حتى لا نتذكر

حتى لا نتذكر

حتى لا نتذكر خاطرة للكاتبة أسماء فلاح من الجزائر تتطرق لهموم الأمة وتعدد المآسي، في الوقت الذي تتلاعب فيه وسائل الإعلام في توجيه اهتماماتنا لأهدافها الخاصة

حتى لا نتذكر

أسماء فلاح

لا أدري ماالذي حدث في هذا العالم ،أو في بيتنا الصغير ،أو بين أصدقائنا ،

لا أدري كيف أثر الإحتباس الحراري في هذا الكوكب ليجعل سكانه أبرد من الجليد ،

أعلم أن بعض الجزائريين في تسعينات القرن الماضي خرجوا يهتفون :

“اصدم اصدم ياصدام احنا معاك للأمام “،

وبغض النظر أيستحق ما دعوا له أم لا ،

وبغض النظر عن أننا أمة لاتجيد إلا الهتاف ،

أذكر فيروز وجوليا بطرس تغنيان لفلسطين ،

حكي لي أن المجاهدين في الجزائر كانوا يجتمعون خفية ليخططوا للثورة ،

وأن العرب في بلدانهم كانوا يتكدسون حول راديوهات قراهم؛

يتهافتون لمعرفة مستجدات حرب عبد الناصر وإسرائيل ، وحتى إن كان ذلك مدبرا وإن لم يكن ،

ثار الناس في تونس، سوريا، اليمن على طغيان حكوماتهم في بداية هذا العقد

وها نحن الآن شارفنا على نهايته وانظر إلى حالنا اليوم ،

كم أصبح الناس غير مبالين بما يدور حولهم ،

كم أصبحنا مختفين عن الوجود .. الوجود الحقيقي ،

كم صارت حياة كل واحد منا عالما لامتناهيا كبيرا جدا ،

أكبر حتى من حدود عالمنا الحقيقي الذي نعيش فيه ،

لكن أين في لوح طوله عشر سنتمترات، عرضه خمس، نتأثر فيه تزييفا،

نؤمن بالمؤامرة لأنها مدرجة على سطور اللوح ،

ملصقة أعلى فيديوهاته أو أسفلها ،

محكية في كتب روج لها ،باعها ،ليس لأننا نعلم ،

ليس لأننا نفكر ليس لأننا نعيش .

نشفق على رجل مات ليس لأنه علق في أنبوب لأيام بل لأننا نسمع،

نقرؤ عنه كثييييرا ،

فالموت واحدة والأسباب متعددة ..متعددة حقا ..جدا..جدا..جدا.

نقيم الدنيا ولا نقعدها لمقتل صحفي ليس لأنه أول صحفي قتل و ليس لأن حكومة بلده أول من قتل ،

بل لأنهم ثقبوا أدمغتنا بالحديث عنه ،

لست حجرا لايحس ولكن أفضل ألا أحس على أن يتحكم غيري بما أحس به ،

نعم هذه مآس ولكن في الدنيا أيضا مآس تستحق أن نتأثر ،نؤمن ،نشفق،نقيم الدنيا ولا نقعدها ،

تستحق أن نحس ،أن نعيش بقضية ولقضية ،

تستحق أن نفكر فيها فنجعلها جزءا من حياتنا إلى جانب العمل من أجل الأكل وتوفير نفقات الإنترنت ،

نفقات بيع عقولنا ومشاعرنا وأشكالنا حتى ،

إلى جانب هذه العبودية ،

لا يمكننا أن ننفي مايحصل في سوريا كل يوم كل ساعة، في فلسطين ،في اليمن، ليبيا ،ميانمار

لكن يمكننا أن ننسى أو بالأحرى ألا نتذكر أن هنالك بشرا ،أنفسا تهدر كل يوم ،

كل ساعة لأن خاشقجي أو عياش قد ماتا ،

ماتا حقا ولكن كل الأرواح التي تزهق ،

كل الأطفال الذين قطفوا ،

كل دموع أمهات الشهداء ليست أقل أهمية من رجل ذاع صيته .

سيأتي يوم وينسى هذا الرجل وتجر نسيانه حادثة أخرى ..

مهرجان ،رقصة ،غزو أرض، موت رئيس ، برنامج غنائي ..

المسألة ليست متعلقة بهذا الرجل الذي مات أصلا ، بل هي متعلقة بغير ذلك ،

هي متعلقة ب…..

نبذة عن الكاتب

أسماء فلاح
الكاتبة الجزائرية أسماء فلاح طالبة جامعية تكتب قصائد وخواطر ومقالات منذ سن العاشرة في مواضيع فكرية وسياسية واجتماعية . مؤلفة كتاب غير مطبوع بعنوان "مجد الأمة" كتبته في سن الرابعة عشرة . ولها رواية بعنوان " غيبوبة في الجحيم" لم تكتمل ، ومذكرات بعنوان "يوميات في المستشفى الجامعي" وأكثر من خمسة وثلاثين مقالاً منها : دهاليز ، حتى لا نتذكر ، نظرية المؤامرة، الخطوط العريضة .. وغيرها

التعليق الأول على "حتى لا نتذكر"

  1. طرح رائع تشكرين عليه،بالفعل صارت الآذان والقلوب معلقة بشاشة التلفاز ،إن بكت بكينا ،وإن تأست تأسينا وإن هتفت هتفنا لا لشيء إلا لأنه على التلفاز ،صار كل ما يذكر حقيقة كحقيقة شروق الشمس ومغربها،هم قالوا إذا هم صادقون ،باختصار الطريقة المثلى لخلق مُشاة يسيرهم الراعي بعصاه كيف شاء ويطلق عليهم ذئابه تقتات منهم متى شاء !

تعليقك يثري الموضوع