الدولة العراقية وعدم الاكتراث بالمعالم الأشورية لحضارة العراق 2\4

الفن الآشوري

الدولة العراقية وعدم الاكتراث بالمعالم الأشورية لحضارة العراق 2\4 للكاتب فؤاد الكنجي

بيان رسالة الفن وعلاقتها بالسياسة وأن رسالة الفن مرتبطة وتكوين الوعي ، والتعبير الصادق في الفن الآشوري ، موضحاً بمثال عن التعبير عن السلطة في الفن الآشوري

الدولة العراقية وعدم الاكتراث بالمعالم الأشورية لحضارة العراق 2\4

فواد الكنجي

ولما كان حديثنا عن أهمية التراث والآثار والفنون في بناء نهضة المجتمع،

فإننا لابد إن نمعن النظر في مقومات التي تفرزها هذه الجوانب في تهذيب الروح في المجمع الإنساني التي تجعل من الإنسان أكثر وعيا ورقيا،

وهي لا محال إفراز من إفرازات ثقافة المجتمع الواعي بكونها مرآة تعكس واقعهم والتي يجب إن ترتقي وتتوجه نحو الإمام دون الانحراف والتراجع؛

وهذا التوجه نحو الإمام والمستقبل يجب إن يكون بمستوى الإحساس بالقيم الجمالية تربويا وأخلاقيا وبالعمل الجاد والوعي والمعرفة والعلم لخدمة القضايا الوطنية ودفاع عن تربة الوطن وتاريخه؛

والتي جلها تمثل عصب نجاح وتطور لأي مجتمع واعي ومتحضر،

ومن هنا فان ما يقع على عاتق الفنانين ومؤسساتهم الفنية اكبر لتزكية ثقافة المجتمع ورقي لحضارتهم لخلق نهضة مجتمعية تنهض بالبلد وتنشا أجيالا تخرج منهم قيادات حكيمة تقود نهضة الدولة والمجتمع.

رسالة الفن لا تنفصل عن السياسة

لذلك يتحتم في المرحلة التي نعيشها اليوم بتكالب قوى الشر والجهل والظلام واختلال معاير وموازين ومسار العدل

وكل المفاهيم السلبية الغير الصحيحة التي انتشرت في عالمنا العربي لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية والتي داهمت حياة مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة،

لذلك يكون لنخب التي تحمل وعيا معرفيا وعلميا و ثقافيا وفنيا مسؤولية كبرى لتصدي وفضح النوايا الشريرة لقوى الشر والإرهاب وأصحاب الفكر ألظلامي الذين يحاولون إرجاع عجلة الحياة إلى الخلف ونحو التخلف والضياع،

وهذا التصدي لا يكون إلا بتبني المفاهيم الايجابية لبناء تنوع فكري وثقافي واحترام الرأي وتقبل الأخر في المجتمع؛

ومواجهة رؤية الجهلاء والأميين والمتخلفين من الأشرار وحاملي الفكر ألظلامي برؤية تنويرية وبأساليب العلم والمعرفة والفن و رسائله؛

التي لها مفاهيم إنسانية راقية بإمكانها إزالة التوترات والنزاعات والاختناقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،

فبقدر ما يملك (الفن) من رسائل إنسانية وأخلاقية وجمالية،

فان إبعادها وتأثيراتها تفوق على الإعمال السياسية وحتى العسكرية،

لان رسالة (الفن) لا تنفصل عن السياسة؛

لان هناك روابط فيما بينهما؛

وهذا الرابط لا يحسها إلا المبدعين في قضايا الإنسانية والوطنية،

لان (السياسة) و(الفن) ما هي إلا محصلة لقدرات اقتصادية واجتماعية وثقافية،

لان (الفن) هو احد عناصر الفاعلة والمحركة في السياسة،

فـ(الفنان) وما يقدمه من أعمال إبداعية هي رسائل يفهمها المجتمع بكل تنوعاته وفئاته وطوائفه ومذاهبه وأديانه وقومياته،

وليست رسائله موجهة حكرا لقومية ودين وطائفة ومذهب بعينه،

لان رسالة (الفن) رسالة سامية تتوجه للإنسانية جمعاء دون تميز،

لان كل ما يقدمه الفنان إنما يأتي بهدف توصيل رؤيته وفكره جماليا لكل المتلقيين مهما تعدت ثقافاتهم وأذواقهم وميولهم؛

رسالة الفن وتكوين الوعي

وكل فرد يحلل العمل الإبداعي حسب ثقافته وحريته ووعيه،

ومن هنا فان رسالة (الفن) تعمل كوسيلة ايجابية لتكوين الوعي وتنشيطه في الفكر الإنسان وبما يتعلق بقضايا الوطنية والإنسانية،

ولهذا فان رسالة (الفن) منذ فجر التاريخ والى يومنا هذا اعتبر (الفن) وسيلة من وسائل الحوار والتواصل بين المجتمعات – حسيا – متجاوزا حدوده المحلية،

لان منطلقات لغة (الفن) تفهم من قبل كل الأمم والأعراق والجنسيات،

لان لغة (الفن) هي محور تستشف تعبيراتها من خلال رؤية إنسانية لجماعة (ما)،

بكل ما تحمل من قضايا ضمن نسيج حضارتها وتطورها؛

ومن ثم يتوسع نطاقها ليشمل كل المجتمعات في العالم،

والتاريخ يوضح ذلك في مجمل معطيات ومفاهيم المجتمعات ضمن حدود الإبداع والتي توضح طبيعة ألبنيته الأساسية والعقائدية للمجتمع؛

ومن ثم تتوسع بما تسعى للارتقاء ضمن طبيعة الإنسانية،

وهذا ما تم تجسيده عبر إبداعات الفنانين في العصور القديمة والحديثة،

وهو الإطار الذي بني فيه الفنان (الأشوري) في حضارة وادي الرافدين – العراق الحالي – تراثه وفنه،

ليتم تسليط الضوء عن طبيعة المجتمعات (الأشورية) آنذاك؛

التي هي من أوائل المجتمعات في تاريخ حضارة العراق والعالم؛

والتي استطاعت إن تبني حضارتها عبر انجازات رائعة شملت كل جوانب الحياة المعرفية والعلمية والفنية؛

وقد استخدم الفنان (الأشوري) النحت الحجري البارز؛

فرسم ونقش منحوتات على الجدران (الآجرية) والتي كانت تقام وتجسم فوق أساسات حجرية حول ساحات مدنه أو داخل القاعات،

عبر فيها عن طبيعة أنشطة الحياة التي كانت سائدة آنذاك،

وقد اعتبرت الفترة ما بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد العصر الذهبي لـ(الفن الأشوري)،

بما امتاز بالبراعة والابتكار والتأليف والتعبير؛

ليوضح الفنان عن مدى ما بلغت الإمبراطورية (الأشورية) في وادي الرافدين من قوة ورفعة ملوكها سواء في (نينوى) أو (نمرود) أو (بابل)؛

الفن الآشوري والتعبير الصادق

وقد كان الفنان (الأشوري) حريصا على التعبير الصادق لكل أنشطة الحياة وإظهارها بشكل الذي كان يلبي طموحات ملوكهم في بناء حضارة شامخة ليتم عبر إعمال الفنانين تسليط الضوء على انجازاتهم كمؤرخين لإحداث تلك العصور،

فعملوا النحاتين على تطريز قصور الملوك بالمجسمات مذهلة لتعبير عن عظمتهم،

وكان من بين تلك المجسمات والتي وجد منها أعداد كثيرة وبإحجام مختلفة في مختلف بقاع (الإمبراطورية الأشورية) هو تمثال (الثور المجنح) الذي يعتبر والى يومنا هذا من ابرز منحوتات الحضارة (الأشورية)،

والتي يعتبر رمزا لتلك الحضارة لحجمه الكبير ولكثرة عدد ما تم نحته و ما تم اكتشافه من قبل بعثات الآثار،

و تمثال (الثور المجنح) يتكون من رأس إنسان وأجنحة عملاقه وجسم ضخم لثور نحت بشكل تعبيري منسق في غاية الدقة والروعة والجمال؛

ومن صفاته المميزة أن له خمس قوائم تظهر أربع منها إذا شوهد من الإمام وتظهر الخامسة إذا شوهد من الجانب،

لنستشف بان الفن (الآشوري) أبدعه الفنان في ذلك العصر بمظاهره المختلفة معبرا عن قوة المملكة ورفعة ملوكها،

حيث لم يسبق في تاريخ أية إمبراطورية في العالم إن يحكم الدولة 116 ملكا إلا في عصر (الإمبراطورية الأشورية)،

وهناك مجسمات لهذا (الثور) من أربعة أرجل أيضا،

ليجمع هذا التمثال بين (ألقوة) و(الحكمة) و(السلطة)،

فتم تجسيد ذلك في هذا المخلوق الذي نسميه بـ(الثور المجنح) كرمز للعنفوان والقوة والشراسة، والذي كان يعبر عن (قوة) المملكة (الأشورية) المتمثلة بملوكها؛

وقد استخدم الفنان (الأشوري) تعبيرات متعددة في هذا التمثال ليجسد فيه معاني متعددة التعبيرات لمفاهيم أراد تسليط الضوء عليها في هذا المنحوت الذي يعتبر اللبنة الأساسية لمدرسة (الفن التعبيري)،

فعبر الفنان في هذا التمثال عن مفهوم (الحكمة) التي كان يتحلى بها ملوك (أشور) بتجسيد رأس (الثور) برأس إنسان الذي يمثل شكله بهيئة (الملك) بلحيته وهيبته ورؤيته ووقاره؛

الفن الآشوري والتعبير عن السلطة

إما تعبير الفنان عن (السلطة) – فقد عرفت (الإمبراطورية الأشورية) بتوسع إدارة سلطاتها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا؛

حيث توسعت بشكل مذهل لدرجة التي سموا ملوك (أشور) ملوك الجهات الأربع – فتم تجسيد ذلك بإظهار (الثور المجنح) بخمسة قوائم لدلالة عن إن القوائم الأربع هي قوائم التي تحكم المملكة (الأشورية) على الجهات الأربع؛

ويكون ارتكازها في قلب (نينوى) عاصمة (الإمبراطورية الأشورية) بتمثيل ثبات الحكم فيها بالقائم الخامس (لثور المجنح)،

بينما تم نحت (الثور) بوجود أجنحة كبيرة له تعبيرا بان (الملك الأشوري) قادر على الوصول كالطير العملاق لأي بقعة من أراضي الإمبراطورية بسرعة هائلة،

وتم تجسيد ذلك بجعل التمثال ضخما وكبيرا – دلالة عن العظمة – ليصل طوله إلى نحو أربعة أمتار ونصف المتر ووزنه يصل إلى 30 طنا،

وقد اكتشف هذا المنحوت الضخم من قبل عالم الآثار البريطاني (اوستن هنري لايارد 1871 – 1894) الذي قام بنقل أعداد كثيرة من هذه الآثار لثيران المجنحة إلى (لندن) من (نينوى) وغيرها من المدن (الآشورية)،

حيث توجد اليوم في المتحف (البريطاني) إضافة إلى أنواع لا تعد وتحصى من الآثار (الأشورية) والرقم الطينية؛

والتي في مطلع هذا العام 2019 قام المتحف البريطاني في (لندن) عرض قسم من الآثار (الأشورية) التي لم تعرض سابقا ومن ضمنها محتويات من المكتبة الملكية للملك (الأشوري) العظيم (أشور بنيبال)،

كما إن وجود الآثار (الأشورية) لحضارة (العراق) لا يقتصر وجودها في (بريطانيا) فحسب بل يشمل وجودها في متاحف عديدة من مدن العالم ومن أشهرها (باريس) و(برلين) و(نيويورك) و(شيكاغو).

ومن هنا نستطيع القول بان الفن (الأشوري) في حضارة وادي الرافدين تميز بمظاهر متعددة كان أبرزها النحت البارز والمجسم،

واعتبر تمثال (الثور المجنح) من أهم مميزات هذه الحضارة بما يتضمن من رموز (القوة) و(السلطة) و(الحكمة) – كما قلنا – وهذا ما يفسر بكثرة أعداد المكتشفة من هذا التمثال في بلاد الرافدين وسوريا؛

ليصبح رمزا لهوية الحضارة (الأشورية)،

ورمزا لهوية العراق الحضارية.

نبذة عن الكاتب

فؤاد الكنجي
فؤاد الكنجي فنان تشكيلي من العراق. ولد في عام 1957 في مدينة كركوك بالعراق,و حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة الحديثة من جامعة بغداد عام 1983. إضافة إلى الفن التشكيلي اصدر عديد من المؤلفات بداية من ديوان الشعر بعنوان ( ضوء على مياه الثلج) عام 1983 في بغداد, ثم ديوان الشعر بعنوان ( مراثي الجسد ) عام 1984 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( البكاء الأخير ) قصيد ولوحات عام 1985 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان( سحب الذاكرة ) قصيد مرسومة عام 1987 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( أحزان قلبي ) في بغداد عام 1992 , ثم اصدر ديوان الشعر ( حرائق الحب ) في جزئيين الأول تحت عنوان ( رسالة ساخنة إلى الخائنة –م- واللامعقول في سيكولوجية الحب ) ..

كن صاحب أول تعليق على "الدولة العراقية وعدم الاكتراث بالمعالم الأشورية لحضارة العراق 2\4"

تعليقك يثري الموضوع