كيف يتقي الشاب أخطار الشباب للأستاذ علي سيد منصور

كيف يتقي الشاب أخطار الشباب

كيف يتقي الشاب أخطار الشباب للأستاذ علي سيد منصور نشر في مجلة الهداية الإسلامية، الجزء السادس، المجلد الرابع ص313، ذو القعدة 1350هـ تكرر في هذا المقال عبارات أيها الشباب ، الشاب، الخطر، الشباب، الإلحاد

كيف يتقي الشاب أخطار الشباب للأستاذ علي سيد منصور

كيف يتقي الشاب أخطار الشباب (1) للأستاذ علي سيد منصور

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فيا أيها السادة، لما كانت مرحلة الشباب هي المرحلة الرهيبة في حياة الإنسان حيث تحفُّه أثناء قَطْعِها الأخطارُ،

وتعترضه عقبات الأهواء، وتتفتح أمامه مهاوي الفساد، وتهجم عليه جيوشُ الشهوات،

وكان قاطعُها في حاجة ماسة إلى سلاح قوي يتَذرَّع به لدفع غائلة أهوالها، ومرشدٍ يرشده لأفضل السبل وأبعدها عن أخطارها؛

حتى يتسنى له أن يسير إلى مراده في أمان ويبلغ غايته بسلام،

ولما كنت أنا أحد المجتازين تلك المرحلة، الخبيرين بأحوالها_ أحببت أن أتحدث إليكم عما وصل إلى علمي من شؤونها، باذلاً قصارى وسعي في تشخيص ما وقعت عليه من أدوائها؛

كي تضموا ما أذكره لكم عنها إلى ما لديكم من معلومات تتعلق بها؛ فيتكون لديكم العلم الكافي للتخلص من آفاتها.

وقبل التعرض لذكر أخطارها ينبغي أن نذكر مقدمة نشرح فيها حقيقة الشباب ونبين مقدار أهميته في حياة الإنسان.

شرح حقيقته: هو نَضَارةُ الجسدِ، وقوته، وقدرته على مزاولة أعماله بخفة ونشاط،

وهو اللمحة التي يكون فيها القلب ميداناً للأفكار المختلفة، والآمال المتضاربة،

واللحظة التي إذا وُفِّق الشخص فيها لضبط نفسه، وإيقافها عند حدود الواجب _ عاش بقية حياته في سعادة وهناء،

وإذا أطلق لنفسه العنان في متابعة الهوى قضى على عوامل سعادته، وعاش معيشة التعساء.

وهو الريح العاصفة التي تعصف بالألباب؛ فتميل بها عن جادة الصواب إن لم يتداركها لطف الكريم الوهاب،

والتيارُ الكهربائي الذي يسحر العقولَ؛ فيجعلها تبصر الأشياء مصبوغة بغير صبغة الحقيقة، وتطيش في الآراء والأحكام.

أما بيان أهميته: فقد أجدني في غنى عن ذلك؛ إذ كل ما نشاهده حولنا من المظاهر والآثار كالمباني الشاهقة والصروح العالية والمصنوعات المدهشة وقوة الدول، وانتصارها،

وعزها وهيبتها _ كل هذا متوقف على الشباب وإن يكن لبعض الشيوخ أثر في ذلك فقدرته على إبراز هذا الأثر وليدة جِدِّه وعمله في عهد الشباب.

فرصة الشباب

فالشباب هو الفرصة التي ينتهزها العاقل لبناء صرح مجده وسعادته فيها؛

فهو دعامة العز، وأساس العلى وسلم الرقي والفخار؛

فمن لم يُشَمِّر فيه عن ساعد الجد، ويستغله للعلم النافع لم يستطع بعده الحصولَ على شيء من أسباب الفلاح،

وقضى ما بقي من حياته على أسوأ حال، ولقد أدرك ذلك الشاعر الحكيم فقال:

إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً

فمطلبها كهلاً عليه شديد

وإذا قد علمنا أنه على هذا الجانب العظيم من الأهمية ينبغي أن نذكر أخطاره بعد أن نبين السبب الذي جعله مثاراً لهذه الأخطار

دون سواه، ثم نتبع كل خطر ببيان كيفية الوقاية منه.

أما السبب في ذلك هو توفر الدواعي المثيرة لغرائز الشرور التي جبل عليها الإنسان فيه؛

ولهذا كان أكثر ما يظهر من الشبان الأفعال السيئة،

ومن أجل ذلك كانت الوسيلة الوحيدة التي يتوسل بها العاملون إلى إصلاح أخلاق الشبان هي إضعاف دواعي

غرائز الشر، وتقوية غرائز الخير فيهم.

هذا هو السبب، ولنتكلم الآن عن المسببات وهي الأخطار مبتدئين بالأهم فالأهم.

الخطر الأول: يولد الشاب، ويترعرع، ويستمر في قطع أطوار الحياة ومراحلها؛ فأول خطر يستهدف له،

ويحس به هو خطر الشهوة الجنسية، فيحتل هذا الخطر قَلْبَه، ويملك عليه أعصابه ولبَّه،

وتتضاءل أمامه كل وسائل المقاومة، فيصبح من أجله في اضطراب شديد، وقلق عظيم؛

فإذا لم يُحَطْ بسياج يقيه عاقبته، ويحول بينه وبين أهواله أعمل فيه معاول الهدم، وانتزع من قلبه بذور الخير،

وصيَّره مجرداً من عوامل الفلاح، وتَعَسّر إخراج أثر هذا الخطر من قلبه.

الآثار السلبية التي تهدد الشباب

ولو فرض إمكانُ إخراجه فلا يخرج حتى يترك قلبه خرقة بالية لا تصلح لشيء في الحياة،

وأرضاً سبخة لا تنبت بها أشجار السعادة؛ فمن المُشَاهد أن من لم يتحصن منه بالوسائل المشروعة،

وسلك سبل الفسوق _ يصاب بالأمراض الفتاكة التي تضعفه عن القيام بواجباته،

ويتجرد من الغيرة والشهامة والعزة وكل الصفات العالية التي لا يكون الرجل كاملاً إلا بها، ويبدد أمواله فيما لا ينفع،

فيغدو فقيراً معدماً، ولا يرجى له بحال أن يسلك سبل الهداية؛ فمن شبَّ على شيء شاب عليه،

ومن شاب على شيء مات عليه.

وإذا لم يسلك هذه السبل فلا بد من تأثره بالطوارئ الناجمة عن الاختلاط كالحب والغرام مما يعبث بالقلب،

ويفعمه بالأماني الباطلة؛ فينصرف عن واجباته،

وتضيع أوقاته فيما لا يجدي، وإن نجا من ذلك فلا ينجو من الذكريات الأثيمة،

والأفكار الخبيثة التي تلعب بعقله، وتصرفه عن سبل السعادة.

أما السياج الذي ينبغي إحاطة الشاب به؛ لينجو من ذلك الخطر فهو يتركب من عدة أمور:

أولاً: على أولياء أمور الشبان أن يزودوهم في صغرهم بالأخلاق العالية، ويشوهوا لهم الرذيلة،

ويشرحوا لهم آثارها الوخيمة في الدنيا والآخرة؛ فإنهم إذا علموهم ذلك في ذلك العهد الذي تكون فيه نفوسهم على استعداد عظيم لقبوله وتأثيره فيها،

ثم سوَّلت لهم أنفسهم الفاحشة _ ردعتهم ضمائرهم عن ذلك، وخافوا تلك العواقب السيئة.

وعليهم أن يزوجوهم عند بلوغهم أشدَّهم، فيضعف في أنفسهم الداعي إلى الفساد.

وليعلم أولئك الأولياء أن هذين الأمرين من حقوق الأبناء عليهم التي أمر بها الشارع الشريف.

الزواج المبكر

ثانياً: على الشاب أن يتزوج عند بلوغه الحلم إذا كان في وسعه ذلك،

ولا يسوِّف طمعاً في المآرب البعيدة من أنه سيتزوج في المستقبل فتاةً راقيةً ذات حسب ونسب وجمال؛

فإن ما يجنيه من وراء ذلك التسويف المنافي للدين على فرض حصوله وإن كان ذلك نادراً لا يقاس بجانب ما يعتري جسمه ودينه من الأمراض والعلل في تلك المدة،

وإذا لم يستطع الزواج فليكثر من الصوم، وليتجنب ما استطاع أكلَ المواد المثيرة للشهوة؛ فإن ذلك يساعده على ضبط نفسه.

وقد أمرنا النبي “بذلك حيث قال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛

فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء.

ثالثاً: على الشاب أن يتجنب النظر إلى الأجنبيات؛ فالنظر بريد الزنا، وعدمه راحة للقلب، وفيه سعادة عظيمة كما قال _ تعالى _:

[قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ].

ولقد أجاد بعض الشعراء في وصف أثر النظر حيث قال:

وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً

لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابر

وعليه ألا يقرأ أحاديث الخلاعة والمجون، ولا الجرائد والمجلات التي تنشر صور السيدات على أشكال مثيرة للشهوة،

أو تتعرض لِذِكْرِ الغرام؛ فإن ذلك يحرك بالقلب الهوى، ويقدح زناد العشق،

ولا يذهب إلى دور الصور المتحركة والتمثيل الخليعة؛ فإنها تسوقه إلى هاوية الفجور،

ولا يسكن بالأوساط التي لا احتشام فيها؛ فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

الحذر من صحبة الأشرار

رابعاً: يجب على الشاب الذي يودُّ أن يعيش سعيداً أن لا يصحب الأشرار؛

فإن صحبتهم تقود إلى ملابسة الرذيلة، وتصرف المرء عن طريق الخير؛ وذلك لأنهم يحبذون شرورهم لمن صاحبهم،

ويشجعونه على ارتكابها.

بل إن طَبْعَهُ يسرق من طباعهم ولو لم يقصد ذلك؛ فكم شاهدنا من شبان كانوا على جانب عظيم من الهداية،

فلما اصطحبوا بالأشرار أصبحوا مجردين من كل خير.

وهذا مصداق قوله “: إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير،

فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة.

خامساً: يجب على الشاب إذا هاجت، وسولت له نفسه الفاحشة أن يبادر في الحال بالاشتغال بأمر آخر يكون صارفاً له عنها؛

وذلك كأن يقوم من مكانه الذي هو فيه، ويذهب للرياضة، أو لزيارة صديق صالح، وكأن يقرأ في كتاب، أو يتوضأ ويصلي؛

فإن اشتغاله بمثل هذه الأمور مما يكبح جماح النفس.

وخير الأمور التي تصرفه عنها هو مراقبته لله _ تعالى _ فإنه إذا أشعر نفسه أنه في حضرة الله _ تعالى _ وأنه يراه حيثما كان،

وعلم أنه سيحاسبه على ذلك، ويجازيه عليه في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا بإذهاب بهاء الوجه، وبركةِ الرزق والعمر،

وتسليطِ الفساق على عرضه، وابتلائه بالمصائب العديدة، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار الحامية.

إنه إذا أشعر نفسه ذلك كله وقت هياج الشهوة فلا بد من انطفاء لهيبها، ورجوع النفس إلى صوابها.

وهذه المراقبة هي معنى الإحسان الذي بينه النبي ” بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.

سادساً: على أولياء أمور النساء ألا يسمحوا لهن بالخروج في الطرقات متبرجات متزينات؛

فإنهم إذا سمحوا لهن بذلك كانوا قاضين على أخلاق أبنائهم، وصارفين لهم عن واجباتهم الدينية والأخروية.

دور السلطات في حفظ الشباب

وعلى الحكومة أن تسن القوانين لمنع هذا التبهرج الشنيع؛

فإنها إذا ظلت تاركة باب الحرية للنساء في التبرج مفتوحاً على مصراعيه كانت جانيةً بذلك على أخلاق رجال المستقبل،

وسائقة لهم إلى بؤر الهلاك، ومانعة لهم من النهوض بأمتهم إلى العلى؛

وكيف يرجى للشبان النهوض بأمتهم وقد أضحت قلوبهم غرضاً تنتابه سهام النساء من كل صوب حتى مزقتها،

وملأتها بالأفكار المقلقة، والأماني الباطلة؛ فأصبحت خراباً لا يوجد بها أثر لِلْفِكَر السامية والأماني المفيدة؟!.

وعلى الشاب المسكين في هذا العصر الذي أصبحت النساء فيه لا تقع العين إلا عليهن في كل مكان أن يجاهد نفسه،

ويصرف نظره عنهن، وإن كان ذلك شاقَّاً عليه؛

فهو سهل بجانب الثمرة التي يجنيها من وراء ذلك، وليعلم بأن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات،

وهو خير له من التقلب على جمر وخزات النفس، والاكتواء بمياسم الذكريات الأليمة.

هذه هي أهم الوسائل التي يتقي بها الشاب ذلك الخطر الداهم.

قد يقول قائل: إن تقيد الشاب بهذه الوسائل شاقٌّ جدَّاً، ومن المتعسر فعل واحدة منها عند ثوران النفس،

فأقول له: نعم إن التقيد بها شاقٌّ، ولكن عند بدء استعمالها فقط، فإذا كان لدى الشخص إرادةٌ قويةٌ وعزيمةٌ صادقةٌ،

ووطَّنَ نفسه على استعمال هذه الوسائل مدة من الزمن؛ فإنها تصبح عادة من عاداته لا يجد فيها أدنى مشقة.

وهذا أمر مقرر في علم التربية وقد ضربوا لذلك مثلاً بمن يريد أن يتعلم الكتابة،

ويحسِّن خطه فإنه يجد ذلك في بدء الأمر شاقَّاً حتى إذا زاوله كثيراً صارت الكتابة وحسن الخط عادة لديه لا يجد فيها أدنى صعوبة.

(1) مجلة الهداية الإسلامية، الجزء السادس، المجلد الرابع ص313، ذو القعدة 1350هـ.

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_في_الشباب

#علي_سيد_منصور

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

 

كن صاحب أول تعليق على "كيف يتقي الشاب أخطار الشباب للأستاذ علي سيد منصور"

تعليقك يثري الموضوع