إلى شباب محمد للشيخ العلامة محمد الخضر حسين

إلى شباب محمد

إلى شباب محمد مقال للشيخ العلامة #محمد_الخضر_حسين وجّه فيه نداءاً للشباب نشر في مجلة الهداية الإسلامية الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر، والدعوة إلى الإصلاح ص101_103، تكرر في هذا المقال عبارات أيها الشباب ، الدين ، الصنف ، الشباب، الإلحاد

إلى شباب محمد للشيخ العلامة محمد الخضر حسين

إلى شباب محمد (1) للشيخ العلامة #محمد_الخضر_حسين

أيها الشباب الناهضون:

تعلم حق اليقين أنه دين الإسلام منبع العزة في الدنيا، ومرقاة السعادة في الأخرى، يدري هذا من درس أصول الدين،

واطلع على أسرار أحكامه وآدابه، ولا يزال المسلمون في سلامة وسيادة،

حتى حادوا عن سبيله، ونكثوا أيديهم عن عروته الوثقى،

وكان عاقبة ذلك أن سقطت أوطانهم في أيدي أعدائهم، وأصبحوا لا يملكون لأنفسهم رأياً ولا نفاذاً.

وكان يهوِّن هذا الخطب أنَّ انحراف المسلمين عن شريعتهم الذي كان سبب ضعفهم _ لم يكن إلاَّ إهمال الواجبات العملية عن غفلة، أو تغلب شهوة،

والغفلة تداوى بالتنبيه، والشهوات تقاوم بالموعظة الحسنة.

ولكن أمتنا بعد أن انحدرت بها الأهواء في تلك الحفرة من الذلة أصيبت بعلة أخرى هي أسوء أثراً،

وأشأم عاقبة من علتهم الأولى، وهي ابتلاء كثير من أبنائنا بزيغ العقيدة،

ومحاكاة المخالفين حتى في الآراء المخالفة لجوهر الدين.

وإذا كان خسران العقيدة _فيما سلف_ قد يبتلى به أشخاص متفرقون، ويبالغون في كتمانه، وإنما يظهر في لحن خطابهم،

أو ينقله عنهم بعض من يسرون إليه به _ فإنه في هذا العصر قد تفشى حتى أصبح الملاحدة، والإباحيون،

يصرخون في المجالس العامة، أو على صفحات المجلات أو الجرائد بما لا يختلف علماء الإسلام في أنه رِدَّة وخروج على الدين إلى حد بعيد.

وليس من العجب أن يُلْحِد أبناؤنا الذين نشأوا في بيئات لا تعرف من الدين إلا اسمه،

ولم يلاقوا إلاَّ النفر الذين تصدوا لمحاربة الدين بجهالة أو بسوء قصد.

وإنما العجب أن تجد الإلحاد والإباحية في نفر نشأوا في معاهد إسلامية، ولكنهم يتسترون بتأويل القرآن المجيد،

والحديث النبوي الشريف تأويلاً لو سلكناه في تأويل كلام أحدهم لغضب منه، وعدَّه رمياً له بالعيِّ أو العبث بأوضاع اللغة العربية.

إذن فالزائغون عن الرشد في أوطاننا صنفان:

1_ صِنْفٌ نشأوا في بيئات شأنها الطعن في الدين، ولا عمل لها إلاَّ إيراد الشبه مجردة من الحجج التي تدفعها،

وتُقِرُّ الحقائق في مواضعها.

2_ وصِنْفٌ نشأوا في معاهد إسلامية، ولكنهم لم يدرسوا الدين دراسة جِدٍّ وتحقيق تجعلهم في حصانة من أنْ تأخذهم الشبه،

وتخدعهم زخارف الحياة، ولم يملكوا من خشية الله _تعالى_ ما يمنعهم أنْ يقولوا على الله غير الحق.

وتقويم الصنف الأول من الملاحدة أيسر من تقويم الصنف الثاني؛ إذ الصنف الأول قد يجلس إليك بصفتك داعياً إلى الإصلاح،

فيصغي إليك عندما تتصدى لدفع شبهة وإقامة حجة،

فإذا بصر بالشبهة ذهبت، وبالحجة أضاءت لم يلبث أن يجيب دعوتك متأسفاً عما سبق له من الغواية،

مغتبطاً بما وفقه الله إليه من هداية.

أما الصنف الثاني وهم الذين يلحدون بعد قطع مراحل من التعليم الديني _ ففي دعوتهم من ظلمات الزيغ إلى نور الرشد عُسْرٌ؛

إذ يُخَيِّل إليهم أنهم عرفوا ما يعرفه الدعاة،

ولم يجدوا موصلا ًإلى حق، وهذا التخيل يصدهم عن الإصغاء إلى الدعوة،

وإذا أصغوا إليها فإنما يقصدون في غالب أمرهم استكشاف موضع ضعف يهاجمونها منه.

وهذا الصنف أشد ضرراً على الأمة من الصنف الأول؛ إذ الصنف الأول قد يكون إلحاده مقصوراً عليه،

وإن قام بدعاية إلى الإلحاد فإنَّ الناس لا يستمعون إليه؛ إذ هو محمول على الجهل بحقائق الدين وأصوله.

أمَّا ذلك الذي يخرج لهم في زي رجال الدين، أو يذكر أنه درس الدين حتى انتهى إلى غاية بعيدة _ فكثيراً ما يغرّ الغافلين من الشباب أو العامة؛

إذ يسبق إلى أذهانهم أنَّه يتكلم على بينة، ولا ينتبهون لما يحمل في صدره من زيغ،

ولا لما يضمر في نفسه من أغراض دنيئة.

أيها الشباب الناهضون

أقول هذا أيها الشباب الناهضون؛ لأذكركم بأنكم ستلاقون شُبَّاناً سرى إليهم وباء الإلحاد والإباحية من اتصالهم بنفر أعرف بطرق المكر،

أو أبرع في صناعة البيان، فخذوهم بالحكمة والرفق، وسعة الصدر عند المناقشة؛ فإنكم تدعون إلى الحق،

وللحق ضياء ينكشف إزاءه كل باطل، وإن خرج في ثوب مستعار من الحق.

وأنكم ستلاقون فئة ممن يدّعون أنهم درسوا الدين وهم زائغون عن سبيله،

وقد يجنحون بكم إلى طريقة التأويل الفاسد، فازدروا أقوالهم، وارموا في وجوههم بالحجة،

ولا تهابوهم ولو لبسوا العمائم؛ فإنها قد تنصب على رؤوس لا تفكر إلاَّ في وسائل المكر بالدين الحنيف.

وهذه الخيانة تكسبهم ضعفاً، وتجعل مسالك القول أضيق عليهم من سَمِّ الخياط؛

فلا يقفون لجدالكم إلا بمقدار ما يعرفون قوة إيمانكم وثبات أقدامكم.

وإنكم ستلاقون فئة بَاضَ اليأَس من الإصلاح في قلوبهم وفَرَّخ،

ويصارحونكم بأن الدعوة إلى الحق في هذا العصر من قبيل النقش في الماء، أو الضرب في حديد بارد،

فإنْ تعذر عليكم اقتلاع هذا اليأس من نفوسهم فاعلموا أنَّ خلف يأسهم جبناً، ولا خير لكم في محادثة الجبناء.

وإنكم ستمرون بأشخاص مَردوا على التهكم والاستهزاء،

فيهمسون في الآذان، ويتغامزون بالأعين، وكذلك كان أمثالهم يستهزؤون بالدعاة إلى الخير،

فَيجِدُون من الدعاة إخلاصاً وثباتاً يذهب كل استهزاء من حولهما لاغية،

فدعوا المتهكمين والمستهزئين في هزلهم، وامضوا في سبيل دعوتكم إلى الحق والفضيلة،

فستجنون بتأييد الله _تعالى_ ثمرتها، وتحمدون عاقبتها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهامش

(1) مجلة الهداية الإسلامية الجزء الثاني من المجلد الثالث عشر، والدعوة إلى الإصلاح ص101_103.

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_في_الشباب

#محمد_الخضر_حسين

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

 

كن صاحب أول تعليق على "إلى شباب محمد للشيخ العلامة محمد الخضر حسين"

تعليقك يثري الموضوع