تطلع المرء للراحة و السكينة

تطلع المرء للراحة و السكينة

تطلع المرء للراحة و السكينة مقال لـ تيموثي.ش.أرثر . ترجمة : أمل عمر بسيم الرفاعي ، تناول الكلام عن تحقيق الراحة النفسية في الحياة والتخلص من القلق

تطلع المرء للراحة و السكينة

تيموثي.ش.أرثر . ترجمة : أمل عمر بسيم الرفاعي

هناك القليل من الأشخاص الذين لا يَكمن العنصر الأساسي لمفهومهم عن السعادة في الشعور بالسكينة…

كما أن أكثر الأشخاص الذين تقاذفتهم عواصف ونوائب الحياة,

والذين لم يجدوا العزاء, يتطلعون آخر الأمر إلى نهاية ما يمرون به من مآسٍ بالحصول أخيرًا على السكينة.

لذا كان تطلُّع المرء إلى السكينة وإلى الراحة النفسية مرتبطًا بمخيلته على الدوام بصورة الجنان,

وهذا ما قد يجعل المرء يقول في نهاية الأمر بعد الكثير من التخبّط والمعاناة:

“كم قد يكون في الموت من راحة ومن سكينة!…

” ولابدّ أن يجد من يتمتع بنعمة الإيمان بأن الخلود في الجنان هو المظهر الذي تتجلّى به السكينة,

وبأن الجنة هي المكان الذي يتحرّر فيه المرء من كل ما يتسبب له بالقلق وبالاضطراب,

وبأنه المكان الذي لا يُعكر صفو الهدوء فيه أي صوت,

والذي لا يسمع فيه المرء سوى نغمات التراتيل الدينية التي تُشبه همس المياه المُتدفقة من الينابيع,

والتي تمنح المرء هدوءًا أكثر عمقًا من سكينة الصمت.

لكن المرء قد يتوق أحيانًا إلى الراحة والسكينة إلى الحدّ الذي يجعله يُعزّي نفسه ليس فقط بتلك الرؤى البعيدة للجنان وإنما أيضًا بالسعي إلى تجربة جوهرها…

ولكن السؤال الذي يطرح هو: ما هي الوسيلة للتوصل إلى ذلك؟…

هل هي بأن يعمد المرء إلى أن يترك خلفه كل ما كان يلهث لأجله دون جدوى في سباق الحياة,

بأن يلجأ إلى مكان بعيد بإمكانه أن يستمتع فيه بالهدوء والسكينة؟…

قد يحاول المرء خوض مثل تلك التجربة,

لكنه سوف يجد بسرعة بأنه لم يُفلح بالتخلّص من قلقه وبأنه لم يشعر بالسكينة,

وسوف يكون بذلك قد تلقّى أخيرًا درسًا هامًّا في الحياة (بأن السكينة ليست مُرتبطة بالمكان وإنما تنبع من قرارة النفس),

وبأن السماء الهادئة,

وبأن دائرة الأفق والنجوم الراسخة في كبد السماء ليست سوى لغة السكينة لكنها ليست السكينة ذاتها…

السكينة في الحياة العائلية

وقد يبحث المرء عن السكينة في الحياة العائلية بأن يجعل كل شيء في منزله يسير على هواه,

بحيث تُنير منزله الأصوات المُحببة المُتناغمة التي تُبهج النفس والتي تحلّ حتى أثناء ظُلمة الليل مكان إشراق شمس النهار…

لكن المرء قد يُخفق أيضًا في ذلك, فقد لا يشعر بالسكينة على الرغم من اعتقاده بأنه لديه ما يكفي لأن يشعر بتلك الراحة والسكينة.

فقد يتفوق عليه في ذلك أحد الجوار ما يجعله يشعر بالغيرة التي سوف تُنغّص عليه صفو حياته العائلية.

أو قد تتولد لديه أحيانًا الرغبة بالمزيد من الملكية, أو ربما يُسيطر عليه الحسد وسوء النية أو قد ترفض حواسه ابتلاء وألم المرض…

لذا فليست السكينة في الأمور الخارجية التي تكون دعائمها محدودة, دعائم قد تزول مع مرور الوقت أو أنها قد تَبهت وتصبح مُملّة,

ذلك لأن مدارك الإنسان لايمكن أن تكتفي بمجرد خداع النفس ولأن للمرء نفس مُتعددة الرغبات,

ولأن هناك دومًا ما يأمل به المرء…

فهو حتى وهو في غمرة انغماسه في المتع واللذات,

لابدّ أن يكتشف الحقيقة الأبدية بأن في زوال المتعة ألم يُضاعف سعادة الحصول عليها…

وقد يعتقد المرء أحيانًا بأنه سوف يحصل على السكينة بطريقة أخرى,

وذلك بأن يتخلى عن جميع المتع الدنيوية وبأن يذهب إلى مكان بعيد مُقفر يعيش فيه على الماء والأعشاب فقط لكي يستغرق في نشوة التُقى والوَرع.

وكثيرًا ما نجح الإنسان في ذلك أكثر من نجاحه في سعيه وراء المتعة,

لكن شعوره بالسكينة كان على الدوام ممتزجًا بالقلق رغم ما كان قد يتوصل إليه من سكينة. فقد تقاوم غرائز المرء التضحية,

وبذلك تُصبح تقواه ويُصبح تكريسه لنفسه, حتى وهو بمفرده تمامًا, غير مُرضٍ وبمثابة الأنانية.

وهكذا نرى بأن جميع الأشخاص يتطلّعون ويبحثون بطريقة أفضل أو أسوأ عن ذات السكينة والسلام والراحة النفسية.

السكينة في النشاط الخارجي

البعض يبحث عن لشكل ايجابي بممارسة النشاط الخارجي, وذلك بأن يعمد إلى السفر من مكان لآخر,

أو إلى التنقل من رفقة إلى رفقة أخرى, لكن كل ما يقوم به هؤلاء هو تغيير المكان فقط,

لكنهم لن يُغيّروا مُطلقًا مما هو في قرارة أنفسهم من قلق…

مثل أولئك الأشخاص يُثيرون الشفقة فهم يبحثون عن إخفاء عُري أنفسهم بالملابس أو باللهو أو الثرثرة لكي يُخفّفوا من حرارة النيران التي تُلهب قلوبهم.

فقد نشاهد أحيانًا الوجوه الأكثر بهجة في عربات الحداد,

وقد ينظر إليك الأشخاص الأكثر كآبة وأصحاب القلوب المتألمة التي تُعاني,

بابتسامة ظاهرية وبضحكة بهيجة مُشرقة.

وقد يبحث آخرون عن السكينة في الانطلاق إلى المزيد من المغامرة,

فهم بذلك مثلهم مثل البحارة والضباط والتجار والمتعاملين بالأموال والعاملين في الميدان السياسي الذين يدفعون بأنفسهم إلى حياة المغامرة لكي يتحرّروا من فراغ قلوبهم المتألمة أملًا بأن تجعلهم مجازفتهم في الأعمال التجارية أو أن تجعلهم وتغييرات الحياة السياسية,

ينسون فراغ أنفسهم فهم بذلك يحاولون التغلب على شعورهم الداخلي بالقلق بتعريض أنفسهم للمجازفات,

لكنهم بذلك أيضًا يخدعون أنفسهم بالاعتقاد بأنهم في طريقهم إلى الحصول على السكينة…

هل يتوق المرء إلى السكينة والراحة إلى هذا الحدّ دون أن يجدها قطّ؟…

نعم!… هذا ما أثبتته التجارب الإنسانية على الرغم من أن الأمر ربما كان كذلك في أحوال نادرة وعلى الرغم من أنه غير مؤكد بعض الشيء…

سكينة النفس

هذا هو وضع سكينة النفس! ولكن عندما تعمل قُدرات المرء معًا بشكل مُتناغم,

دون أن تُنازع الواحدة الأخرى ودون أن تُعيق إحداها الأخرى فسوف تتكامل معًا قد تنشط طاقة محددة في طبيعة الملاء الإنسانية وتتوجّه نحو نهاية نبيلة لديها استقلاليتها في التصرف,

لكنها بذات الوقت لابد أن تعمل جميعها بتناغم, كل منها مع الجميع وجميعها مع كلٍّ منها,

وهو الأمر الذي يمكن أن نُطلق عليه تعبير ضبط النفس ورباطة الجأش… كما أن السكينة والراحة النفسية لا يمكن أن تكون بعدم المبالاة ولا بالبلادة وإنما بالنشاط بشكله المثالي وبأرفع مستوياته. لذا فقد نجد بعض الأشخاص الذين ولدوا بقدرات مُتوازنة تمامًا؛ لذا فإن توصلهم إلى السكينة,

يكون بالعمل وبالكفاح في الحياة. كما أن أكثر الأشخاص وعلى رأسهم الأشخاص الأقوياء,

يولدون مُنظمين ومُتوازنين مما يُمكّنهم من التوصل إلى حلّ لغز الحياة,

ويكون بإمكانهم بذلك مقاومة أنفسهم. وقد يكون هؤلاء الأشخاص في البداية غير متوازنين تمامًا بحيث يَتغلب جزء من شخصيتهم على الجزء الآخر,

وهم بذلك أشبه بالبحر الهائج الذي لا يمكن أن يهدأ. لذا على المرء أن يعمل على توظيف قدراته وميوله للتوصل إلى الأهداف السامية,

تصحيح النواقص وتلافي العيوب

ولكي تتناغم تلك القدرات معًا لابدّ أن يكون إدراك المرء وأن تكون نظرته إلى حقيقة الحياة صائبة…

لابدّ للمرء أن يتمتع بإرادة قوية وأن يكون لديه هدف مُحدّد وفكرة سامية وذهن يتعلّم من التجربة تصحيح النواقص وتلافي العيوب,

وهو الأمر الذي يتطلب منه التحكّم بنفسه وبعواطفه التي كانت سابقًا تتحكم به. على العقل أن يسود على الإحساس و على الواجب أن يسود على النزوات…

لابدّ أن يتعرّض كل منا في الحياة إلى الكثير من الأحزان وأن يواجه العديد من النوائب فقد يخسر شخصًا عزيزًا عليه وقد يكون حزنه عليه دون عزاء,

لكن على المرء أن يحاول التأقلم مع فكرة فقدان من يحبهم, دون أن يعمد إلى نسيانهم تمامًا,

وذلك بأن يتوجّه بأفكاره إلى المكان الذي ذهبوا إليه إلى أن يصبح فقدانه لهم ليس بالخسارة التي لا عزاء فيها,

وأن يدرك بأنهم انتقلوا إلى عالم أفضل وأكثر نقاء, وبأن الابن, الابنة, والأخ, الأخت أو الزوج الزوجة هم جميعًا من الخالدين في كنف الله ـ تعالى ـ وليسوا أمواتًا تحت الثرى,

وهذا هو ما يجعل المرء يتمالك نفسه ويتوازن,

وهذا ما سوف يجعله يحصل على الراحة والسكينة…مقالات مختارةتيموثي.ش.أرثرترجمة : أمل عمر بسيم الرفاعيالتدقيق اللغوي: خيرية الألمعي

مقالات مختارة
تيموثي.ش.أرثر
ترجمة : أمل عمر بسيم الرفاعي
التدقيق اللغوي: خيرية الألمعي

راجعها للنشر في حديقة المقالات : حسن بن علوان الزهراني

كن صاحب أول تعليق على "تطلع المرء للراحة و السكينة"

تعليقك يثري الموضوع