مع لطف الله

مع لطف الله مقال للكاتبة منه حازم .. كلما تأملت، زدت قناعةً بقدرته، كلما نظرت حولي، وجدت إبداعًا، عالَمًا كاملًا ترتبط فيه كل صغيرةٍ بكبيرة، لا شيء فيه خُلِق عبثًا،

مع لطف الله

بقلم منه حازم

لطالما لم أتحمَّل، وسقطتُ، وبكيتُ، ورأيتُ الستار يُسدَل على كل آمالي،

ثم يأتي الفرج مع قرب الستار من الأرض سنتيمترات، فينتصر الخير، وأُصبِحُ البطل، وكل ذلك فقط برحمة الله وكرمه!

شعرتُ بلطف الله في كثيرٍ من مواقف حياتي، عندما تأمَّلت، وابتعدتُ عن ملذَّات الدنيا، وتقرَّبْتُ له عز وجل؛

شعرت كيف يمكن جعل ملذَّات الدنيا هي الطريق للجنة، كيف أنَّ حُبَّه يرزق فينا اكتفاءً، فنشعُر ببُغْضٍ فطريٍّ للخطأ،

لا لأننا تربَّينا على أنه خطأ؛ بل حبُّنا لله طرد كل ما لا يلائم الاقتران به في قلبٍ واحد.

مع الله، قلت وداعًا للشعور بالوحدة، رأيتُ عطفه ومنعه لدموعي من الانهمار بعد الانكسار، رأيت عوضه لي عن كل ما فُقِد، وجدْتُ وِدَّه لي عندما رحل الجميع، ورحمته بي في صِدْق بقاء من بقي.

كلما سمِعتُ عن عفو الله بكيتُ، بكيتُ بسبب تلك المعاصي المتكررة التي لا أكفُّ عنها، وفي المقابل لا يكفُّ عن حمايتي وإكرامي!

فتجد العزيز الجبَّار القدُّوس السلام يبسط يده لعباده المساكين بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [النمل: 73].

كلما قرأت كتابه، وعددت كم المرات التي وعدني فيها بجنَّته بأقل مجهود، ورأيته يصف لي نعيمه الذي لا ينضب، ويعدني به، وأنه غير مخلف الميعاد،

ورغم ذلك تجد منا العاصين المتَّبعين لمن بيده أرواحهم!

لكن رغم أخطائي المتكررة أمهلني، ولم يهملني، وعندما عاقبني، علَّمني،

لم يرهقني؛ بل أعطاني رغم سوئي، كان – كما اعتدت منه – صادق الوعد؛

فقال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286] حتى في عقابه.

العالم الكامل

وكلما تأملت، زدت قناعةً بقدرته، كلما نظرت حولي، وجدت إبداعًا، عالَمًا كاملًا ترتبط فيه كل صغيرةٍ بكبيرة، لا شيء فيه خُلِق عبثًا،

دائرة الحياة التي تختل بعدم وجود مجرد كائن صغير وحيد الخلية، ما هذا النظام الدقيق؟

كل شيء في الكون شاهد على أنه الواجد الواحد الصمد، تأمَّل كيف للشمس ألَّا تُخطئ في ميعاد شروقها وغروبها يوميًّا؟

والكواكب، كيف لأشياء جامدة أن تدور في نظامٍ مُحدَّد، كيف لها ألَّا تخرج عن فلكها؟

كيف للأجرام السماوية أن تُعلَّق في السماء والجبال هنا راسخة على الأرض؟

وكيف للجبال أن تكون في اتِّزانٍ عما حولها فلا يقلُّ ارتفاعُها رغم العوامل البيئية المختلفة؟

كيف لهذا الجبل الضخم أن يختبئ أربعة أمثاله تحت سطح الأرض؟!

وكيف للنمل الصغير أن يعمل في هذا التناسُق الرهيب والتعاون الملفت، ويبني مستعمراتٍ، ويجمع ويُخزِّن الطعام؟!

كيف يعرف أنه يجب عليه أن يفعل هذا؟

كيف للنباتات أن تتغذَّى بالطريقة نفسها؛ لكنها تُخرج لنا أنواعًا مختلفة من الغذاء؟!

كيف للشجرة الكبيرة أن تَخْرُجَ من تلك الحبة الصغيرة؟!

وكيف لتلك الحبة الصغيرة أن تحوي هذا الكم من المعلومات الوراثية الذي يختلف من شجرة إلى شجرةٍ تليها؟

كيف لخليةٍ لا تُرى بالعين المجردة أن تتحمَّل معلوماتٍ عن كل ما يخصُّ ذلك الجسد المتناسق، وأن تقوم بدورها بعنايةٍ دون خطأ، مَنْ علَّمَها ذلك؟

أفلا يَدلُّ ذلك على العَلي الخَبير!

لا يجب أن نيأس لحظةً

ملايين الأشياء حولنا كلما تأملنا فيها زادتنا إيمانًا ويقينًا وحبًّا، زادتنا إحساسًا بالأمن والطمأنينة، أن الذي أبدع هذا الكون بأسره وفضَّلنا دونًا عن كل ما خلق، لن يؤذينا أبدًا.

لا يجب أن نيأس لحظةً أو نعترض على قضائه، إنه دائمًا هنا، في تلك المواقف الصغيرة التي تجبر بخاطرك المنكسر،

في كل مرةٍ أوشكت أن تقع في ورطةٍ كبيرة ونجدك، وفي ذلك الموقف المؤسف الذي شعرت معه بنهاية العالم، فيُسِّرَ لك به انفراج عقدةٍ أخرى لم يكن لها حل في عقلك البشري.

كنت، وما زلت، وسأظلُّ مؤمنةً بوجوده، أنا لا أراه؛

لكني أجد صفاته وقدرته يوميًّا، حليمًا غفورًا عفوًّا ودودًا حكيمًا عليمًا واسعًا خبيرًا، أقرب إليَّ من حبل الوريد، وفي كل شيء حولي،

يربت على قلبي كلما حزنت، وكلما تلعثمت وأنا أدعو، يُسَخِّر لي عباده كي يخبرني أن استمري، سأحميكِ، سأدُلُّكِ على الصواب، وأعيدك مهما انحرفتِ عنه.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]،

صدق الله العظيم.

منه حازم

menahazem@gmail.com

https://www.alukah.net/sharia/0/132121/

كن صاحب أول تعليق على "مع لطف الله"

تعليقك يثري الموضوع