حديقة المقالات

بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته ٤/١

بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته للكاتب فؤاد الكنجي

بريخت عمل على تعميق الوعي الإنساني في مسرحياته

فواد الكنجي

عرف عن (برتوليت بريخت 1898 – 1956 م) بكونه مسرحيا وشاعرا ألمانيا ملتزما ذو توجهات يسارية؛ عبر من خلال كتاباته إيمانه بالتوجهات (الماركسية – اللينينية)،

والالتزام عنده كمبدع في كتابة الأعمال المسرحية و الشعر ليس باتجاه الذي يفهم بكونه التزاما بأوامر السلطة الأعلى مهما كانت شكلها حزبية أو دينية أو اجتماعية؛ وذلك لان – أي التزام – يأخذ صفة (السلطة) فهو يرفضها رفضا قاطعا،

بقدر ما يكون الالتزام عنده متمثلا بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وبكل ما يوازي المعرفة والعقل والفكر وحرية الفنان وحرية الأخر وبحدود التي لا تقيد حرية الفرد إلا بحدود حرية الأخر في إبداء رأيه دون قمع وتروع وردع .

هذا هو مفهوم الالتزام عند (بريخت)،

التزام لا يكون مغلقا في حدود الانتماء البيروقراطية الحزبية أو بيد الساسة المحترفين والزعماء المستبدين،

ولأنه كان صادقا مع نفسه ومع الآخرين؛ الأمر الذي جعله يتجاوز أي تقيد وهو يدرك بهذا ولكن لا يستطيع تقيد حدود مبادئه وأفكاره ليتجاوز على القيم الإنسانية لأنه ملتزم بقيمها كل الالتزام؛ وهو يعي لوعة انطلاقه عبر تأملات فكرية لا حدود لها في سياق رؤية من الانسجام والتفاعل المعقد بين أفكاره والقيم (الشيوعية) وحرية تقديراته الذاتية ونقده الموضوعي لأي فكر وأطروحة فلسفية،

لان يقينه بان لا تفاحة بدون دودة،

وكل نظام وحزب وفكر لا يغيب عنه ما ينغص متعة قضم التفاحة بعيون مغمضة – كما يقول (بريخت) – لان ليس هناك من حقيقة مطلقة وكمال مطلق،

ومن غير ممكن إن يكون الإنسان مبصرا ولا يتجنب ما يخدشه وهو يعي ذلك،

ولذا فان (بريخت) يعي حقيقة التزامه رافضا إن يكون التزاما مغلقا يدار بيد بعض البيروقراطيين من المتحزبين (الشيوعيين) أو بما يسموا بـ(البرجوازيين الوضعيين) ممن خانوا الخط (الستاليني)،

سواء من كان منهم في (بون) أو في (موسكو) آنذاك،

لان (بريخت) كمبدع كان دوما يجد نفسه بكونه ابن المجتمع؛

فكان يجد في نفسه صعوبة فصل ضميره عن واقعه،

وكان يؤمن بالتغيرات المهمة التي أحدثتها (الماركسية – اللينينية) والاتجاه العلمي الذي سارت علية الدولة (الشيوعية) في (الاتحاد السوفيتي) لبناء اقتصادها،

ليجد دور الالتزام والتنظيم والعمل الجماعي يحقق اكبر قدر من الانجازات؛

لأنه أدرك بان معاناة المجتمع ليست بفعل عوامل خارج حدود السيطرة بل يمكن السيطرة عليها وتغيرها،

لان فهم (التاريخ) عند (الماركسيين اللينينين) هو فكر جماعي نضالي مستمر؛ وان حرية التفكير والنقد هي جوهر وأساس المنهج العلمي (الماركسي)،

ليشكل عند (بريخت) قناعة بهذا الفهم تنقذ أزمته النفسية التي كان قد جنح إليها في مستهل كتاباته المسرحية الأولى بالعبثية،

بعد أن كانت نظرته باتجاه العالم بان كل شيء يسير بالاتجاه العبث.. والعدم.. والفوضى.. وبعدم وجود أي نظام يحكم هذا العالم العبثي،

ليجد بان (الماركسية – اللينينية) وحدها هي من استطاعت إن تضع نظاما علميا وفلسفيا تفسر كل هذه التناقضات والأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا،

لدرجة التي أمكنتها تحويل (الاتحاد السوفيتي) من دولة محراثيه إلى دولة نووية بامتياز،

بل وأمكنتها تحويل كل ما هو سلبي إلى ايجابي وبفترة وجيزة عبر التغيير الجذري والتحرر الذي شهدها (الاتحاد السوفيتي) .

لقد تبلور هذا الفهم عند (بريخت) وأصبحت عنده قناعة بان الصراع الطبقي الذي كان قائما في ظل (الرأسمالية) ما هو إلا صراع اثر تأثيرا كبيرا وسلبيا على الإفراد و بين العلاقات الاجتماعية الاقتصادية،

وهذا ما أراد (بريخت) إن يثور عليه في إعماله المسرحية؛ ليواجه الجماهير بان مثل هكذا أوضاع لا يمكن عليها،

السكوت؛ ولابد إن يضع لها حد؛ لان معاناة الإنسان لا بد إن يكون لها نهاية،

ومن خلال هذه الرؤية أراد (بريخت) تسييس المسرح عبر تقديم أعمال مسرحية هادفة تستطيع ربط الواقع المعاش بالفن من اجل تغييره،

ولما كان المبدع هو ابن المجتمع فانه يكون شديد الارتباط بمجتمعه لأنه يعيش واقعهم يتأثر بكل ما يصيبهم،

ومن هنا فان ما حصل على واقع المجتمعات الأوربية من تغيرات مهمة وثورات وحروب وصراعات طبقية؛ التي كان لها تأثير بالغ الأهمية على أصعدة العلاقات الاجتماعية الاقتصادية؛ فلا محال فان الأدب كان لا بد منه أن يتأثر بهذه الإحداث؛ وهو ما أدى إلى خلق وابتكار أساليب من الأدب الجديد ذات صلة وارتباط بهذا الواقع الذي تسير فيه الإحداث بشكل متغير وسريع،

ولهذا حاول المبدعون مواكبة ما يجري على ارض الواقع محاولة منهم لفهمه والتعبير عما يحدث من اجل التغيير،

وهذا ما أدى إلى ابتكار أساليب جديدة من الأدب والفن عبر مدارس فنية التي أخذت تظهر وتنشأ بفعل التغيرات الحاصلة على ارض الواقع؛ فتضع مناهج جديدة لتواكب الحداثة والتطور بما تعبر عن واقع المحن التي تعيشها المجتمعات؛ ليكون التعبير عنها شديد التماس مع معاناة الإنسان،

وهو ما أدى بالمبدعين إلى مراجعة الذات وفحص منظومة الحياة لكي يوازوا الحدث ولكي يعبروا عنه بعيدا عن الصيغ التقليدية المصطنعة والمزيفة السابقة،

لان نظرتهم إلى الحياة وفق هذا المنظومة الاجتماعية يتطلب من الأدب والفن المشاركة.. والإفصاح.. والاقتسام.. والتعايش.. وتغيير المألوف..

وتعترف بالتعددية والاختلاف.. وترفض الأفكار الجاهزة اللامعقولة؛ بقدر ما تتجه إلى مواجهة المتلقي عبر واقعه.. وأحلامه.. وكوابيسه.. وأمنياته.. وطموحاته،

ليكون المتلقي جزء من العمل الأدبي والفني يشارك ويتفاعل مع إحداثه،

لان هذه المشاركة هي التي تولد عملية التغيير التي يسعى الأدب والفن طرحه في الأعمال الإبداعية}

لان (المبدع) لديه شعور وموقف وباعث لخلق العمل الأدبي أو الفني بما يمتلك من أحاسيس ومشاعر قد لا يشعر بها الإنسان العادي؛ ولكن حين تواجهه لا محال ستثير في أعماقه باعثا يحفزه لتغيير بما أثار في أعماقه من قلق وتساؤلات،

لتكون المشاركة بين الطرفين معرضة لنقد وفق هذا المنظور؛ أي بين المتلقي والمرسل،

الذي يسهم في تطوير الإبداع جماليا،

وهذا النقد قبل أن يكون متوجها من المتلقي فان المرسل – الذي هو المبدع – يلجئ إليه أثناء تأليف العمل؛ وهو ما ينشا ويفرز عنده الكثير من التعديلات من حيث الحذف.. والابتكار.. والإضافة،

بغية ارتقاء بالصورة والمشهد إلى نقطة التعبير بأسلوب الأكثر تأثيرا وإيقاعا في النفس من تسامي،

فمارس (بريخت) هذا (النقد) باتجاه القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية .

فعلى صعيد أعماله المسرحية فان جل أعماله المسرحية والتي يربو عددها بنحو ( خمسة وأربعين نصا مسرحيا)،

وما زالت مسرحياته حاضرة على خشبة مسارح العالم حيث يعتبرونه نقاد المسرح من أفضل كتاب ومخرجي للمسرح المعاصر بعد شكسبير(1564 – 1616) و مولير (1622-1673) و جوته (1749 – 1832) و شيلر (1759 – 1805) و جورج برنادشو(1856-1950)،

ونذكر منها (دائرة الطباشير القوقازية) و(الأم شجاعة) و(حياة غاليليو) و(الخوف في الرايخ الثالث) و(المعيار) و(القرار) و(كومونه باريس) و(محاكمة لوكولوس) و(السيد بونتيللا) و(الإنسان الطيب) و(إدوارد الثاني ملك إنجلترا) و(أوبرا الثلاثة قروش) و(الاستثناء والقاعدة) و(جان دارك) و(القائل نعم والقائل لا) و(يوحنا المقدسة على المذابح) و(رجل برجل أو الرجل هو الرجل أو الإنسان هو الإنسان) و(الرؤوس المستديرة والرؤوس المدببة) و( طبول في الليل،

التي أعاد كتابتها بعد إن كانت تحمل عنوان سبارتاكوس) و(في أحراش المدن) ومسرحية (الإنجيل) و(بال أو بعل 1918) والى أخره .

فاغلب أعماله المسرحية ما هي إلا توجهات نقدية لما التمسه من معطيات الواقع وهو الأمر الذي قاده إلى تجديد المسرح بعد إن رفض أساليب المسرح القديمة بكل ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكون عليه المسرح؛ فأسس (المسرح النقدي الملحمي)،

حيث عمل (بريخت) في المسرح النقدي في رسم شخصيات العمل وربطها بالواقع (المادي) ومن ثم يجعل الجمهور ينقد ما يشاهده بشكل ايجابي وهو أسلوب ابتكره (بريخت) لكي لا يجعل من المتلقي فحسب متلقي سلبي على ما يعرض على خشبة المسرح بل يشارك بفكره وبنقده في الأحداث التي تمثلها الشخصيات لكي يشارك في عملية التغير الأوضاع القائمة