Site icon حديقة المقالات

حسن الربط و الابتكار في الخطاب في أساليب الشيخ علي الطنطاوي – دراسة تحليلية 13\6

أساليب الشيخ علي الطنطاوي

دراسة تحليلية

بقلم : عبدالعظيم بدران

حسن الربط و الابتكار في الخطاب

قد تبدو أشياء على أنها متباعدة ولا صلة بينها، حتى يربط بينها كاتب أديب فيُبرز ما بينها في صورة عجيبة ومثيرة، وهذا ما فعله “علي” في كثير من المواضع التي كشف ربطه فيها بين العديد من الأشياء عن حضور بديهته وسعة ثقافته وطوع بيانه.

ولقد قدم خطابه مبتكرا في أسلوبه، لا نمطيا مملا، فهذه خطبة جمعة يقول فيها:

“افتحوا أي كتاب من كتب الفقه تروا فيه باب العبادات؛ وهذا وحده الدين في عرف الأوربيين، وباب المعاملات؛ وهذا هو القانون المدني، وباب العقوبات؛ وهذا هو القانون الجزائي، وباب المناكحات؛ وهو قانون الأحوال الشخصية، وأحكام الإمارة والبيعة؛ وهو الدستور، أي القانون الأساسي، وباب الجهاد؛ وهو القانون الدولي”[75].

ويذكر عبدالله بن المبارك بأنه “المليونير الزاهد، والفقيه المحارب العابد”[76].

وفي تصوير شفاف رائق تملؤه الحركة والألوان يقول:

“هنا ولدت دولة الإسلام، الدولة التي كانت يوما مؤلفة من أربعة فقط: القائد ومعه رجل وامرأة وصبي. أبو بكر وخديجة وعلي. ثلاثة يمثلون البشر جميعا: الرجال والنساء والأولاد، ثم صاروا أربعين، فكان منهم العرب، ومنهم الفرس يمثلهم سلمان، والروم يمثلهم صهيب، والحبشة يمثلهم بلال، وكان منهم بيض وسمر وسود… ثم صار الأربعون ثلاثمائة فانتصروا في بدر، ثم صاروا عشرة آلاف ففتحوا مكة، فلما صاروا مائة ألف مشوا يفتحون العالم”[77]. إنه مشهد متكامل ونحت تصويري بديع، بل تصوير حي تملؤه الحركة والأصوات والألوان، ويسمع منه صهيل الخيول وجلجلة الجيوش وتكبير الجنود، حتى وإن لم يذكر فيه كل ذلك.

ويقول في موضع آخر:

“كان محمد يقضي الليالي وحيدا على فراش الصخر، في الغار الموحش على حين كان ملوك الأرض ينامون على الحرير والريش في القصور العامرة، وحولهم الخدم والأعوان، ولكن محمدا كان أعز في الغار وأكرم؛ لأنه كان يتطلع إلى السماء، وهم ينظرون إلى الأرض فلما اتصل بالسماء ابتلع الغار القصور”[78]. إنها فقرة أشبه بقصة قصيرة جدا، انتهت بانتصار الحق على الباطل

الهامش

[75] – فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص13، وقد ألقيت هذه الخطبة من منبر مسجد جامعة دمشق 1951م.

[76] – ذكريات، علي الطنطاوي، 6/27.

[77] – من نفحات الحرم، علي الطنطاوي ص24.

[78] – من نفحات الحرم، علي الطنطاوي ص25.

المصدر

فهرس البحث

Exit mobile version