حديقة المقالات

الفلسفة والعلم والدين للشيخ عبدالباقي سرور نعيم

الفلسفة والعلم والدين : مقال للشيخ للشيخ #عبدالباقي_سرور_نعيم الفلسفة عبارة عن نظريات محدودة تفسر بها ظواهر الكون، وهي مذاهب مختلفة تتجلى فيها شخصية أصحابها، وما كانت قط علماً خاصاً له موضوع وغاية

الفلسفة والعلم والدين للشيخ عبدالباقي سرور نعيم

الفلسفة والعلم والدين(1) للشيخ عبدالباقي سرور نعيم

الفلسفة عبارة عن نظريات محدودة تفسر بها ظواهر الكون، وهي مذاهب مختلفة تتجلى فيها شخصية أصحابها،

وما كانت قط علماً خاصاً له موضوع وغاية، بل هي في الحقيقة مذاهب تقوم في كثير من نواحيها على الاستنتاج كما تقوم على الظن الشخصي تارة، والرغبة والميل تارة أخرى؛

فنظرياتها ليست وليدة الاستنتاج دائماً، ولا ناشئة عن التفكير المنطقي غالباً،

بل كثيراً ما تكون ناتجة عن الميل الشخصي، أو حب المتابعة والتقليد لفيلسوف سابق؛

فالمذهب الجديد يضم بين جوانبه قضايا مسلمة كثيرة، بعضها مأخوذ بالحرف من مذهب سابق،

وبعضها قائم على الهوى والميل الشخصي.

ومن أجل ذلك كثرت المذاهب الفلسفية، وتعددت وناقض بعضها بعضاً؛

ذلك بأنها غير قائمة على قواعد متفق عليها، ولا على بَدائِهَ معترفٍ بها،

بل قائمةٌ على التقليد تارة، وعلى الهوى والميل تارة أخرى.

ضعف المذاهب الفلسفية

ومن هنا كانت المذاهب الفلسفية ضعيفة الأثر في هداية الناس إلى سعادتهم الدنيوية فضلاً عن سعادتهم الدينية.

أما العلم فهو ينقسم إلى قسمين: قسم عملي أنتج الماكينات والآلات والأجهزة،

وهذا بالطبيعة قد أنتج تقدماً دنيوياً، وساعد على رقي الحضارة.

والقسم الثاني: هو الفروض التي فرضها العلماء وسموها نظريات العلم، وهذه قابلة للتغيير والتبديل،

وما وضع منها من مدة قرن لا يبقى منه في القرن التالي إلا نظرية أو نظريتان، والباقي له قيمة محدودة بالزمان.

لا يمضي على الفروض العلمية جيل أو جيلان حتى تأخذ العقول في وزنها،

والبحث عن قيمتها، والفحص عن نصيبها من الصحة ومطابقة الواقع.

وينتج من هذا الوزن والبحث أساليب حديثة تكتسح طرق التفكير العتيقة؛

فينتابها التغير، وتخضع لمبادئ مستحدثة؛ فكل قرن له أساليبه وفروضه،

وكل قرن يأتي بتبديل وتغيير في أساليب البحث وفروض العلم.

والجاهل الغبي يظن أن فروض العلم ثابتة لا تتغير،

مع أن نظريات القرن السابع عشر قد أتت عليها نظريات القرن الثامن عشر،

وفروض القرن الثامن عشر قد محتها فروض القرن التاسع عشر.

سنة العلم

ذلك شأن العلم في سيره، وتلك سنته في حياته، لا يبقى منه سوى ما صلح للعمل، وأصبح ملك المعامل والمصانع.

أما ما في الكتب فهو عرضة للتغير وللتبدل؛ لأن حركة العقل في تقدم،

والفروض ما وجدت إلا لتقنى، وقد كتبت على أنها فروض لا على أنها حقائق؛

فمن الجهل والظلم للعلم أن نظن أن فروضه ونظرياته حقائق ثابتة لا تقبل النقص.

من هنا يتبين لك أن الحقائق العلمية شيء والنظريات العلمية شيء آخر.

وهنا يأتي سؤال: هل بين العلم والدين تناقض؟ وهل بين الدين والفلسفة تنازع؟ وهل يمكن أن يتآخى العلم مع الدين؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة ينبغي أن يحدد معنى العلم تحديداً تامََّاً؛

فإن أرادوا من العلم المعنى الواقعي الحسي الذي أنتج الحضارة فليس بينه وبين الدين تناقض ألبته؛

لأنه عبارة عن تطبيقات تعمل في المعامل، وهذه الأمور لها دخل في إصلاح البشرية وتهذيب الحضارة،

وهي بهذا الاعتبار غرض من أغراض الشارع يأمر ويحث عليه؛ فهي من مطالبه،

وداخلةٌ في فروض الكفايات؛ فلها نصيب وافر من أوامره وتعاليمه.

أما إن أريد بالعلم تلك الفروض التي يفرضها العلماء وهي قابلة للتغير والتبدل

فالأمر يحتاج إلى تفصيل: فتارة تكون تلك الفروض قريبة من المعنى العلمي أي بينها وبين المحسوسات درجة واحدة من الاستنتاج، وهذه لقربها من المحسوسات لا تصادم الدين؛

لأنها تبحث فيما يقرِّب من عمل المعامل، وغايتها ضبط الصور المتعددة،

ووضعها تحت نظام كلي بقدر الإمكان.

ليست حقائق علمية

وتارة تكون باحثة في أصل الكائنات، أو أصل الأنواع كفروض دارون، وهي في الواقع ليست حقائق علمية،

بل مذهب فلسفي لا يجوز أن يطلق عليه اسم العلم، وإن ادُّعي فيه ذلك؛

لأن مواد الدليل غير موجودة، بل هو قائم في الحقيقة على قياس التمثيل،

وهو لا يفيد إلا ظنَّاً ضعيفاً، خصوصاً إن كان قياس الغائب على الشاهد.

وهذا النوع إن وجد فيه ما يصادم الدين، أو يناقضه فلا يضر الدين في شيء؛

لأنه ليس من العلم القائم على الحس والمشاهدة، أي ليس من العلم الواقعي،

بل هو محض فرض تُتَخَيَّل له علاقات منتزعة.

أما الفلسفة فلا تضر مخالفتها للدين؛ لأن مذاهبها متباينة متخاذلة،

فإذا لم يُتَّفَقْ فيها على مذهب صحيح كانت المذاهب كلها عرضة للخطأ،

وإذا كانت عرضة للخطأ لم تكن حسية واقعية فهي تحمل في كيانها عوامل انخذالها ودحضها.

هذا هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

نهاية مقال : الفلسفة والعلم والدين

الهوامش

(1) الحديقة 5/ 156 _ 161، عام 1349هـ

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_علمية

#عبدالباقي_سرور_نعيم

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى