الحسد للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي

الحسد

الحسد (١) للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي : الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن يسلك الحاسد سبيل المحسود؛ ليبلغ مبلغه من تلك النعمة التي يحسده عليها،  (المنفلوطي)

الحسد للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي

لو عرف المحسود ما للحاسد عنده من يد، وما أسدى إليه من نعمة لأنزله من نفسه منزلة الأوفياء المخلصين،

ولَوقفَ بين يديه تلك الوقفة التي يقفها الشاكرون بين أيدي المحسنين.

لا يزال صاحب النعمة ضالاً عن نعمته، لا يعرف لها شأناً، ولا يقيم لها وزناً،

حتى يَدُلَّه الحاسد عليها بنكرانها، ويرشده إليها بتحقيرها، والغض منها، فهو الصديق في ثياب العدو، والمحسن في ثياب المسيء.

أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الحاسد،

ينقم على محسوده نعم الله عليه، ويتمنى لو لم تبق له واحدة منها

وهو لا يعلم أنه في هذه النقمة، وفي تلك الأمنية قد أضاف إلى محسوده نعمة هي أفضل من كل ما في يديه من النعم.

وجهُ الحاسدِ ميزان النعمة ومقياسها، فإن أردت أن تزن نعمة وافَتْكَ فَارْمِ بخيرها في فؤاد الحاسد، ثم خَالِسْهُ نظرةً خفيفة؛ فحيث ترى الكآبة والهم فهناك جمال النعمة وسناؤها.

ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمةٌ أصغر شأناً، وأهون خطراً من نعمة ليس لها حاسد،

فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فَقِفْ بها في سبيل الحاسدين، وألقها في طريق الناقمين،

فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها فاعلم أنهم قد منحوك لقب الـمُحَسَّد؛ فليهنأ عيشك، ولِيَعْذَبْ موردُك.

إن أردت أن تعرف أي الرجلين أفضل فانظر إلى أكثرهما نقمة على صاحبه، وكلفاً بالغض منه، والنيل من كرامته، فاعلم أنه أصغرهما شأناً، وأقلهما فضلاً.

قد جعل الله لكل ذنب عقوبة مستقلة يتألم لها المذنب عند حلول أجلها؛

فالشارب يتألم عند حلول المرض،

والمقامر يتألم يوم نزول الفقر،

والسارق يتألم يوم دخول السجن.

أما الحاسد فعقوبته حاضرة دائمة، لا تفارقه ساعة واحدة.

يتألم لمنظر النعمة

إنه يتألم لمنظر النعمة كلما رآها، والنعمة موجودة من الموجودات الثابتة التي لا يلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر، والتحول من موقف إلى موقف؛

فهيهات أن يفنى ألمه، أو ينقضي عذابه؛ حتى تقر عينه التي تبصر، ويسكن قلبه الذي ينبض.

الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن يسلك الحاسد سبيل المحسود؛ ليبلغ مبلغه من تلك النعمة التي يحسده عليها،

ولا أحسب أنه ينفق من وقته ومجهوده في هذه السبيل أكثر مما ينفق من ذلك الغض من شأن محسوده، والنيل منه؛

فإن كان يحسده على المال، فلينظر أي طريق سلك فليسلكه،

وإن كان يحسده على العلم فليتعلم، أو الأدب فليتأدب،

فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ فراغ حياته بشؤون لولاها لقضاها بين الغيظ الفاتك، والكمد القاتل.

الهامش

(١) مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة الموضوعة ص361_363.

#مقالات_عربية_رائعة

#مقالات_في_الأخلاق

#مصطفى_لطفي_المنفلوطي

مقالات عربية رائعة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية (٣)

 

كن صاحب أول تعليق على "الحسد للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي"

تعليقك يثري الموضوع