الربيع العربي … تأملات و عِبر

الربيع العربي … تأملات و عِبر

الربيع العربي … تأملات و عِبر مقال للكاتبة سارا محمد سامي تطرق لتعريف الربيع العربية وتاريخه ، وواقع الثورات الحالية

الربيع العربي … تأملات و عِبر

سارا محمد سامي

بعد مرور ما يزيد عن ثمانية أعوام على اندلاع الشرارة الأولى للثورات التي اجتاحت الرقعة العربية

بدءا من تونس و منها إلى مصر و ليبيا و سوريا و اليمن وصولا إلى الجزائر و السودان

فقد كان لزاما علينا تتبع آثار هذه الثورات و تَبِعَاتها لتقييمها

خاصة و أن البعض أضحى يعتبر كل تطلعات العالم الحر من هذا ” الربيع ” العربي مجرد أضغاث أحلام
و انه في حقيقته شتاء عابس ينذر بطوفان عظيم.

هذه الثورات الشبابية التي أسقطت أنظمة كانت قائمة لسنوات طويلة أشعل فتيلها شاب تونسي عاطل عن العمل يدعى محمد البوعزيزي حين احرق جسده احتجاجا على الوضع الاجتماعي القاتم

ليتَفتّح بعدها مباشرة الياسمين من تونس الخضراء و يفوح عبقه على كل المناطق المجاورة .

المتتبع للساحة العربية يلاحظ أن اغلب من يتصدرون الشأن الصحافي يسقطون

إما في فخ التشاؤم الشديد فتجد أن تقييمهم لهذه التحركات هو عبارة عن مرثيات لحلم جميل مات و قُبر و تحول إلى كابوس مزعج

و على الطرف النقيض فان الحالمين يتغاضون عن الكوارث التي نتجت عن هذه التحركات كالإرهاب و التدهور الاقتصادي اللا مسبوق

إضافة لفشل الأنظمة الجديدة على التغيير و حتى تحقيق الاستقرار .

الجميع ينسى او يتناسى الجيل الجديد الذي أنجبته هذه الثورات ,

شباب بتصورات جديدة و تطلعات متحررة مختلفة تماما عن الأجيال التي سبقت .

المنتحرون

“إنّهم من فرط حرصهم على الحياة ينتحرون

ومن فرط كرههم للموت يقدمون عليه…

هم أوّل جيل لا “يستشهد” بل “ينتحر “

هكذا يلخص الفيلسوف العربي فتحي المسكيني الفكر الجديد الذي يحمله شباب الثورة في مقال بعنوان المنتحرون…أو تشغيل الموتى
فرغم محاولات الجماعات الدينية المتشددة السيطرة على الشباب باستعمال مظلة الدين

إلا أن هذا الشباب برهن غير مرة انه عصي على الادلجة و أن معركته الحقيقية هي معركة حرية و كرامة إنسانية
فالمعارك الاديولوجية لا تعنيه و المثال المصري خير دليل على ذلك

فذات الشباب الذي اسقط نظام مبارك و مهد الطريق للإخوان المسلمين لحكم مصر

هو نفسه من اسقط الإخوان المسلمين حين تجاهلوا المطالب الاجتماعية الحقيقية و سقطوا في التجييش الاديولوجي و الولاء الحزبي الأعمى .

النموذج السوداني بدوره نموذج يستحق كل الاحترام و التقدير
فالشباب السوداني و رغم طول انتظاره لنسائم الحرية لم يسقط في فخ العنف رغم التعامل الأمني المكثف لسلطات الرئيس المتنحي عمر البشير
الذي ادعى في وقت سابق أن انقلابه العسكري قبل أكثر من 27 سنة خلت هو النسخة السودانية للربيع العربي الحالي
و أن هؤلاء الذين ينتظرون قدوم الربيع العربي إلى السودان سينتظرون طويلا .

رد الشباب السوداني لم يتأخر و نجح هذا الجيل الجديد في إسقاط نظام البشير
رغم المساندة التي يحظى بها من إيران و الصين و روسيا.

يبدو المشهد العربي اليوم عبارة عن مزيج غير متجانس من مطالب تحررية و فوضى و أزمات شديدة
إلا أن هذا لن يمنعنا من تجاهل بريق الأمل الذي يحمله الجيل الجديد

كما حمله قبل مئات السنين الشباب الفرنسي الذي أنجب لكل أوروبا روحا جديدة غيرت كل شيء
رغم الاضطرابات و الكوارث الدموية التي عقبت الثورة الفرنسية.

سارا محمد سامي

كن صاحب أول تعليق على "الربيع العربي … تأملات و عِبر"

تعليقك يثري الموضوع