التقابل في الدراسات اللسانية والشعرية

التقابل .. من بلاغة الجملة إلى بلاغة النص بحث أكاديمي بقلم أ. نور السادات جودي – أ. عبد الله بن صفية (مقال ثنائي) ننشره على حلقات

التقابل .. من بلاغة الجملة إلى بلاغة النص

أ. نور السادات جودي – أ. عبد الله بن صفية

جامعة باتنة – الجزائر

التقابل في الدراسات اللسانية والشعرية:

مع التطور الكبير الذي شهدته الدراسات اللسانية، بعد الأبحاث المهمة التي قدمها عالم اللسانيات ” فيرديناند دي سوسير ” في محاضرات شفوية ألقاها على طلابه في جنيف ،نشرها طلابه سنة 1916 بعد

وفاته في كتاب(دروس في علم اللغة العام)، والتي عمق بها الدراسات اللغوية، واتجه فيها إلى الدراسة العلمية التي تتخذ من اللغة مجالا للبحث وإبعادها عن كل المؤثرات التاريخية والنفسية والإيديولوجية، أي دراسة اللغة في ذاتها ولأجل ذاتها، ووضعه للآليات التي ارتقت باللغة إلى مصاف العلم الذي يملك منهجه ومادته. وهنا تجلت أهمية البعد التقابلي في تحديد الدلالة وفي دراسة اللغات.

و من المبادئ التي أقرها “دي سوسير” أنه رأى أنّ تحديد دلالة أي علامة لغوية لا يتحقق إلاّ بما يقابلها في نسق اللغة: فالبياض مثلا لا يتضح معناه إلا بتصور السواد، إذا فالعلامة سواء كانت لغوية أو غير لغوية تستدعي بالضرورة طرفا ثانيا يكون موازيا لها “وقد افترض “سوسير” وجود علاقة جدلية داخل النسق بين الدال (الصوت السمعي) والمدلول (الصور الذهنية)، وأكد مفهوم التعارضات الثنائية في اللغة.

وهذا ما ساعد “شتراوس” على التوسط بين العناصر المتضادة، مثل: ساخن/ بارد، وأرض/ سماء، وذكر/ أنثى، وقديم/ جديد”(31).

ومن هنا توالت الدراسات والأبحاث التي اعتمدت على هذه الثنائية في اللغة كآلية للتحليل والتفسير والتأويل.

إنّ الحديث عن الثنائيات الضدية يعني حديثا عن توازي الثنائيات، فالكون يمثل وحدة، وهذه الوحدة هي في النهاية تعددية ضمن الوحدة.

وقد حاول الفلاسفة أن يفهموا الكون، فقسموه إلى ذات (إنسان) وموضوع (كون)، فنظروا إلى كل حد على أنه طرف منفصل عن الآخر، ومستقل عنه، ونجم عن هذا الفصل بين الأطراف وجود مجموعة من الثنائيات: الخير/ الشر، الحق/ الباطل، الظلام/ النور،واجتماعية: الظالم / المظلوم…

ففي داخل النفس البشرية يلتقي طرفا هذه الثنائية التي انشغل بها الفكر الإنساني كثيرا عبر اختلاف عصوره، وبدت الحياة صعبة التفسير بمعزل عن فكرة الأضداد والثنائيات.

عرف المعجم الفلسفي الثنائية بأنها “الثنائي من الأشياء ما كان ذا شقين، والثنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسرة للكون كثنائية الأضداد وتعاقبها، أو ثنائية الواحد والمادة- من جهة ما هي مبدأ عدم التعيين – أو ثنائية الواحد وغير المتناهي عند الفيثاغورثيين أو ثنائية عالم المثل وعالم المحسوسات عند “أفلاطون”… الخ

والثنائية مرادفة للأثنينية، وهي كون الطبيعة ذات مبدأين، ويقابلها كون الطبيعة ذات مبدأ واحد، أو عدة مبادئ (الثنوية والأثنينية)”)32( .

وتقوم الثنائية بوصفها فكرة فلسفية على فكرة أن ثمة قدرة على الربط بين الظواهر التي يبدو أنها منفصلة، فالتضاد رابطة مثل التماثل، والتناقض، رابطة؛ لأنه يعني نفي النقيض، فوجود النور ينفي وجود الظلام؛ لذا يدخل النور والظلام في علاقة تناقض، أما وجود الأبيض فيتضاد مع الأسود، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد،” فالحالتان المتضادتان إذا تتالتا، أو اجتمعتا معا في نفس المدرك كان شعوره بهما أتم وأوضح وهذا لا يصدق على الإحساسات والإدراكات والصور العقلية فحسب؛ بل يصدق على جميع حالات الشعور كاللذة والألم والتعب والراحة…

فالحالات النفسية المتضادة يوضح بعضها بعضا، وبضدها تتميز الأشياء، وقانون التضاد أحد قوانين التداعي والتقابل”(33) ،لكن ثمة منطقة وسطى بين السالب والموجب في الفكر الفلسفي تربط بين الطرفين، ويستطيع الدماغ البشري أن يلتقط المنطقة الوسطى بين طرفي الثنائية، أو الجزء الأوسط الواقع بين حديها إذ ” لا يرضى الدماغ البشري عن الانفصال الناجم عن إقامة مثل هذا التقابل القطبي، فيبحث عن موقع وسط”)34(.

ويشكل مفهوم الثنائيات الضدية عصب المدرسة البنائية في النقد والتحليل البنيوي وينحدر هذا المفهوم بوصفه مفهوما بنيويا من دراسات “ليفي شتراوس” حول الأساطير،”إذ شغلت باله وسيطرت على جميع أبحاثه،فيما أسماه الطبيعة والحضارة …

وهكذا ظل ليفي شتراوس يبحث في كل مناحي الحياة بهدف الوصول إلى بناء فكر الإنسان،من خلال تعامله مع الأشياء والكون والحياة، وصولا إلى أن التعارضات الثنائية، هي التي تدفع الإنسان إلى إيجاد حل متوازن بينها”(35) .

ونشير هنا أيضا إلى أن اللسانيات والتحليل البنيوي لا تستخدم فكرة الثنائيات الضدية من جهة الكلمات والمفاهيم فحسب بل من جهة تقاليد النص ورموزه.

كذلك تقبل “ميشيل فوكو” (1926-1984) “التعارضات الثنائية في محاولته الكشف عن الأركولوجيا اللاواعية للمعرفة في كتابه (أركولوجيا المعرفة)”(36)، واستفاد “غريماس” من الثنائيات الضدية في دراسة المعنى إذ “صنف التقابلات إلى عدة أنواع: تقابلات محورية لا تقبل وسطا “زوج / زوجة تقابلات مراتبية “كبير / وسط / صغير، تقابلات متناقضة: “متزوج / أعزب”،وتقابلات متضادة” صعد/نزل و وتقابلات تبادلية “باع / اشترى”(37).

كما سبق وأن قلنا فإنّ الدراسات الحديثة أولت أهمية بالغة بالعلاقات التقابلية والتضادية، لما لها من أهمية في كشف الدلالة وفي تحليل النصوص والخطابات، ويبدو أن لتيار البنيوية الحديث أثرا في تحول مسار البحث، وتعميق اتجاهه، فقد أدت مبادؤها “إلى بحث نماذج التماثل والتقابل والتعارض بين عناصر كل مستوى لغوي…”(38)،

حيث جعل بعض الباحثين يعيدون النظر في التضاد، فيميلون إلى الاعتماد عليه في التحليل(39)، منطلقين في ذلك من عده جزءا من بنية النص، وبذلك فهو من مجال اللغة فمضوا إلى تحليل القصائد والنصوص باعتبارها بنى من المتناقضات، فهذه المتناقضات -بالتالي- عناصر مكونة، فضلا عن كونها مزايا أو خصائص لجودة الشعر، ومن ثمة ” فهم يعولون- في استنطاق لغة النص- على استخراج عناصرها المتضادة والمتشابهة، ثم تصنيفها وتحليلها في ضوء علاقات التقابل والتوازي، والتشابه، والاتفاق في المستوى الصوتي، والصرفي، والتركيبي”(40).

وقد استفاد بعض الباحثين المعاصرين من هذا المنهج، حتى طغى على أبحاثهم،كما فعل “كمال أبو ديب” في تحليله لنماذج من التراث، حيث يجتهد في استقراء الثنائيات الضدية، وتوظيفها في تحليل النص” مشعرا بأن هذه الثنائيات الضدية ماثلة بالفعل على امتداد القصيدة، بارزة الحضور في كل جزء منها…”)41(.

إن دراسة تلك العلاقات – القائمة بين الثنائيات تكشف عن الفاعلية الشعرية التي تستقى”…

من تصور للوجود، بما هو شبكة من علاقات التشابه والتضاد” (42)، بل أنهم يتجهون إلى محاولة استنطاق النص الحاضر، للتوصل إلى الغائب.

أي يتحول النص نفسه من إبرازه للحضور إلى خلق الغياب، بخاصة أن الدراسات الدلالية الحديثة، تفيد أن اللفظ النقيض أو المقابل قد يكون غائبا عن النص، ماثلا في الذاكرة، فيتغنى الشاعر- مثلا- بالسعادة، ليخفي الألم والإحباط…” (43)

والذي يخلق في النص نوعا من المفارقة في بنيته العميقة، ويساهم في تعميق الأبعاد الجمالية والبلاغية والتأويلية التي تنتجها المعاني المضمرة في نفسية المتلقي.

وهذا ما يوضحه أيضا )طلال حرب (في مقاله: “قراءة لجسد المرأة في الخطاب الجاهلي”(44) موظفا الثنائيات الضدية التي يشتمل عليها خطاب الشاعر الجاهلي، والتي تتركز حول ثنائية الحضور والغياب، ويرى أنها “شكلت محور حياته كلها”(45) .

في )قصيدة المنفى( حلل “مدحت الجيار” قصائد”اعتمدت المعارضة أسلوبا لها”(46) ،فاستعان بهذا المنهج في تحليل عناصر هذه النصوص، والتضاد في بنيتها.

وأيضا حللت الكاتبة “منى علي سليمان الساحلي” في كتابها )التضاد في النقد الأدبي( قصيدة “لأبي تمام”، وقد سبقت تحليلها بمدخل نظري تحدثت فيه عن تضاد الشاعر بين القدماء والمعاصرين، قبل أن تتطرق للقصيدة بالتحليل، وأشارت في مقدمة تحليلها للقصيدة إلى أننا اخترنا قصيدة “أبي تمام” البائية للنظر فيها في ضوء التضاد، ومعرفة صوره وأثره في النص ودور الشاعر في توظيفه له”(47).

ومن الدراسات التي دارت في فلك الثنائيات الضدية دراسة قدمتها” سمر الديوب” بعنوان الثنائيات الضدية )دراسات في الشعر العربي القديم( والتي تناولت الثنائيات الضدية في القصائد المنتهية بالياء المطلقة ثم درست خصوصية التصوير الفني لدى الشماخ بن ضرار الذبياني، وأيضا تحدثت عن جماليات المكان لدى شعراء الأسر والسجن في صدر الإسلام والعصر الأموي، وتناولت في فصل لاحق الغزل العذري من زاوية شعرية الحضور والغياب، أما ليلى الأخيلية الشاعرة التي نسيها النقاد فقد درست جوانب المماثلة والاختلاف مع الشعراء الفحول في شعرها…

أما الشاعر الذي شغل العقول زمنا ” أبو العلاء المعري”، فقد درست جمالية النسق الضدي في شعره.

وتعرض أيضا الباحث “صادق عبد الحميد عبد العزيز القاضي” في رسالة ماجستير بعنوان )شعرية التقابل- ديوان محمد البردوني نموذجا( لظاهرة) التقابل (، وسعت هذه الدراسة من خلال الأهداف والتي ساقها الباحث في مقدمة بحثه، إلى تشكيل رؤية شمولية جديدة لهذه الظاهرة الاستثنائية، وصياغة مفهوم عام يستوعب أنماطها وأسسها العامة من خلال أشكالها، وبنياتها اللغوية والسياقية، المتجلية في ديوان “البردوني”.

لقد سلط الباحث الضوء على قيم وجوانب جديدة في هذه القضية على مستوى الخطوط العامة أو التفاصيل، كما تقدمها فصول ومباحث هذه الدراسة.

ناقش الباحث في تقديمه النظري الكثير من إشكاليات هذه القضية على المستويين اللغوي والفني، واستعرض ما أمكن من الدراسات والمناهج العربية والغربية التي تعرضت لها قديما وحديثا في إطار علم اللغة وعلم المنطق، كما قدم خصائص وسمات هذه الظاهرة على المستويين اللغوي والفني، وعرض التقابل بصورته الممتدة التي تنتظم مجمل النص الأدبي، كما تطل من خلال العلاقات الجدلية بين نصوص الشاعر، ثم من خلال العلاقات النصية بين نصوص الشاعر ومخرجات التراث الإنساني مع التأكيد على أهمية القضايا الأدبية التي يمكن الكشف عنها من خلال تتبع هذه التقابلات )48(.

تناول أيضا “مدحت الجيار” في كتابه )شعر أبي مدين التلمساني: الرؤيا والتشكيل(، في الفصل الثالث قضية التشكيل الأسلوبي في شعر أبي مدين التلمساني، ومن الأساليب التي سلط عليها الضوء أسلوب التقابل، ومما جاء في الكتاب قوله أن: “التقابل هو التعارض الدلالي بعضه عن بعض، وقد يسمى تخالفا أيضا(49)، وهو طريقة وأسلوب في بناء القصيدة الصوفية بناء تقابليا تخالفيا، بل نراه أهم مكون من مكوناتها البانية، وأظهر خصيصة أسلوبية مهيمنة فيها، فلا تكاد تخلو قصيدة صوفية منه،وذلك نظرا إلى طبيعة التجربة الصوفية ذاتها التي تقوم أساسا على التقابل والتخالف بين بعديها المعهودين وهما بعد الغياب، وبعد الحضور، المكونان الأساسيان للبنية العميقة الدالة، سواء تعلق الأمر بما يرجع إلى التجربة الصوفية بوصفها بنية نفسية، أو تعلق بما يرجع إلى التجربة الشعرية بوصفها بنية لسانية، من حيث كون الأولى هي التي تسوس الثانية وتتجلى فيها.

  1. التقابل.. من بلاغة الجملة إلى بلاغة النص
  2. التقابل من نحو الجملة إلى نحو النص
  3. التقابل في الدراسات الحديثة
  4. التقابل في الدراسات الدلالية العربية
  5. التقابل في الدراسات اللسانية والشعرية
  6. التقابل في الدراسات السردية
  7. على سبيل الختام

كن صاحب أول تعليق على "التقابل في الدراسات اللسانية والشعرية"

تعليقك يثري الموضوع