Site icon حديقة المقالات

عندما تتحدث الجبال وتعشق!

عندما تتحدث الجبال وتعشق!

نشرت في صحيفة (هتون الإلكترونية)
http://www.alhtoon.com/88530/

قرائي الأكارم/

بما أنَّي قد ارتضيت (اشتيار) وتعني (جني العسل)، عنوانا لهذه الزاوية، وطالما أن (الاشتيار) عادة وغالبا ما يكون من أقاصي أعالي الجبال، فلعله من المناسب أن يكون حديثي اليوم عن (الجبال).

فالجبال هي أول من أمرها الله عز وجل أن تُؤوب؛ أي (تسبح) مع سيدنا داود عليه السلام، قال تعالى:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ).

وأقسم الله تعالى بالطور، وهو – على خلاف فيه – الجبل الذي كلم الله سبحانه وتعالى عليه سيدنا موسى، قال تعالى: (وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ).

والله عزّ وجل اختار الجبال دون غيرها مثالا لتبيان أثر القران العظيم، وما ذلك إلا لصلابتها وصلادتها وقوتها، ورغم ذلك تخشع وتتصدع من خشية الله لو أنزل عليها القران الكريم، قال تعالى:

(لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وخشي بنو إسرائيل أن يوقع الله عليهم الجبل إن لم يؤمنوا بالتوراة كما يجب، قال تعالى:

(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

الجبال أنواعا وألوانا من آيات الله عزّ وجل، قال تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أنَزَلَ مِنَ السماء ماء فَأَخْرَجْنَا به ثَمَرَاتٍ مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا، وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ؛ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ).

تقول الكاتبة الأمريكية: (نيكول كانفيلد):

“ثمة شيء ما غيبي حول الجبال. شيء ما يجذبنا إليها، يؤمى إلينا ليبقينا منها أقرب وأقرب.

يا ترى ماهو؟ هل هو معانقتها لعنان السماء؟ أو قوتها التي لا تتزعزع؟ أو أحجامها الضخمة؟”

وتضيف (كانفيلد): “منذ آلاف السنين، والناس تتساءل عن عظمة الجبال، ونشأت عنها وحولها عدد من الأساطير والحكايا.

وغالبًا ما كانت مكانًا يستمد فيه الناس استيقاظًا روحانيًا، وكأنهم يتحدثون مع السماء.

لنأخذ في الاعتبار أن السيد المسيح عندما احتاج إلى مكان للصلاة والتأمل، ذهب إلى جبل الزيتون، ومُنِحَ الياباني (أوسوي) طاقة (الريكي) وهو يتأمل على جبل (كوراما)”. (1)

وفتية الكهف اعتزلوا قومهم الكافرين إلى كهف قيل إنه في جبل.

أعتقد – والله أعلم – أن طاقة الجبل الذي مكث فيه كهف الفتية، مع طاقة الشمس اليومية المتجددة، من الأسباب التي سخرها الله تعالى،

وساهمت بفضله عز وجل في بقاء الفتية أحياء، طيلة ذلك الزمن الطويل، علمًا بأن الله قادر على إبقائهم أحياء من غير تلك الأسباب، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم اعتزل قومه فترات من حياته قبل بعثته، وكان يذهب – للتحنث والتأمل – إلى غار حراء في جبل النور، كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت:

” …. ثم حُبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد الليالي ذوات العدد”.

و(يتحنث) تعني: يتحنف، أي يتبع الحنفية؛ دين إبراهيم عليه السلام.

وجبل (ثور) جبل له تاريخه المجيد، وشأنه العظيم في موكب المسيرة النبوية،

إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، قد اختبأَّ في غار شهير به، أطلق عليه فيما بعد (غار الهجرة)،

وذلك أثناء هجرتهما من مكة المكرمة إلى يثرب، وقد ظلَّ الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه في غار ذلك الجبل، ثلاث ليال مختبئين من المشركين المُطَارِدِين لهما.

ويقال – على خلاف في صحته – أن الحمامة قد وضعت بيضها هناك، وأن العنكبوت قد نسجت خيوطها على مدخله، وعندما رأى المشركون ذلك، ظنوا أن لا أحد بالغار، وتركوا أمر البحث في داخله.

والعارفون بالطاقة يقولون إن الجبال عموما هي من أكثر الأماكن التي تتواجد بها الطاقة الإيجابية.

والسيدة هاجر عليها السلام، كانت تطوف بين جبلي الصفا والمروة، بحثا عن الماء لطفلها إسماعيل عليه السلام، وكان لها ما أرادت بفضل الله،

والمؤمنون يطوفون في عمرتهم وحجهم بين تلكما الجبلين.

وفي حلقة تفسير وتأمل للشاب المصري؛ (أمين صبري) لسورة (التين)، على (اليوتيوب)، تطرق بإسهاب لافت لطاقة الجبال،

وذكر – والعُهْدَةِ عليه – أن من يذهب إلى جبل؛ (أي جبل)، أربعين مرة في العام، ولو مرورا عابرا، لن يصيبه مرض بإذن الله.

(الحج عرفة) وفي عرفة جبل (الرحمة) الشهير.

وابن سيدنا نوح عليه السلام، كان يظن واهمًا أن الجبل سيعصمه من ماء الطوفان.

قال تعالى:

(قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).

وطالما نحن نتحدث عن سيدنا نوح، فمن المناسب الإشارة إلى جبل عظيم ذي علاقة به؛ ألا وهو جبل (الجُوُدِي) الذي استوت عليه سفينته بعد انتهاء الطوفان، قال تعالى:

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

ويعتقد بعض المفسرين أن الجبال ليست من الأرض أساسا، وأن الله عز وجل قد ألقاها فيها من عَلٍّ،

ويستشهدون بعدة آيات في القران الكريم،

ومنها قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً).

ويقولون: “إذا كانت الجبال جزءا من الأرض، فــَــلِمَ يأتي ذكرها في الآية الكريمة بعد ذكر الأرض مباشرة؟

ألا يكفي أن تكون الآية على نحو ” إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض”،

وبالتالي تكون الجبال مشمولة بالخطاب ما دام أنها – كما يتصور الكثيرون- جزءا من الأرض؟”. (2).

ويستشهد بعضهم بقوله تعالى (وألقى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)،

وغيرها من لآيات باعتبار أن مفردة (ألقى) تعني ضمن ما تعنيه: (رَمَى، طَرَحَ).

وإن كان هذا التفسير موضع خلاف بين أهل العلم.

ونشفع مقالنا هذا باقتباس آخر لــــــــ (كانفيلد) المذكورة أنفًا، عن الجبال، وهو قولها: “كن منفتحًا على ما يقوله الجبل.

يعتقد الأمريكيون الأصليون أن الجبال تحدثت ذات يوم، لكن الآن لا أحد يستمع. كن على استعداد للاستماع والتعلم. وَتَجَلَّى مثلك مثل جبل”.

وإذا كان الأمريكيون اعتقدوا أن الجبال تحدثت، فالعرب مضوا إلى أبعد من ذلك،

واعتقدوا إن الجبال أحبت وعشقت بعضها البعض، ويذكرون أسطورة عن جبلي (طمية) و (قطن)،

تقول: أن “طمية”، وهو جبل (أنثى)، رأت في أحد الليالي الممطرة جبلًا على ضوء البرق يسمى “قطن”؛ وهو جبل ذكر،

وأُعجبت به أيما أعجاب، وشغفها حبا،

ويقع (قطن) هذا بين القصيم والمدينة المنورة، وفي منتصف المسافة بين المدينتين تقريباً، وقررت الانتقال من مكانها إليه،

وعندما قفزت مُتجهةً إلى الجبل كان هناك جبل آخر بالقرب منها يسمى (شلمان)، وهو حسب الأسطورة “ابن عمها”،

فلما رآها ترحل صوب (قطن) أحس بالغيرة، فرماها برمحه، وأصاب رجلها،

فسقطت بالقرب من محبوبها جبل “قطن” ولم تصل إليه، تاركة خلفها أعمق الفوهات في المملكة، التي تقع بالقرب من (حفر كشب) و(أم الدوم).

ولا أدري لماذا معظم قصص الحب عند العرب محكوم عليها بالنهايات الفاجعة، حتى لو كان ذلك الحب أسطورة بين جبلين!

الأمير الشاعر خالد الفيصل وظَّف ببراعة تلك الأسطورة في قصيدة نبطية له يقول فيها: انتزع قلبي مثل نزعة طمية

يوم هز العشق راسية الجبال

ساقها سوق المبشر للمطية

لين عاشت مع قطن حلم الليالي.

ولم تكتف الجبال بالحضور في الشعر النبطي، بل خلدت نفسها أيضا في الشعر العربي الفصيح،

ومن ذلك القصيدة العصماء لـــــ (ابن خفاجة)، يقول فيها واصفا الجبل:

فحدثِني ليلَ السُرَى بالعَجائبِ

وقال ألا كم كنتُ ملجأ قاتلٍ

وموطن أوَّاهٍ تبـتَّلَ تائبِ

وكم مرَّ بي من مدلجٍ ومـؤوِّبِ

وقـال بظلِّي من مطيٍّ وراكبِ

فما كان إلا أن طوتهم يدُ الردى

وطارت بهم ريح النوى والنوائبِ

و ثمة أسطورة أخرى تتعلق بجبلين شهيرين في منطقة (حائل)؛

وهما (أجأ) و (سلمى) تقول أن (أجأ) كان رجلاً من قبائل العماليق التي تسكن هناك، و (سلمى (فتاة كان يعشقها (أجأ)، وكانت تبادله العشق بعشق،

ولكن رفض أهلهما تزويجهما بسبب بعض الأعراف القبلية.

وفي يوم من الأيام هربت (سلمى) مع رفيقها (أجأ)، فطاردهما القوم حتى أمسكوا بهما بين جبلين،

وهناك قتلوهما وصلبوهما، (أجأ) على الجبل الغربي، و (سلمى) على الجبل الشرقي، فحمل الجبلان هذين الاسمين:

قال الشاعر لبيد:

أوت للشباح واهتدت بصليلها كتائب خضر ليس فيهن ناكِل

كأركان (سلمى) إذ بدت أو كأنها ذرى (أجأ) إذ لاح فيه مواسل

http://www.dr-rasheed.com/2013/08/blog-post_4.html

https://exemplore.com/magic/Mountain-Magick

Exit mobile version