Site icon حديقة المقالات

العلم والعقل للشيخ عبدالقادر المغربي

العلم والعقل

العلم والعقل للشيخ عبدالقادر المغربي : إن الإسلام دين علم وعقل قبل كل شيء؛ فهو قبل أن يكلف أتباعه تحصيل أي غرض من أغراض الدنيا يكلفهم بأن يكونوا عقلاء صحيحي الفهم، ثاقبي الفكر، جيدي البصيرة،

العلم والعقل للشيخ عبدالقادر المغربي

العلم والعقل (1) للشيخ عبدالقادر المغربي

إن الإسلام دين علم وعقل قبل كل شيء؛ فهو قبل أن يكلف أتباعه تحصيل أي غرض من أغراض الدنيا يكلفهم بأن يكونوا عقلاء صحيحي الفهم، ثاقبي الفكر، جيدي البصيرة،

يتدبرون الأمور قبل الشروع فيها، ويقلبون وجوه الرأي في مواردها ومصادرها، ومباديها ومصايرها؛ فلا تقع إلا على مقتضى الحق والعدل والمصلحة والواجب؛

كما يكلفهم أن يكونوا علماء عارفين بأسباب المصالح، وطرق المنافع، واقفين على الحقائق الكونية،

ملمين بتفاصيل التجارب العملية التي اهتدى إليها البشر في سابق أدوارهم، ومختلف أطوارهم مما يتعلق بتصحيح العقائد والعبادات،

وتقويم الأخلاق والملكات، وإتقان أمر المعايش والمعاملات، وترقية شأن الصناعات والتجارات، وتحسين سائر مقومات الحياة.

فالقرآن لما دعا الناس إلى الإسلام، وكلفهم قبول تعليمه وهدايته كان يقيم العقل حكماً بينه وبينهم،

ويعجب من انصرافهم عنه، وإهمالهم له، وترك الاستضاءة بنوره؛ فكان يقول وهو يحاجهم: [ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ].

[فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ].

[إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ].

[عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ].

[إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ].

و(الأبصار والألباب): العقول، وقد تكرر(أفلا تعقلون) في القرآن بضع عشرة مرة في صدد التوبيخ والتعجيب.

وكفى بهذا مزية ومنقبة للعقل مذ جُعِل للدين أصلاً، ولمصالح الدنيا عماداً.

وإنما حرم الخمر في الإسلام؛ خشية أن يسطو على العقل، فيفسده، أو يضعفه.

والعقل مِلاك سعادة الإنسان، وقوام حياته.

أما العلم فالقرآن رفع من شأنه ونوَّه بمنزلته بما لم يسبقه إليه سابق من الكتب السماوية، فقد قال _ تعالى _:[ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ]

بل إذا تدبرنا أول آيات القرآن نزولاً وجدناها تحض على العلم،وترفع من مكانة العلم، وهي قوله _ تعالى _:

[ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)].

[ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ].

فقد نوَّه في الآيتين بشأن القلم والكتابة، والعلم والتعلم.

هذا الشأن من شؤون الحياة ومصالح الدنيا هو أول ما فاجأ به القرآن البشر المخاطبين،

وأوقعه في أذهانهم؛ أفلا يكون معنى ذلك أن الإسلام دين علم، وأنه لا يرضى للمنتسبين إليه إلا العلم؟

ولا نظن أن كلمة من كلمات القرآن ـ عدا كلمة الله ـ تكررت فيه بقدر ما تكررت فيه كلمة (العلم).

فالإسلام إذاً هو (دين العلم) كما أنه (دين التوحيد).

ولما أراد الله أن يلقن نبيه “دعاء يدعو به لقنه أن يطلب في دعائه المزيد من العلم إذ قال له:[ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً].

والعلم إذا أطلق في لسان الشرع كان المراد به العلم النافع الموصل إلى سعادتي الدنيا والآخرة،

ذلك العلم الذي يتعلق بمصالح البشر مباشرة، وله الأثر البيِّن والنفع الظاهر في إتقان تلك المصالح، وإحكام أمرها، وتوثيق عراها.

أما العلوم المبنية على الوهم والتدجيل فإن الشارع لا يقيم لها وزناً.

العلم ينمو بالعمل

والعلم لا ينمو في نفس صاحبه إلا بالعمل، والممارسة والتطبيق؛ فإن العمل بالعلم على هذه الصورة يزيده ثباتاً ورسوخاً،

ويؤدي إلى انكشاف أمور من ذلك العلم كانت مجهولة، وانفتاح أبواب إلى غوامضه، وأسراره كانت مسدودة.

وهذا الأصل في العلم مما قرره الإسلام أيضاً في جملة ما قرر من الأحكام.

فالعمل بالعلم يتسبب عنه ـ بتيسير الله ـ علم جديد، ومعرفة غضة لم تكن حاصلة من قبل.

قال أمير المؤمنين علي: كل وعاء يضيق بما جُعِلَ فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع.

ووعاء العلم هو العقل، ولا جرم أن العقل يتسع وينمو كلما مُدَّ بالعلم وغذِّي بمسائله، ومن كلام جعفر الصادق: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل .

والمسلمون في زمن سلفهم الصالح كانوا على غير ما هم عليه اليوم من أمر العلم والتعلم، وحب الاستطلاع،

والحرص على تعرف الحقائق من غير لبس،

والجهر بها من دون ما خشية،

فلم يكن أحد من الصحابة ولا التابعين يقبل من آخر علماً إلا إذا عقله، وتدبره، وفهم السر فيه، ووجه المصلحة المتأتية عنه،

ويقول لراويه انظر يا هذا ماذا تقول، وخف الله، واحذره فيما تروي من النقول.

قلة العمل في العصور المتأخرة

أما في هذه العصور المتأخرة فقد اختلط الحابل بالنابل، واجترأ الراوي والناقل، وتراكمت على العقول الأبحاث والمسائل،

وصار من مقتضى الورع أن يذعن المسلم لكل ما تنقله الرواة، وتتداوله الأفواه، وإن صادم أحياناً أصلاً من أصول الإسلام، ولم يقم عليه دليل ولا برهان.

وهذه الفوضى العلمية التي خالفنا فيها سلفنا الصالح هي من أكبر أسباب انحطاطنا عنهم،

وانخزالنا عن مثل مواقفهم، وَفقْدِنا ما كان لهم من عزٍّ وصولة، وملك ودولة، حتى صدق علينا مضمون الآية الكريمة:[ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ].

ذكر السيد أمير علي الهندي في كتابه (تاريخ الإسلام) أنه كان يكتب على مدخل كل مدرسة في الأندلس هذه العبارة:

الدنيا تستند على أربع أركان: علم الأفاضل، وعدل الأكابر، ودعاء الصالحين، وجلال الشجعان.

وكما حذَّر الشارع من العلم الوهمي الذي لا ينفع حذَّر من دعاته وحملته، ونبَّه الناس إلى غوائلهم.

وعلماء السوء أنواع: الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال، أو يتخذون العلم حِبَالة لحظوظهم ومنافعهم الخسيسة أو وسيلة للإضرار بالناس،

أو يتعلمون من العلم أوهاماً ينافحون دونها؛ ليستفيدوا من ورائها جاهاً أو حطاماً، وغير هؤلاء ممن اتخذ العلم آلة شر وضر وإفساد.

هؤلاء علماء السوء نعوذ بالله من شؤمهم.

نهاية مقال : العلم والعقل

الهوامش

(1) الحديقة 8/ 40 _ 52، عام 1350هـ

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_علمية

#عبدالقادر_المغربي

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

 

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

Exit mobile version