الحيَّالة

الحيَّالة

الحيَّالة مقال للكاتب عبدالرحمن الشدي يسلط فيه الضوء على فئة من الناس مبدؤهم الحيلة في كسب المواقف وتسويق السلع واستغلال المرضى والتجاوز على القانون .

الحيَّالة

عبدالرحمن بن عبدالله الشِّدي

الكتابة عن هذا الصنف من البشرية مهمة شاقة وتحتاج الى شقاوة حقيقية ونباهة

فأنت تسلط الضوء على فئة لا تسلك الطريق الصريح في الأنظمة ولا السائد من العادات والتقاليد

وإن رأيتها تتقيد بشيء من ذلك فاعلم يقيناً أنها إما مكرهة أو أنها تسعى لمأآرب أخرى لا تتنبه لها إلا بعد زمن ،

هناك مقولة شهيرة تقول ” من عاش بالحيلة مات بالفقر ”

أظن أن كثيرين اليوم باتوا لا يؤمنون بهذه المقولة وأن استشهدوا بها

إلا أنك تجدهم يهرعون لأي حيلة من شأنها أن تنقذهم من ورطةٍ ما أو تختصر لهم طريقاً طويلاً في قضاء حوائجهم

حتى ولو ارتكبوا محظوراً شرعياً أو قانونياً فهناك مبررات دوماً لأفعالهم بعضها لا يقبلها حتى العقل ،

أنا شخصياً وبكل صراحة أجد متعة في مخالطة مثل هؤلاء

لا إيماناً بما يفعلون ولكن هناك جانب مهم في سلوكياتهم الا وهو الذكاء والقدرة الفائقة على المراوغة

وإن إختلفنا معهم إلا أننا نجد أنفسنا أحياناً أمام مواهب حقيقية من شأنها أن تحدث تغييراً جوهرياً في مجتمعاتها لو أنها تم توظيفها بشكلٍ صحيح ،

لكن أيضاً علينا أن نتوحد جميعاً ضد هذا النهج خصوصاً مايمس الأفراد نتيجة أفعالهم

فبعض ” الحيَّالة ” قد تجرد من إنسانيتة تماماً فتراه يؤذي ويتباهى بشنيع أفعاله وينسلخ من القيم بشكل تتأفف له الأنفس السوية ،

وقضايا الميراث باب كبير لمثل هؤلاء

ومحاكمنا اليوم تعج بالقضايا التي يطول فيها الأخذ والرد والسبب تلكم الشخصية المحتالة التي قد وصل بها الحال أن تجد من ذويها فريسة سهلة لها ،

لا أعلم تفسيراً علمياً دقيقاً يفسر لي هذه الظاهرة مع أنها تواجدت في كثير من المجتمعات منذ الأزل

فالمحتالون متواجدون في التاريخ وعلى مر العصور ،

لكن أظن أن الجشع وحب الذات إذا خالطهما ضعف إيمان تسببا في ولادة هذة الشخصية ،

حيل بيضاء

وهناك بعض الحِيَل التي لا ترتقي لهمم الناس ولا توقع بهم ضرر دائم بل وأجد شيء من الطرفة فيها ،

أذكر أني في الصيف الماضي قد اعتدت على شراء “البطيخ ” من أحد الباعة المتجولين بسيارته وأصبحت عميلاً له

وأكثر ما جعل مني زبوناً دائماً عنده هو الجهد المظني الذي يبذلة في البحث عن حبة ” بطيخ ” تليق بي كزبون مميز

والطريقة هي أن يطبطب على حبات البطيخ واحدة واحدة حتى يجد ” الطيبة ” فأشتريها وأذهب مبتهجاً بها ،

حتى تنبهت عند مروري به في نفس اليوم أنه لم يتبقى لديه شي من حمولته وأن كل حبات البطيخ تم الطبطبة عليها وصولاً إلى الحبة الأخيرة وأنه لا شيء مستثنى من البيع !

وأن ماحصل معي هي حيلة تسويقية بلهاء لا أكثر ،

وناقشت البائع في هذا الأمر ولم أصل لنتيجة علمية دقيقة معه أعتمد عليها في شراء البطيخ

إلا أني أصبحت أمارس الطبطبة مع الباعة موهماً إياهم أني ” فاهم ”

ولا أعلم إلى هذه الساعة هل هم يروني بعين الخبير أو بعين ” التنكة ” ! الله أعلم ،

أيضاً في زيارتي لأحد مراكز الحلاقة ولأول مره وعند جلوسي على الكرسي أخذ الحلاق يطيل النظر للحيتي وجوانب رأسي ثم يتنهد ويسألني:

” وين حلقت آخر مرة ؟! ”

هو بهذا السؤال قد أرسل لي إيحاءً يقول فيه أنه تم العبث بحلاقتي الأخيرة وأنه علي أن لا أعود لحلاقي السابق وأن أبقى عنده دوماً ..

وبعد أن سألته عن سبب سؤاله إمتنع عن الجواب

وهو بإمتناعه هذا يرسل لي إيحاءً آخر وهو أن أخلاقه تمنعة من أن يقول شيئاً في شريك مهنته

وبعد أن حلق لي تمنيت أني لو لم آتي إليه أبداً ،

حيل سوداء

هذه بعض المواقف العابرة ” للحيَّالة ” والتي ضررها يصنف بأنه عابر ،

أما ما يصل للمضرة الحقيقية التي تصل للمال والصحة والحقوق فيجب الوقوف عندها ومعالجتها والحرص بأن لا تتكرر

كما حصل لي مع أحد أطباء المرافق التجارية عندما زرته وأنا أعاني من وعكة بسيطة جداً

فصرف لي من الأدوية أربعة أنواع إضافة إلى إبرتين في الورك وجلسة بخار

وكأني أصبت بداء قد إنقرض وعاد من خلالي ،

هؤلاء ” حيَّالون ” قتلة على المدى البعيد يجب الأخذ على أيديهم ومحاسبتهم ،

ما أجمل أن يعيش المرء في النور وأن يسلك كل الطرق المباحة التي تخلو من الريبة ومخادعة الناس

وأن يعتمد على كسب رزقة بالحلال ولن يضيعة الله فهو كافل الإرزاق وموزعها ومقدرها

فعندما تؤمن بذلك إيماناً قاطعاً لن تضطر لأي حيلة مهما وجدتها متاحة أمامك

فتربية النفس على الإستقامة من أجلِّ ما تفعله أيها الإنسان فعائد تربيتها لا تجنيه أنت وحدك بل كل من حولك

حتى مجتمعك له نصيبٌ منها .

دمتم بنوايا بيض وعقول نيِّرة ..

الكاتب : عبدالرحمن بن عبدالله الشِّدي

كن صاحب أول تعليق على "الحيَّالة"

تعليقك يثري الموضوع