خسر المسوفون

خسر المسوفون مقال للكاتبة الأستاذة نعمة القحطانيالمسوفون

خسر المسوفون مقال للكاتبة الأستاذة نعمة القحطاني .عن التسويف وتأجيل الأعمال . خسرالكسالى، المرهقين من أعمالهم المتكدسة، المحبطين من أوقاتهم الضيقة، الهاربين إلى الرتابة

خسر المسوفون

بقلم نعمة القحطاني

خسر المسوفون الكسالى، المرهقين من أعمالهم المتكدسة، المحبطين من أوقاتهم الضيقة، الهاربين إلى الرتابة، والمجهزين على مقولة “لا تأجل عمل اليوم إلى الغد”.

لست هنا لأتفلسف، ولا لأتعرى أمامكم بمماطلتي التي خسرت كثيرًا بسببها ، بسببي أنا.

أكتب مقالي هذا لأنني تضررت كثيرًا وعلى كل الأصعدة، جسديا، نفسيا، واجتماعيا،

وما زلت حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها مقالي هذا فمُذ مايقارب الثلاثة أعوام، بعد تخرجي من الجامعة قمت بتأجل الكثير من الأشياء.

أمورًا كثير كان لابد من تغييرها وأمورًا أكثر كان لابد من توفرها في شخصيتي، ونشاطاتي، وطريقة عيشي، وعلاقاتي، وعاداتي.

في بداية كل سنة جديدة أعتزم انجاز أشياء سبق وقلت أني سأنهيها في وقت قياسي فأقوم بوضع خطط متكاملة من أجل اتمام كل شيء كما أرغب. تأتي سنة أخرى بلا انجاز وأقوم باعداد جدول آخر كسابقه ويزيد، ثم لا شيء.

الأمر منهكٌ حقًا ومخجل، قد لا تدركون ذلك، لكنه حقًا مرهق أقصد تدوين الجدول بحماسة مبالغٍ فيها ثم لا انجاز.

مذ شهرين مضيا وأنا أحاول جاهدة أن أشحذ همتي لكتابة مقال أو اثنين،

كخطة بديلة لتخفيف الضغط الذي كنت أشعر به هذا ماعقدت الأمر عليه في حالتي هذه.

ليس من أجل أحد إنما من أجل كلمةٍ قد قطعتها على نفسي بأن أكتب مقالًا كل نهاية أسبوع وبشكل منتظم بلا تسويفٍ أو تخاذل وهذا أمر يجب ان أعاقب نفسي عليه إذا لم أقم به.

فماذا حدث؟ الأمر بالغ الحزن يا أصدقاء لقد كنت أسوف أكثر مما يجب، أكثر مما تظنون،

فكل ما فعلته طول شهرين هو كتابة بعد الخواطر السخيفة والملاحظات الرتيبة عدا ذلك لا شيء يذكر.

تسويف وخسارة

وقبل أسبوع من الآن كنت أهم بإكمال مهام قد أعددت خطتها،

وهي مهام ذات أهمية قصوى في مجالين مختلفين أحدهما تطوعي والآخر شخصي،

ولكن يا للخيبة كنت أسوف بالأمر حتى فاتت الفرصة المرتقبة مذ شهور عديدة،

وخسرت أشياء لم يكن لها من داع لو أنني قمت بكل شيء في وقته كما يجب فلدي الكثير من الوقت المهدر لا على شيء سوى هاتفي وبعض المشاهدات الممطوطة والمكررة والكثير من النوم والتحديق اللامتناهي في الفراغ المبهم.

التسويف مرض ما أن يتمكن منك حتى يدمرك فتصبح بلا انجاز، يشل عزيمتك ويثقل وقتك.

سوفت أمورًا لم يكن علي أن أسوفها ربما لأنني كنت مغرورةً بعض الشيء بقدراتي والتباهي ببعض السخافات التي لا يرجى منها نفعًا،

لكن ذلك وبلا شك جعلني أندم وأغتاض كثير من نفسي.

لا أنجز الكثير وقتي يموت بين فيلم وكتاب وسريرٍ مثقلٌ بالتراكمات الفتاكة ذلك جميل بعض الشيء،

لكنه رتيبٌ أيضا، لاشيء يأتي من اللاشي، لابد من القيام بشيء مغاير، بشيء ذا نقلةٍ ملحوظة.

لا أخفيكم مرارة الأمر شعرت وكأنني كنت أكذب، أكذب على نفسي “والكذب هو عدم انضباط” كما قال بيسوا.

تظن أنك ستنجز الكثير وترغب في الانتباه فقط للحظة الراهنة وكثيرًا ما كانت هذه اللحظة الآنية شيء من التفاهة واللهو.

الأمر ليس كذلك فحسب بل أنك كلما سوفت تكدست روحك باللاشيء، فراغٌ مطلق،

وأكوامٌ من الأعمال تنتظرك بعينين يابستين إن لم تقضي عليها في وقتها قضت عليك لاحقًا ودون رحمة.

لن تعرف هذا إن لم تتضرر كما تضررتُ، ولست مضطرًا للتجربة أيضا.

فقط حافظ على أداء مهامك كما يجب في وقتها وعلى تمامه بالضبط وستكون مرتاحًا راضيًا عن نفسك لانجازك المطلوب منك.

الأمر أشبه بالدين وهذا حقيقي أنت مدين بأشياء لا بد من أن تقوم بأدائها فتأخيرها لن يزيحها عن مسؤوليتك وتطلعاتك،

أنت من يجب أن يقوم بها وعليك أن تتذكر أن الهدف لن يأتي بل أنت من عليه أن يركض إليه.

تأجيل المهمات يسبب الضغط

قد تشعر بأنك إذا قمت بمحاولة لأداء مهمتين متتاليتين تظن أن ذلك يشكل ضغطًا واجهادًا عليك في الحقيقة هو كذلك، ولكن فقط إذا قمت بتأجيلها.

أما إذا ساعدت نفسك وعقدت أمرك على انهائها فذلك يشكل راحةً ورضا تامين.

ليس لدي خطط كثيرة للحفاظ على أداء المهام في وقتها، لكنني مذ فترة قررت توبيخ نفسي واطلاق الشتائم العديدة والمرهقة لا أعرف لما علي فعل ذلك،

لكنه يُؤتي أُكله بعض الشيء.

وأحيانًا كثيرًا أرهب عقلي بأنني سأموت ولم انجز شيئا بعد ووحده هذا الرهاب كافيًا لمساعدتي في هذه الفترة العصيبة.

تذكروا أن المفلح هو من أدار وقته بانتظام، وحفظ وعده على الدوام، وأنجز مهامه بالتمام.

ملاحظة/ الخطة كانت تقتضي بأن أكتب المقال فيما بعد الظهيرة بدقائق كوني منذو ثلاثة أعوم لم يحدث وأن استيقظت قبل الظهر عدا أيام معدودة كنت فيها مجبرةً على الاستيقاظ،

لكنني سوفت الأمر حتى الرابعة مساءً،

ثم أجلت ما تبقى من إضافات إلى الرابعة فجرًا اليوم التالي، لأنني اشتهيت عيلولة ما بعد العصر،

كان بإمكاني طردها بنفجان شاي أو بخروجٍ صغير من السرير. ألم أخبركم بأن التسويف مرض،

وقد استفحل فيّ؟! فلا تكوني مثلي، وادعو الله لي ولكم بالشفاء.

كن صاحب أول تعليق على "خسر المسوفون"

تعليقك يثري الموضوع