مؤسسة الحسبة في الحضارة الإسلامية

مؤسسة الحسبة في الحضارة الإسلامية

مؤسسة الحسبة في الحضارة الإسلامية

المفهوم ــ النشأة ــ الوظائف

إن الناظر في تاريخ حضارتنا الإسلامية،يلمس وجود مؤسسة الحسبة التي قامت بأدوار مهمة،باعتبارها وظيفة دينية تسعى إلى الحفاظ على صحة الإنسان أولا،وعلى المرافق التي يحتاجها من المساجد والطرق وغيرهما.

والمطلع على التراث الحضاري الإسلامي سيقف على حجم مهم من تدخل المحتسب لدرء أي ضرر يحيط بالمجتمع في مختلف المجالات،ويأتي هذا المقال ليبين بعضا من معالم هذه القضايا من خلال ثلاثة محاور.
المحور الأول:مفهوم الحسبة

أ – لغة: تطلق على عدة معان منها:

1- طلب الثواب : حيث وردت كلمة الاحتساب بهذا المعنى في عدة أحاديث منها:
قوله صلى الله عليه و سلم» مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه« ( ).

2- الاختبار: يقال، احتسبت فلانا أي (اختبرت ما عنده)و يقال أيضا: النساء يحتسبن ما عند الرجال لهن أي (يختبرن)

3- الاعتداد: يقال فلان لا يحتسب به أي (لا يعتد به).

4- الاكتفاء: يقال احتسب بكذا أي (اكتفيت به) و منه قولهم: فلان حسن الحسبة، أي الكفاية و التدبير( ).

إذن فالحسبة في اللغة : تطلق على معان متعددة يجمع بينها احتساب الأجر عند الله على العمل و طلب ثوابه ، و ذلك بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في حسن التدبير.

ب – اصطلاحا:

تعددت معاني الحسبة في الاصطلاح بنفس القدر الذي تعددت به معانيها لغة، و يرجع السبب في ذلك إلى اختلاف الأفهام و النظر للدور الذي يقوم به المكلف داخل المجتمع و أشهر التعاريف لهذا المصطلح:

أولا: الحسبة ولاية دينية يقوم ولي الأمر (الحاكم) بمقتضاها بتعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه، و النهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله، صيانة للمجتمع من الانحراف و حماية للدين من الضياع، و تحقيقا لمصالح الناس الدينية و الدنيوية وفقا لشرع الله تعالى ( ).

ثانيا:هي من الخطط الدينية التي تقوم على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وإداريا”تطلق على حسابات الدولة ، و جهاز المحاسبة و المواريث و مراقبة المكاييل، ثم اختصت بمهنتي شرطة الأسواق و الآداب” ( ).

فبالنظر في التعريفين يتبين أنهما يؤولان إلى معنى واحد،يتجلى في كون مؤسسة الحسبة عبارة عن جهاز معنوي رقابي .

المحور الثاني: نشأتها

نشأت وظيفة الحسبة إلى جانب وظيفة القاضي، نتيجة تضخُّم ظروف الحياة في الخلافة الإسلامية، وهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومؤسسة الحسبة مرت من خلال ما يلي:

أولا :الحسبة في عهد النبي:

إن أول من احتسب في تاريخ الحضارة الإسلامية، هو رسول الله صلى الله عليه و سلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مرَّ على صُبْرة( )طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: “مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟”. قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: “أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي”(

ومما يدل على أهمية هذه الوظيفة منذ فجر الإسلام.رأينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يُعيّن أول محتسب في الإسلام، سعيد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه بعد الفتح، على سوق مَكَّةَ ( )،

ومن اللافت للنظر أن بعض النساء من الصحابيات قد استُعْمِلْنَ في هذه الوظيفة منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم ، فقد ذكر ابن عبد البر أن سمراء بنت نهيك الأسدية رضي الله عنها “أدركت رسول الله صلى الله عليه و سلم وعُمِّرَتْ، وكانت تمرُّ في الأسواق، وتأمرُ بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها” ) 

وظل نظام المراقبة والحسبة موجودًا طوال العهد الراشدي والأموي، وإن لم يحمل صاحبه لقب ألمحتسب إذ عُرِف هذا المسمى في العصر العباسي، وقد عين زياد بن أبيه عاملا على سوق البصرة في خلافة معاوية بن أبي سفيان 

ومنذ العصر العباسي بدأت وظيفة المحتسب تأخذ شكلاً مغايرا، فأصبحت معروفة بين الناس منذ الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ولذلك فتيسيرًا على المحتسبين، وتنظيما للمجتمع؛

نقل المنصور أسواق بغداد والمدينة الشرقية إلى مناطق أخرى متخصصة، وبعيدة عن مركز المَدِينةِ ودواوينها، فنقل الأسواق إلى باب الكَرْخ وباب الشعير، وعَيَّن لها محتسبِينَ، يُراقبون شؤونها، ويضبطون مخالفاتها .

ولأهميتها توالت مؤسسة الحسبة في كل حقب الحضارة الإسلامية.

المحور الثالث :وظيفة المحتسب

إن وظائف المحتسب متنوعة ومتعددة باختلاف النوازل التي كانت تطرأ على المجتمعات ، وكانت تتمثل في جوانب متعددة منها:

الجانب الاجتماعي

ــ مراقبة الموظفين للتقيد بالأعمال في مجالات حياة الناس ،وبالأخص في مراقبة المؤذِّن للتَّقَيُّد بأوقات الصلاة.

ــ مراقبة القضاة إذا تأخروا عن أعمالهم، أو انقطعوا عن الجلوس عن الحكم.

ـــ منع الأطباء من ممارسة مهنتهم إلا بعد اجتياز الامتحان .

ـــ الإشراف على الحرف ومراقبة المساجد والسلوك العام.

ــ المحافظة على البيئة كنظافة الطرق، والحمامات والمياه والهندسة العمرانية والرأفة بالحيوان بأن لا يُحَمَّل ما لا يطيق.

ــ منع معلمي الصبيان من ضرب الأطفال ضربًا مبرحا.

ــ مراقبة كل ما يَتَعَلَّق بالمجتمع وأخلاقه، كالحانات وشاربي الخمر، وتبرج النساء.

ــ الحفاظ على الهندسة المعمارية ودرء كل ما يخدش الحياء.

الجانب الاقتصادي

ـــ منع الغش في الصناعة والمعاملات، وبخاصة الإشراف على الموازين والمكاييل وصحَّتها ونسبها. ( )

ــ الإشراف على نظافة الأسواق

ومن خلال ما سلف، نستنتج أن الحضارة الإسلامية امتازت بهذه الوظيفة في مجتمعاتها وأعرافها، سواء المجال المادي أو المعنوي ، ومن ثَمَّ كانت وظيفة الحسبة بمنزلة التطبيق الرائع لأخلاقيات الإسلام وأوامره السلوكية.

ولمزيد من المحطات القوية البارزة التي ظهرت فيها مؤسسة الحسبة يرجع لدراستها بإسهاب في كتب التراجم والموسوعات النوازلية وكتب الحسبة.

مؤسسة الحسبة في الحضارة الإسلامية

الدكتور مصطفى البعزاوي

باحث في الدراسات الإسلامية

مكناس المغرب

كن صاحب أول تعليق على "مؤسسة الحسبة في الحضارة الإسلامية"

تعليقك يثري الموضوع