حتى لانكون معهم

إنقراض اللغات .. حتى لانكون معهم ، بقلم نورة بنت عبدالرحمن الكثير . حول ظاهرة تسارع إندثار التي نتج عنها اختفاء نصف لغات العالم في غضون القرون الخمس الأخيرة

إنقراض اللغات .. حتى لا نكون معهم

بقلم نورة بنت عبدالرحمن الكثير

يقف العالم عاجزاً أمام ظاهرة جديدة ليست مقتصرة على المجتمعات الفقيرة فقط ؛بل تعاني منها المجتمعات المتقدمة

ومع ذلك تراها تقف حائرة ليس لها من الأمر شيء ؛

وهي ظاهرة تسارع إندثار وإنقراض اللغات والتي نتج عنها اختفاء نصف لغات العالم في غضون القرون الخمس الأخيرة.(1)

كي تتضح الصورة التي قد تخفى على البعض وهي أن اللغة تولد وتنمو وتكبر وتضعف وتشيخ وتموت ويجري عليها مايجري على الكائن الحي !

حقيقة مؤلمة وقاسية أليس كذلك؟

و ياترى مامصير اللغة العربية أمام تلك الحقيقة المرة بعد أن أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) أن اللغة العربية ستكون أحدى اللغات المتوقع ادراجها من ضمن اللغات المهددة بالإنقراض خلال هذا القرن؟!

فهاهي جزر أندمان الهندية Andaman islands)) تودع آخر شخص كان يتحدث لغة البو (Bo) حيث كان يتحدث لغته وحيداَ لمدة أربعين عاماَ ومات عن عمر ناهز 85 سنة

ولم يكن باستطاعة أحد تجنب تلك اللحظة !!

وأما (بوجون) الرجل الوحيد الذي كان يتحدث لغة الكاساب( Kasabe) في أقليم أداماوا (Adamawa) بالكاميرون فهو الآخر مات وماتت لغته معه!

وهناك التركي توفيق إسينش الذي كان آخر رجل يتحدث لغة الأوبيخ ( ( ubykhin إحدى اللغات القوقازية القديمة هاقد توفي عام 1992 آخذاً لغته معه !

وكذلك الأمر مع السيدة ماري سميث جونز فقد رحلت العقد الماضي راحلة معها لغتها لغة (الإياك) في الآسكا (الولايات المتحدة الأمريكية ).

بالطبع هؤلاء لم يموتوا بمفردهم وإنما أخذوا معهم حضارات استمرت لقرون طويلة.

ويوجد الآن 11 لغة لايتجاوز الناطقين بها عدد أصابع اليد الواحدة على إهبة الزوال والإندثار؛ بينما هناك 25 لغة تموت سنوياَ ؛

أي بمعدل 250 لغة خلال عقد واحد مما يجعل أكثر من 3050 لغة حية في العالم مهددة بالإنقراض في الوقت الراهن أي بمعدل لغة واحدة تختفي كل أسبوعين! (2)

فقدان اللغة

ندخل في حالة (فقدان اللغة) باستبدال اللغة الأم بلغة ذات نفوذ سياسي واجتماعي واقتصادي فتتسلل تلك اللغة إلينا بنعومة محتلة حيزاً كبيراً من ثقافتنا سواء شعرنا أولم نشعر.

وأحد أهم اسباب فقدان اللغة (وهو بمثابة قتل اللغة في مهدها) يبدأ من المنزل عندما يتحدث الكبار مع الصغار لغة أخرى غير اللغة الأم

فتفقد اللغة بريقها وحيويتها وتذوي وتموت شيئاَ فشيئاَ فينشأ الطفل على لغة ستكون لغة أبناءه الأساسية مستقبلاَ !!!

ومدارس التعليم الأجنبي هي بمثابة (ممحاة اللغة) فعندما يتعلم الجيل الراهن باللغة الأجنبية على حساب اللغة الأم

فإننا بذلك كونا جيل يتكلم لغته بطريقة هشة ركيكة تفتقد للرصانة التي هي واحدة من أهم سمات اللسان العربي …

لذلك لن تحيا أي اللغة فى ظل عدم وجود أناس يتحدَّثون بها ويتواصلون من خلالها وإن كنا على يقين أن العربية لا يمكن أن تندثر لأنها لغةُ القرآن الكريم وهي بلاشك خالدة ؛

إذاً فلنسأل أنفسنا لما ماتت لغتنا وانطفأ بصيص صوتها في الأندلس وفي مالطة وخبت جذوتها في جنوب السودان ؛

وفلسطين (عبرنة اللسان الفلسطيني -اللغة العبرية)

ولبنان (حيث التحدث بها يعد خياراً ثالثاً بعد الأنجليزية والفرنسية) وقد كانت حية هناك لمدة عشرات القرون!؟

الجواب هو لأن الناس مُنعوا من التواصل بلغتهم الأم وأبدل لسانهم بلغة أخرى وهجرها اللسان طوعاً أوقسراً.

اللغة العربية تتميزعن غيرها من اللغات بثروة كلماتها وغزارة مفرداتها ؛فيستحيل أن تجد في غير العربية كتاباً في أسماء الأسد , وكتاباً في أسماء الحية,

والإبل وحدها تحمل 1000 اسم وذُكر للعسل ثمانون اسماً! ولكن عندما تسأل أحدهم أن يذكر لك بعض اسمائهم لن يستطيع ذلك !

فقد تحولت لغتنا بمرور الزمن إلى مجرد لغة أدبية ملازمة للكتاب والحاسوب والمعاملات الرسمية.

التسمم اللغوي

قد تكون لغتنا تعاني مما يسمى بـ( التسمم اللغوي)

فالكلمات الأعجمية تتسرب إليها من كل حدب وصوب فتتقبلها تاركة المجال للبقية من الألفاظ الدخيلة لتتسَرَّب إليها دون أدنى مقاومة؛.

ويبرز ذلك من خلال مانشهده من تطور تقني هائل في شتى الميادين يحمل معه مفردات ومصطلحات ومنتجات تحمل اسماءً للغتها الأصلية

ونحن ننطقها دون أدنى محاولة منا لتعريبها؛

والمؤلم أنك تضطر في أحايين كثيرة إلى استخدام ألفاظ كثيرة أعجمية لتوضيح مقصدك !

تلك الحقائق تنذرنا فعلاً بأن علينا ان نفعل شيئاً إزاء تلك الظاهرة المقلقة .

قرأت عن تجربة مدهشة وتعتبرفريدة من نوعها لبعض الشباب في دولة (لاتيفيا) للحفاظ على لغتهم المنقرضة اللغة (الليفونية)

والتي لايتحدث بها الآن إلا ستة أشخاص أصليين فقط؛

حيث قاموا بدراستها من جديد وكأنهم يعيشون تجربة تعلم لغة جديدة في سبيل إنعاش لغتهم وإحيائها مرة أخرى.

بالتأكيد لن ننتظر حتى يتبقى منا عشرة أقل أو أكثر لاتخاذ خطوة مشابهة

لكن حقائق مؤكدة وتجارب مشابههة كتلك تجعلنا لا نفرط بالكنز النفيس الذي بين يدينا والهبة التي وهبنا الله إياها

والعمل على ذلك يسير جداً من خلال استغلال الوسائل التقنية الحديثة بالتذكير بأهمية الاعتزاز باللغة والتحدث بها وتنقية لغتك من المفردات الأعجمية

ولو احتسبته عبادة من العبادات ستؤجر عليها بإذن الله وسيبارك الله في جهودك ؛

فعندما نفقد لغتنا سنفقد معها تاريخ وحضارة أمة بأسرها ،فلغتنا الآن تناضل بمفردهاواقفة منتصبة أمام هذا المد العاتي الذي يليها يمنة ويسرة

حتى يجعل الله لها مخرجاً ويوسع لها درباً ويهديها سبيلاً من حيث لانحتسب .

الهامش

1- رسالة اليونسكو” والصادرة بمناسبة اليوم الدولي للغة الأم (21 فبراير).

2- حسب دراسة أعدتها اللغوية والباحثة Asya Pereltsvaig ))عام 20010

كتبته/ نورة بنت عبدالرحمن الكثير

كن صاحب أول تعليق على "حتى لانكون معهم"

تعليقك يثري الموضوع