قلبًا عامرا بنور الحقيقة، وعلى لسانه آيات قرآنية يتلوها على الملأ ولو كره الكافرون.

فتى في ريعان الشباب ولكنه شيخ بما عرفه واستوعبه من الحكمة.

والصورة التي يقدمها الشاعر تتسم بالجدة، ولم يسبق – فيما نعلم – أن قدمها الشعر الحديث على الرغم مما يحفل به من النماذج الرائعة في هذا المجال،

ذلك أنه لم يتح للكثرة الغالبة من الشعراء المعاصرين أو الذين قبلهم أن يزوروا شعب البوسنة والهرسك، أو يتأملوا تاريخ كفاحهم البطولي للحفاظ على عقيدتهم وأرضهم وثقافتهم وهويتهم،

أو يلتقوا في بلادهم – مثلما أتيح لشاعرنا كما تدلنا قصيدته – بفتى يمثل خصائص ذلك الشعب الاصيل.

وتمتاز الصورة التي أبدعها حسن الأمراني بالحركة والتقنيات الفنية الحديثة،

ولاسيما الإفادة من فنون القصة والرواية والمسرحية بأساليب المزج والقطع والتداعي المتمثل في تيار الوعي والحوار الذاتي (المونولوج الداخلي)،

والارتداد إلى الخلف (الفلاش باك)،

وإسقاط الماضي أحداث وشخصيات على الحاضر،

والقدرة على تصوير الجو الذي جرى فيه المشهد المثير الآتي وكأنما نحن أمام أسطورة أو مشهد مسرحي:

عندما كان الفتى الاشقر إسماعيل ..

ذلك الالق القادم من قلب سرايفر الابية

كلما قام ليتلو سورة الفتح قبيل الافتتاح

ضجت القاعة بالإعجاب أو بالصمت أو بالاحتجاج

…..

يابني

سوف يأتي – وأحفظ القول – على الناس زمان

تصبح اللحية فيه بندقية

وحجاب البنت يغدو قنبلة

وهو يتلو الزلزلة

تحت عنوان البيان، أدار الشاعر حوارا بين الفدائي علي خجا وإسماعيلوفيتش،

وهو أحد أفرأد عمليات المقاومة التي نظمها شعب البوسنة، وذلك في أثناء الحصار الذي أحكمه العدو الغادر حول مدن هذا الشعب الباسل،

إذ يقول الأول، وهو أحد الجنود البوسنويين الابطال الذين استشهدوا في حرب النمسا للبوسنة والهرسك كما جاء في رواية (جسر على نهر درينا)،

وقد استلهمه شاعرنا الأمراني فقال على لسانه محاورا إسماعيلوفيتش محذرا إياه من غدر الصرب إذا أبرموا اتفاق صلح مع المسلمين:

قد نصحت القوم لكن لا تحبون النصيحة

إننا للمرة الألف عقدنا الصلح لكن

تحت خيل الكفر أضحى كل عقد

مثل أحلام كسيحة

بيد أن إسماعيلوفيتش يرى ضوءا في نهاية النفق الطويل المعتم فيجيب صاحبه:

لاتدع لليأس سلطان عليك

فغدا تشرق أنوار الحقيقة

فإذا طوينا صفحات (البيان) نزف القلب شجوا مع الشاعر في قصيدته الكلية الجرح الهادر، التي كتبها على لسان فتى من أبناء البوسنة:

كبر الحلم على كف اليقين

ثم غالته أعاصير السنين

ها أنا أحكي لكم عن قريتي

يا أحبائي الصغار الطيبين

عن طيورهجرت أوكارها

عن شيوخ القرية المستضعفين

هذه القرية كانت موئلا

للحساسين ومأوى الياسمين

يا سراييفو جراحي جمة

ونداء القلب مكتوم الأنين

واصطباري فيك أضحى خنجرا

كلهيب يبعث الداء الدفين

وأتبع الشاعر هذه البكائية بأخرى على لسان شهيد قتلوه وعلقوا جثمانه على الجسر،

فإذا هو يتساءل لمجازوه جزاء سنمار،

وهو ابن مناضل انخرط في صفوف المقاتلين دفاعا عن الوطن ضد النازية في الحرب العالمية الثانية،

وظل يقاوم مع إخوته في جيش التحرير في سبيل إجلاء الغاصبين عن مدينة سراييفو.

فكيف يلقى اليوم أبناء هؤلاء الأبطال مايلقون من تقتيل وتشريد كأنهم غرباء وهم أصحاب الأرض الأصلاء،

ويسومهم الصرب شركاؤهم بالأمس سوء العذاب فيحاصرونهم ويبيدونهم كأنهم الطاعون.

ويستدعي الأمراني في لوحاته الشعرية الواقعة، أشباح الذكرى المؤلمة لسقوط غرناطة آخر المدن الأندلسية

والمذابح الرهيبة التي ارتكبها جنود فرناندو وإيزابيلا دون أن تأخذهم رحمة بشيخ أو فتاة أو وليد،

فكانوا وصمة عار في جبين المسيحية التي رفعوا شعاراتها مثل الصليبيين قبلهم زورا وبهتانا، باسم دين عيسى بن مريم عليه السلام وهو الدين الذي بني على التسامح والرأفة.

لقد أصبحت سراييفو اليوم أخت أرض الأندلس في البلوى بعد أن دمرت كثيرا من أحيائها الغصية الفاجرة،

فأمست ضحية الذين سدوا آذانهم حتى لا يسمعوا صرخات القتلى والجرحى والمشردين.

وتشكل هذه اللوحة خريطة ممتدة مصبوغة بالدم الذي جرى أنهارا وبحرا،

وصورة معركة غير متكافئة؛

إذ يقف الغربيون إلى جانب القتلة، ويمدهم الروس بالعتاد الحربي وهم يعلمون أن الصرب هم الجناة،

وأن لديهم ترسانة ضخمة من الأسلحة ورثوها عن الاتحاد اليوغوسلافي السابق،

وتأبى الدول الكبرى المهيمنة على مجلس الأمن أن تستصدر قرارا يبيح مد أهل البوسنة بالاسلحة التي تمكنهم من الدفاع الشرعي عن مدنهم وحقوقهم وفك الحصار المضروب عليهم،

ويعمل الوسيطان الدوليان على إكراه علي عزت بيجوفيتش رئيس جمهورية البوسنة والهرسك علي قبول مشروع تقسيم دولته يل تمزيقها.

والأنكى ان الطاغية رادوفان كاراديتش زعيم صرب البوسنة يعلن رفض هذا المشروع

مما يصدق معه قول الشاعر العربي (يرضى القتيل وليس يرضى القاتل!!).

ولكن القتيل هنا يأبى أن يستسلم، فيصمد مقدما أروع التضحيات:

تلك غرناطة أم تلك سراييفو الشهيده

مثل أم حرة غاب بنوها

خر من خر ومن فر فقد أكرهه القوم البغاه

وعلى الأفق نداء نازف الجبهة

يستصرخ أبناء العقيدة

وليس أوجع للقلب من وقع الفظائع التي أنزلها المجرمون بأهل البوسنة،

ولاسيما وقائع الاغتصاب الجماعي التي يشيب لهولها الولدان وتتمزق صدور الاحرار.

وقد صورها الشاعر في مقطوعة بعنوان والاغتصاب .

وتتقاطر أبيات قصيدة الذكرى، عزفا شجيا على وتر الذكريات المستقاة من معين الطفولة بعد أن جف بفعل الرياح السافية التي طمرته بالرمال والحجارة فبات أثرا بعد عين،

ولم يبق من بعد غزو الصرب الطغاة مايستثيره من أطياف في عيون الأطفال المحرومين من فيضه في عهد البهجة والسرور.

كما صور الشاعر نهر درينا الذي تقع على ضفافه جمهورية البوسنة والهرسك وقد تحول إلى موات:

هاهنا نهر تجمد

أيها النهر الشهيد

كيف يغدو الدم ماء

كيف يغدو القتل كاللعبة، سجل

أيها النهر الحدث!!

وتتوالى مشاهد الطبيعة من نهر وغابة وبحر وغيوم بين أطياف الذكرى المضيئة قبل الحرب الجائرة وقد تحولت إلى أشياح داجية بعدها.

وصاغ الشاعر هذه المشاهد في صور وموسيقى تجمع بين الالوان المتباينة والاصوات والاصداء المترددة للتعبيرعن التناقض بين الأمس واليوم،

بين الحب والسلام والقهر والعدوان:

هاهنا لفحة شمس فوقها ظل تمدد

وهناك انتصب السرو على جبهته تاريخ شعب

هدّه القهر وضج الصبر في الصدر

فأرغى ثم أزبد

هاهنا شهقة بحر

هاهنا صولة غابة

هاهنا ظل سحابه

هاهنا هاجرة تنفي عن الصدر الصبابه

هاهنا أمشاج ذكرى: ضحكة، حلم، كآبه

ويشف مقطع «الرؤيا» الذي يزخر بالرموز والإشارات النابعة من ينابيع الإسلام عن روحانية مبعثها

الإيمان بأن النصر من عند الله، وأن العاقبة للمتقين أولياء الله المؤمنين، والخزي لأولياء الشيطان.

ويحيي الشاعر ذكرى الرابطة الإسلامية التي كانت تجمع بين تركيا ورمزها استنبول عاصمة الدولة العثمانية التي نشرت الإسلام في البلقان واستمرت عدة قرون،

وبين البوسنة والهرسك ورمزها فشيجراد،

وذلك بحثه فتى من البوسنة اسمه محمد علي أن يستمسك شعبه بهذه العروة الوثقى حتى لايكون لها انفصام.

فالشاعر يأنس خيرا في تركيا وإن كانت عضوا في حلف شمال الأطلسي،

الأمر الذي مازال يغل يدها عن تقديم العون المادي إلى البوسنة المعذبة التي تركها أبناء الإسلام فريسة ينهشها الجلادون وأعوانهم،

ويودون لو أحالوها إلى جثة هامدة مالم يخرج أبناء الأم، وهي شريعة الله الحقة، ليسعفوا الضحية، ويستنقذوا البقية الباقية من الجسد المثخن بالجراح،

ويبعثوا أنفاس الحياة في الأشلاء المشوهة المدماة.

كما يدعو الشاعر إلى عودة التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين الشرفاء:

يامحمد

قم إلى النهر

وصل مابين مشكاتين: عيسى ومحمد .

إن ما بين (فشيجراد) و(استنبول) حبل مبرم

عهد موطد

وغدا يعلو على نهر درينا

جسر إيمان منضد

رغم قبر يتمرد

يامحمد

أحْدُ باسم الله.. ضع رجليك في عز الركاب

إنها قافلة الإيمان، لا تخشى الركاب

وتتوالى اللوحات والمشاهد التي تمزج بين الماضي والحاضر حتى تبلغ عودا على بدء،

المقطع الأخير وهو معزوفة على لسان أطفال سراييفو تمجد المقاومة في سبيل الوطن والجهاد في سبيل الله عبر مختلف العصور الإسلامية

منذ الصحابي الشهيد عبدالله بن رواحة، والصحابية الجليلة نسيبة بنت كعب الأنصارية التي أحاطت برسول الله تفتديه بروحها يوم أحد،

حتى الفدائية الجزائرية جميلة بوحريد والشهيدتين دلال المغربي الفلسطينية سناء محيدلي عروس الجنوب اللبناني.

ويستانف القارى عبير الملاحم التاريخية للإسلام، وأطفال البوسنة يرددون أهازيج الأمل وهم يحملون أكاليل النصر القادم بإذن الله:

نحن أطفال سراييفو الشهيده

سنصلي.. ونصلي

ونعيد الضوء باسم الله للشمس الفريده

سوف نعلي راية الإسلام

في الأرض وإن طال الحصار

وسنبني للحضاره

هاهنا ألف منارة

مجلة الفيصل العدد 223 ص 29 محرم 1416 يونيو 1995

Be the first to comment on "أصداء ملحمة البوسنة في الشعر المعاصر (1)"

تعليقك يثري الموضوع