الإنسان على الأرض للعلاَّمة محمد الطاهر بن عاشور

الإنسان على الأرض : أن الأرض التي نحن عليها قد مرَّت عليها تقلبات مهولة معجبة في أحقاب طويلة جرَّأَ طولها العلامة هتون الجيولجي البركاني الشهير أن يقول إني لم أجد في بنية العالم أثراً للبداية ولا أملاً بالنهاية .

الإنسان على الأرض للعلاَّمة محمد الطاهر بن عاشور

الإنسان على الأرض (١) للعلاَّمة محمد #الطاهر_بن_عاشور (٢)

جرى بين التلاميذ في خلال زمان قريب كلام في تقدير عمر نوح _ عليه السلام _ فحدا بقلم بعض العلماء المحققين(٣) إلى تبيان الحق،

ذلك البحث الذي نشرته مجلة السعادة العظمى في عددها الرابع.

ولقد أجاد في دفعه وأقنع، ولكن أرى بقية تبيان هذه المسألة وتعضيداً للكاتب الأول بالتحقيق النظري،

والسنة الطبيعية عادلاً عن توجيه إمكانه بفلتات الطبيعة؛ فإن الطبيعة إذا فلتت في عام أو عامين أو قرن أو قرنين

، لا تذهب في فلتتها إلى حدّ آلاف سنة، ثم إن الآية تقضي أنه لبث في قومه تلك المدة،

والقوم هم هم بحسب ما يعرف من بقاء قوم الرجل معه، وأنهم الذين استأصلهم الله تعالى بالطوفان، كما داموا على كفرهم والسخرية بشرعة ربهم.

ومن المحال أن تكون هاته كلها فلتات من الطبيعة، ونشر هاته المسائل بعد طيِّها هو الذي قضى علينا أن لا نتركها تلوح وما تلوح، وتناجي بسرها وما تبوح.

ستكون خطة بحثنا هنا في التحقيق: هل منح الإنسان بمائة وعشرين سنة من العمر موهبة طبيعية أم جعلية؟

وهل هي هبة قديمة تقارن نشأته أم طارئة على ذلك بحدثان ؟

يثبت علم الجيولوجيا _ وإن اختلفت آراء أصحابه في طرق الإثبات

أن الأرض التي نحن عليها قد مرَّت عليها تقلبات مهولة معجبة في أحقاب طويلة جرَّأَ طولها العلامة هتون الجيولجي البركاني الشهير أن يقول إني لم أجد في بنية العالم أثراً للبداية ولا أملاً بالنهاية .

وأثبت أن الأرض ما كانت في ابتداء نشأتها في الزمن الأول من الأزمان الكبرى التي تبدلت فيها أطوارها كما هي اليوم،

ولا كانت في الزمن الثالث الذي خلقت فيه الحيوانات والإنسان كما كانت أولاً (٤) ولا تكون غداً كما تكون اليوم،

بل هي كأبنائها يَعْتَورها طفولة وشباب، وفتوة وهرم.

علم الآثار

والذي أنبأهم بذلك ما وجدوا في البحث عن أعضاء الحيوان من جثث كائنات عضوية لا تعرف في كائنات العصر الذي دون فيه تاريخ العلوم،

والذي ابتدأ البشر فيه كتابة مشاهداتهم، لا نقول قبل أن يكتب أرسطو كتاب نعت الحيوان،

بل قبل أن ينقش سكان وادي النيل على مسلاتهم ونواويسهم صور حيواناتهم المعروفة، وقبل أن يرسمها مصورو قرطاجنة على الفسيفساء(٥).

ما أشبه الليلة بالبارحة، لم يزل التاريخ يعضد بعضه بعضاً، قد أثبت العلماء اليوم أن  الكركدن (٦) قد أخذ ينقطع تناسله منذ مدة،

ولا يلبث معنا على الأرض غير زمن قليل حتى يبارحنا ملتحقاً بإخوانه من أصناف الحيوان التي أخنى عليها مرُّ الزمان،

فإذا كان اليوم من يتنافس في قرنه يضع الإناء المنحوت منه في مواضع التباهي والفخر

فما نحن ببعيد أن نصير نتنافس اقتناء عظامه من طبقات الأرض ومصارع الهلك؛

لنضعها بالمشاهدة العمومية والمكاتب الزولوجية؛ تعليماً لخلفنا، وتصديقاً لسلفنا .

حيلة البشر

هذه الأطوار التي لحقت كرتنا، فصرعت أصنافاً من الحيوان شديدة القوى،

ورمتها رمي الملتقف أيدي الزيال والنوى ما نالت من الإنسان ما نالت من غيره،

كأن حيلة البشر قد أنجته من حيث لا يجد حيلة،

وكأن هذا الضعف الذي كان قرينه _ وإن أضرَّ به عند ملاقاة الضواري _ فقد نفعه يوم تركه يتعظ بمصارعها، ويربع في مراتعها،

كما اللين الصوفة حين تدقها المطارق، وأضرها حين ترمي بها الرياح فجاج المخارق،

لكنها نالت منه شيئاً واحداً، هو عدم نسبي، وهو الأخذ من العمد؛

فقد كان البشر في أول العالم يبلغ بعيشه إلى ألف من السنين، دام على ذلك يبسط لها يداً،

ثم ينفضُّ عنها وما يبعد أحداً حتى رمى الله هذا العالم بالطوفان الكبير في آخر حياة نوح _ عليه السلام

فذلك كان الطور الرابع للأرض أنهك من قواها ما أنهك، وأبرد من حرارتها ما أبرد،

يومئذٍ كتب الله على البشر، كما تقول التوراة، أن لا يعيش أكثر من مائة وعشرين سنة،

ولكن التوراة أثبتت أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن عاصرهما من ذوي الأسماء قد جاوزوا بآجالهم هذا العمر المكتوب على البشر دام ذلك إلى زمن موسى.

الإنسان على الأرض : الطوفان حال دون العيش المديد

وفي الحقيقة ما كان الطوفان إلا حائلاً للبشر دون العيش المديد،

ولكنه ترك بقية تزيد على المائة والعشرين وإن كانت هي الغاية المقصودة غبَّاً على ما تذكر التوراة،

ولكن الوصول إلى الغايات في ناموس الكون الذي سنه الله _ تعالى _ لا يكون إلاَّ على درج الوصول التدلي هبوطاً والارتقاء صعوداً [وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] الأحزاب :62 .

ولقد أفضى ضعف الأرض بالإنسان إلى أن صيَّر عيشه إلى الأجل الموهوب له بعد النجاة من أهوال الطوفان شيئاً نادراً هو المعدود من فلتات الطبيعة،

وما عيش مائة وعشرين سنة اليوم ومائة وثلاثين إلاَّ شيئاً واحداً في الوقوع من الندرة والتعجب الموقع المتطرف.

وقد يعد كثير من العلماء العمر الطبيعي اليوم مائة سنة فقط،

وهو المعضود بالتجربة التي هي آخر ملجأ نريد أن نثوب إليه في تحقيق العمر الطبيعي في كل عصر.

قد رأيت أن المائة والعشرين من السنين ما كانت إلا موهبة طبيعية باعتبار زمن معلوم ومبتدأ طور أخير من أطوار الأرض،

هو خاتمة الأطوار المزعجة، والانتقالات المهولة.

وأما انتقالها بعد ذلك في مراتب الضعف ومتابعة كل من عليها لها في هذا الانتقال فشيء تدريجي خفي،

كما ينتقل الرجل كل يوم إلى وهدة من وهدات السقوط بعد اكتهال، أو انتقال اليافع إلى ربوة من النهوض قبل الفتوة.

واستقراء أحوال عيش الأمم في كل عصر هو معدل العمر الطبيعي فيه.

الإنسان على الأرض : آيات الله في الآفاق

لاشك أن وراءنا من أخبار العالم أعجب مما رأينا، وقد قال _ تعالى _:[وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً]الفرقان:38.

وكتاب آنسنا صدقه في غير موضع، وآمنّا به في كل عظيم، وبعد أن رأيناه والزمان ينصره في كل آونة،

ويصدِّق وعد الله _ تعالى _ الذي وعد بقوله:

[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]فصلت: 53 ،

ما كان ينبغي لنا أن نسرع إلى منابذته لنعق ناعق، أو نخنع فيه إلى سوق سائق،

بل نجعله الشهيد وإن تمالأت على غيره الخلائق، وسنجد من معونة الله _ تعالى _ وَعِدتِه ما يصوّب أعمالنا إن كنا شبح اليوم أو هامة غد،

والله يفتح بصائر المؤمنين إلى مقدرة قدر أمور أدركها منكروها، وعذر فيها بعد الخبرة واشوها.

الإنسان على الأرض : الهوامش

(١) السعادة العظمى،العدد 6 ربيع الأنور 1322هـ،ص87_91، وقد كتبها× وعمره خمسة وعشرون عاماً.

(٢) سبقت في المجموعة الأولى ترجمة له.

(٣) الشيخ محمد النخلي.

(٤) هذا شيء اصطلحوا عليه أنتجته الفلسفة الجيلوجية والنظر في تكوين الأرض بآثارها طبقاتها،

قسموا أزمان الأرض باعتبار أطوار عظيمة مرَّت على خلقتها إلى أربعة أقسام:

الأول: زمن تكوين الأرضين الأصلية وهي الصخور العرية عن الحفريات أي المسام التي يمكن أن تبرز نباتاً .

الثاني: زمن رسوب الأرضين الثانوية المركبة من طفل وفحم وحجارة جيرية ورملية.

الثالث: الذي خلق فيه الحيوان والكائنات العضوية.

الرابع: ما نشأ بعد الاختلاط الطوفاني من نقل الماء أتربة المواضع بعضها إلى بعض وتسمى الأرضين الطوفانية.

(٥) هي المسماة اليوم =موزاييك+وهي قطع صغيرة من الحجارة المنحوتة يحصل من التئامها صور وأشكال من تلوين أجزائها اللطيفة.

(٦) وربما قيل الكركند حيوان يسميه العرب الحريش أخذاً من الأحرش، لخشن الظاهر من الحيوان وغيره لأن جلده شديد،

وحسبه أنه لا تعمل فيه طعنة ناب الفيل إذا احتدما لخصام، ذكره صاحب القاموس وشدد داله،

ونسب تشديد نونه إلى العامة، وذكره في (ح ر ش) من الصحاح ويسمى الحمار الهندي وهو عدو الفيل له قرن على رأسه يفتك به فتكاً شديداً،

وله شبه بالفيل في جلده وبعض خرطومه، ولكن له شبه بالحمار؛ من أجل ذلك قيل في الخرافات أنه متولد بين الفيل والفرس،

قضى ثقل قرنه عليه أن يكون مطأطئ الرأس لا عن حياء بل عن مكر ودهاء، ويقول البعض إن الحرش غيره، وهو غلط والبعض إنه ضرب منه.

نهاية مقال : الإنسان على الأرض

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_علمية

#الطاهر_بن_عاشور

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

 

 

 

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

كن صاحب أول تعليق على "الإنسان على الأرض للعلاَّمة محمد الطاهر بن عاشور"

تعليقك يثري الموضوع