شهدت مصر و معظم الدول العربية خلال العقدين الأخيرين توسعاً غير مسبوق في إنشاء الكمبوندات والمجتمعات العمرانية المغلقة، حتى أصبحت تضم ملايين المواطنين وتمثل أحد أبرز أنماط السكن الحديثة ، وقد ارتبطت هذه المجتمعات بوعود تتعلق بجودة الحياة والأمن والخدمات والتنظيم العمراني، إلا أن الواقع العملي أفرز إشكالية قانونية متنامية تتمثل في اتساع سلطة المطور العقاري على حساب حقوق الملاك، في ظل غياب إطار تشريعي متكامل ينظم العلاقة بين الطرفين بعد إتمام البيع والتسليم.
لم تعد بعض الكمبوندات في الواقع العملي مجرد تجمعات سكنية مغلقة، بل أصبحت – بفعل الفراغ التشريعي – أقرب إلى “إمارات خاصة”، يضع المطور العقاري فيها القواعد، ويعدلها، ويفرض الجزاءات، ويحدد الرسوم، ويتحكم في كثير من تفاصيل الحياة اليومية داخل المشروع، بينما يجد المالك نفسه، رغم امتلاكه للوحدة وسداده كامل ثمنها، خاضعاً لمنظومة من القرارات تصدر بإرادة منفردة دون مشاركة حقيقية أو رقابة فعالة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أراد المشرع أن تتحول المجتمعات السكنية إلى إمارات، أم أن هذا الواقع هو ثمرة فراغ تشريعي آن أوان معالجته؟
ففي كثير من المشروعات لا يقتصر دور المطور العقاري على إنشاء المشروع وبيع وحداته، وإنما يمتد عملياً إلى إدارة المجتمع السكني والتحكم في الخدمات والمرافق ووضع اللوائح الداخلية وفرض الجزاءات وتحديد رسوم الصيانة والخدمات، بل والتدخل أحياناً في تفاصيل تتعلق باستخدام المالك لوحدته الخاصة. وهنا يثور التساؤل الجوهري: ما هو الحد القانوني لسلطات المطور العقاري؟ ومن يحمي الملاك من التعسف المحتمل في استعمال هذه السلطات؟
المشكلة لا تكمن في وجود لوائح تنظيمية داخل الكمبوندات، فهذه اللوائح قد تكون ضرورية للحفاظ على المظهر الحضاري وإدارة المرافق المشتركة، وإنما تكمن في غياب الضوابط التي تحكم تلك اللوائح. ففي العديد من المشروعات يتم إصدار قواعد ومخالفات وغرامات لم تكن واردة في العقود الأصلية أو كراسات الشروط التي تعاقد على أساسها المشترون، ثم يتم تطبيقها باعتبارها أمراً واقعاً لا يملك السكان سوى الامتثال له.
وتظهر الأزمة بصورة أوضح خلال مراحل التشطيب، حيث يواجه بعض الملاك اشتراطات متغيرة تتعلق بالخامات المسموح باستخدامها أو الشركات المصرح لها بالدخول أو رسوم إضافية لم تكن معلنة وقت التعاقد. وفي أحيان أخرى تتحول التصاريح أو الخدمات أو الموافقات الفنية إلى وسيلة ضغط لإجبار المالك على سداد مبالغ محل نزاع أو القبول بشروط جديدة لم يتفق عليها ابتداءً.
كما تبرز مشكلة أخرى تتعلق برسوم الصيانة والخدمات، إذ يسدد كثير من الملاك مبالغ كبيرة مقدماً تحت مسمى وديعة الصيانة أو رسوم الصيانة طويلة الأجل، ثم يفاجؤون بعد سنوات بمطالبات مالية متزايدة أو رسوم إضافية دون وجود شفافية كافية بشأن أوجه الإنفاق أو مبررات الزيادة، ومع غياب الرقابة الفعلية على ميزانيات التشغيل والصيانة، تتحول العلاقة بين المطور والسكان إلى علاقة غير متوازنة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة.
ومن الناحية القانونية فإن المطور العقاري ليس جهة تنظيمية أو سلطة عامة، وإنما طرف تعاقدي يخضع لأحكام العقد والقانون. وبالتالي فإن سلطته ليست مطلقة، ولا يجوز له من حيث المبدأ فرض التزامات أو رسوم أو قيود جديدة بإرادته المنفردة ما لم يكن لها سند تعاقدي أو قانوني واضح. كما أن أي لائحة داخلية يجب أن تظل في حدود ما يسمح به العقد وألا تتحول إلى وسيلة لفرض التزامات لم يوافق عليها الملاك عند التعاقد.
ورغم محاولة المشرع معالجة بعض الجوانب التنظيمية من خلال نظام اتحاد الشاغلين الوارد بقانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية، فإن التطبيق العملي كشف عن قصور واضح في مواجهة الواقع الجديد للمجتمعات السكنية الكبرى. فالقانون لم يضع تنظيماً تفصيلياً لمرحلة انتقال الإدارة من المطور إلى الملاك، كما لم يحدد بصورة واضحة الحدود الفاصلة بين سلطات المطور وسلطات اتحاد الشاغلين.
وتثور هنا إشكالية إضافية تتعلق ببنية اتحاد الشاغلين ذاته، إذ تمنح بعض النصوص دوراً محورياً لـ”المالك” دون أن تحسم بصورة واضحة المقصود بهذه الصفة داخل الكمبوندات الحديثة. فهل المقصود مالك الوحدة السكنية أم المطور العقاري بصفته المالك الأصلي للأرض؟ وماذا يحدث إذا كان غالبية أعضاء الاتحاد من الشاغلين بينما يحتفظ المطور أو الشركات التابعة له بنسبة مؤثرة من الوحدات غير المباعة؟ وهي تساؤلات عملية أصبحت مطروحة بقوة مع توسع المشروعات السكنية الضخمة، وتكشف الحاجة إلى إعادة النظر في بعض الأحكام التي صيغت في ظل واقع عمراني مختلف.
إن المشكلة الحقيقية لا تتعلق فقط بالمخالفات أو رسوم الصيانة، بل تمتد إلى غياب التوازن المؤسسي بين المطور والسكان. ففي كثير من الأحيان يظل المطور هو من يضع القواعد ويفسرها ويطبقها ويستفيد مالياً من بعض آثارها، في الوقت الذي لا يمتلك فيه الملاك أدوات فعالة وسريعة لمراجعة تلك القرارات أو الاعتراض عليها.
ومن ثم فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إصدار تشريع متكامل للمجتمعات السكنية المغلقة يواكب التطور العمراني الذي شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة، ويحدد بصورة دقيقة حقوق والتزامات المطورين والملاك، وينظم انتقال الإدارة إلى اتحاد الشاغلين، ويفرض معايير للشفافية المالية، ويضع قيوداً على فرض الرسوم والغرامات، وينشئ آليات فعالة وسريعة للفصل في المنازعات الناشئة داخل هذه المجتمعات.
فالتنمية العمرانية لا تقاس فقط بعدد المشروعات التي يتم إنشاؤها، وإنما تقاس أيضاً بمدى قدرة النظام القانوني على حماية حقوق من يسكنونها. وإذا كانت الدولة قد نجحت في بناء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة وفق أحدث المعايير الهندسية، فإن المرحلة المقبلة تقتضي استكمال هذا النجاح بإطار تشريعي حديث يحقق التوازن بين حقوق المطورين وحقوق الملاك، ويحول دون تحول الكمبوندات إلى مجتمعات تدار بإرادة منفردة دون رقابة أو مساءلة فعالة.
Be the first to comment on "من يحكم الكمبوندات: القانون أم المطور العقاري؟"