حديقة المقالات

مأساة الإلحاد المعاصر

مأساة الإلحاد المعاصر مقال للكاتب نور الدين قوطيط تناول فيه اعترافات عدد من الملاحدة بوجود الخالق ومعاناتهم النفسية من إنكار هذا الاعتقاد والتظاهر بضده

مأساة الإلحاد المعاصر

بقلم : نور الدين قوطيط

لا أزال أذكر كلمة قرأتها لملحد نطق بها في لحظة صدق مع الذات قال:

« ربما لا توجد آية في القرآن أصدق من قوله: {{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا }}.(1 )

لقد قضيتُ عامين في الإلحاد لم أذق فيهما طعم الراحة!! ».

بول سارتر

شبيه بهذا الاعتراف الصادق الكاشف؛ نجده عند أحد أئمة الإلحاد المعاصر، إنه الوجودي جان بول سارتر _ت 1980_:

« الإلحاد أمر أليم وقاس، فثبوت غياب الإله أشد وطأة على النفس من ثبوت وجوده».(2 )

ومثله نجده عند الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي _ت 1999_:

لابد أن نختار

أن نقبض الريح وأن ندور الأصفار

أن نجد المعنى وراء عبث الحياة

فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار.(3 )

تولستوي

أيضاً تولستوي الروائي الروسي _توفي 1910_، هذا الرجل الذي تخطت شهرته حدود بلده إلى العالم أجمع،

والذي عاش في ظلال مجد دنيوي عريض، قبل أن يصل إلى بر الإيمان،

اعترف بأنه فكّر طويلاً في الانتحار، يقول:

« وكانت فكرة الانتحار تخطر لي في كل يوم، بل كل ساعة، كما كانت فكرة الجهاد في سبيل كمال الحياة، رفيقة لأحلام شبابي.

وقد لزمني هذا الفكر وكان يبدو لي جميلاً جذاباً بهذا المقدار حتى اضطررت أخيراً أن ألجأ إلى وسائل عديدة للحؤول دون تنفيذه بسرعة،

ولم يحملني على التردد في الانتحار سوى رغبتي في استعمال كل قوى حياتي في تنظيف أفكاري من أقذار الأوهام العالقة بها ولو لم يتم لي هذا لكنت أقتل نفسي في الحال ».( 4)

إيليا أبو ماضي

وهي نفس المعاناة التي قاسى آلامها الشاعر الشهير إيليا أبو ماضي ، وعبّر عنها نظماً في قصيدة الطلاسم الطويلة، كما في المختارات التالية:

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود

أتمنّى أنّني أدري ولكن..

لست أدري!(5 )

ثم سار على هذا المنهج، كاشفاً عن حيرته العنيفة القاتلة، وتساؤلاته التي لا يجد لها جواباً!

أنتوني فلو

ولدينا أنتوني فلو الذي لُقّب بأشرس الملاحدة، والذي قضى عقوداً طويلة من عمره في بيئة الإلحاد، منظّراً ومناظراً.

فهذا الرجل رغم أنه قضى عمراً مديداً في الإلحاد كما قلنا، إلا أنّه في النهاية لم يستطع مقاومة نداء الفطرة ودلائل العقل ومعطيات الكون،

ومن ثم أعلن عودته إلى الإيمان بوجود إله خالق، وأثبت ذلك في كتابه المعنون بـ (هناك إله).

وليس هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم سوى نماذج قليلة ممن عبّر عن إحساس الألم ومقاساة المأساة، بعد أن دخل النفق المظلم بسبب عدم الإيمان،

بل هناك كثيرون! فليست أزمة الإنسان في العصر الحديث،

وهي أزمة متعددة الجوانب، رغم كل ما توفر لديه من أسباب الرفاهية واللذات والحرية إلى أبعد مدى ممكن،

ليست سوى ترجمة عملية للمآلات الوخيمة لمصادمة الفطرة وخنق نداء العقل وعدم الاستجابة لدلالات الكون والحياة، ومن ثم رفض الإله!

شعور العدمية

إنّ المأساة و شعور العدمية والاغتراب، والإحساس بتمزق الأواصر بين الذات والعالم، هي الحقيقة المرة التي يواجهها الملحد _الواعي بمعنى الإلحاد_ عند كل لحظة من لحظات الصدق مع الذات!

وإنّها المعاناة القاسية التي يتجرّع مأساتها الملحد بصمت رهيب كئيب!

ومن ثم؛ لا يمكن أن يهنأ بحياته، ولا يمكن أن يعيش حياة طيّبة!

فلا جرم أن نقول _إذن_ بأنّ الملحد عندما يفكر؛ فإما أن يعود إلى الإيمان أو أن ينتحر،

وليس له خيار ثالث، لأن المقولات المؤسّسة للإلحاد لا تساعد الملحد على مواصلة الحياة في أفق الانسجام بين فطرة الوعي وبين معطيات ودلالات الحياة والكون،

بل بالحري أنّها تعمل على القذف به في أتون الشعور بالتمزق والاغتراب وفقدان الانتماء.

ولهذا تسقط _إلحادياً_ كل المبررات لاستمرار الحياة في إطار مختلف الإكراهات والضغوط والعراقيل التي يتعرّض لها الملحد

من حيث هو إنسان مجبر على الخضوع لسنن وشروط ثابتة وصارمة، جعلها الله تعالى حاكمة في عالم الدنيا.

هذا السقوط ناتج عن تعرّض الملحد للضغط بين طبيعة الفطرة فيه من حيث هو إنسان، ومتطلّبات الكون والواقع والحياة.

بصيغة أخرى يقول أ. عبد الجليل الكور:

« إن كون الإلحاد لا ينفك عن إدراك محدودية الوجود الإنساني يجعل مواصلة الاستدلال إلى نهايته تقتضي من الملحد الجاد مواجهة حافة الانتحار.

فإدراك أن الوجود البشري مفتوح على العدم في مصدره ومآله يُوجب الإسراع إلى إنهائه لإيقاف الاستمرار في معاناته الضرورية بلا جدوى ».( 6)

الفناء والراحة الأبدية

وإذا كان المرء يعجب لملحد يرفض الانتحار بحكم إيمانه بأنّ الموت فناء وراحة أبدية، وتشبّته بالحياة رغم مقاساته المأساة والمعاناة، على المستوى المعرفي والنفسي والسلوكي والاجتماعي،

فإن ذلك كله ليبرهن برهنة ساطعة على أن جوهر الإنسان لا ينتمي إلى هذا العالم المادي المحدود القاصر،

بل ينتمي إلى عالم اللاحدود، عالم الكمال والامتداد اللانهائي.

وما وجوده في هذا العالم الفاني إلا لمدة ضئيلة جدّاً لأداء مهمة معينة، ثم يذهب إلى مصيره الأبدي الخالد:

{{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا }}.(7 )

إن مشكلة جمهور الملاحدة أنهم لا يفكرون تفكيراً جاداً في لوازم الإلحاد الفلسفية والقيمية،

بل لا يعيشون هذه المقتضيات بشكل عملي كامل، ولذلك لا يدركون فظاعة الإلحاد!

ويبقى هنا سؤال مهم: ما أسباب هذه المأساة الخانقة التي يفتح الإلحاد أبواب جحيمها على الملاحدة؟

هذا ما ستتم معالجته باختصار في الجزء الثاني بحول الله.

والحمد لله رب العالمين

الهامش

  1.  طه/124
  2.  (خرافة الإلحاد). عمرو شريف/ صـ 39/ مكتبة الشروق الدولية. 1435-2014.
  3.  (الأعمال الشعرية). جـ 2 صـ 96/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995.
  4.  (اعتراف تولستوي). صـ 31/ ترجمة أنطونيوس بشير/ دار سؤال للنشر، لبنان. طـ 1/ 2015.
  5.  (ديوان إيليا أبو ماضي). صـ 191/ دار العودة، بيروت.
  6.  (لماذا لست ملحداً؟ في إمكانات التعليل العقلي). صـ 19/ إبداع، طـ 1، 2016.
  7.  النساء/173