الشيخ

الشيخ

الشيخ مقال للكاتب بولنوار قويدر من الجزائر ، إنّ العمر كالشمعة تنير الظلمة وهي تبكي دموعا لا ندري إن كانت من النار أم لنقصان …

الشيخ

بولنوار قويدر-الجزائر

ضمته السنون إلى جوانحها رافضة تسليمه للماضي ليس خوفا عليه ولكن سنة الحياة التي دأبت عليها مع جمهورها من الشيوخ…

تراه يمشي الهوينا وكأنّه يحمل أثقالا إلى أثقاله مستندا على عصاه التي ألفها وألفته في الإقامة والترحال شادا عليها كجندي متأبطا سلاحه في ميدان الشرف…

عازفا لحنا جميلا داخليا مستأنسا به: أتركني أنسى الماضي وقصائده لأعيش أسرار البئر وحدي وروائعه,

نحن كلنا كالقمر.. بوجهين منير ومظلم…

ألقاه كل يوم في نفس المكان ونفس الميعاد بدون ميعاد …

كلّ مرّة تراودني أسئلة أرغب أن أسألها إيّاه ولكن أمتنع… لا أدري :

أهو الحياء أو الخوف من ردة فعله أوسنّه الذي يفوقني مرات وربما لا أعرف التصرف معه…

لكن تشجعت لمّا رأيت فيه استجابة لكبار السنّ مثله وللصغار حين يلاعبهم ويداعبهم وكأنّه منهما الاثنين…

اقتربت منه والقيت عليه التحية فردّها بخير منها فاطمأنت كثيرا…

بلعت ريقي ولففت لساني حول شفاهي لأمرنهم على النطق بالسؤال ..

نظر إليّ نظرة عميقة, كأنّه يستخرج فيها من أعماق بئر وقد مدّ يده إليّ مصافحا وأحسست منه برغبة في محادثتي لأنّه لم يرد أن تبرح يده يدي مشيرا لي بالجلوس…

جلست بجانبه متفرس في عروق يده التي ظهرت خيوطا خضراء وسط تجاعيد كأنّها جذع شجرة هرمة لم يبق منها إلاّ الأغصان بلا ورق …

ثمّ صرفت نظري إلى وجهه الذي كانت تغطيه لحية بيضاء كثيفة زادته بياضا لبياضه

كم عمرك

وجهه الذي حفرت فيه الأيام تاريخها بالدقائق والساعات …

إلتقت عيني بعينه فلم أستطع مواصلة النظر إليه …

وقد كان سبّاقا لمحاورتي بعدما كنت أرغب في ذلك : كم لك من العمر؟

قلت : ثلاثون… فكان سؤاله بوابة الحوار معه فسألته:, وأنت كم عمرك ؟ ردّ 90 سنة وكانت مصحوبة بتنهده ساخنة…

قلت له: بما تشعر ؟ قال :يتيما لم يبق لي من أحادث! ولا لمن أفضي اسراري ولا لمن أبث همّي و أشكو ألآمي

إنّ العمر كالشمعة تنير الظلمة وهي تبكي دموعا لا ندري إن كانت من النار أم لنقصان …

ودون مقدمات واصل حديثه وكأنّه اطلع على ما أرغب فيه…

تارة يشد على يدي وكأنّ التوجيه مخصوصا لي وتارة يسترسل في الحديث وكأنّه محاضر في إحدى مدرجات جامعة في موضوع ( صراع الشيخوخة وأثرها على سلوكيات البشر)

ومن بين ما قال: ( احذر فترة الشباب تمضي وانت في غفلة منها لربما سوف تعض على أناملك ذات يوم أنّك لم تستثمرها لتستريح في كبرك أو تنفعك يوم تجد نفسك غريبا بين أهلك….

العمر ثمن باهظ جداً لا تضيعه هباء منثورة ولا تبعه للفراغ بالمجان …

احذر الشيخوخة مرض لا تصيب جميع البشر منهم من يرحل قبل بلوغها …

ويوجد من يعيشها في سن ال30 …الشيخوخة طبق محشي بجميع الخضروات والتوابل وصنوف الأطعمة فعلى الراغبين الأكل منه بنهم …

فربما لا يسعدك الحظ أن يبسط امامك مرتين…)

فهمت منه أن استغل وقتك معي في الاخذ من تجربتي… قلت له ماذا عن 90 عاما تمتلكها …

قال هناك من يعش ثلثها ويخلف وراءه زادا وذكرا

يذكر به ومن يعيشها كاملة ويزيد وكأنّه نام قيلولة في هجيرة صيف…

بولنوار قويدر-الجزائر

كن صاحب أول تعليق على "الشيخ"

تعليقك يثري الموضوع