مدنية الإسلام والعلوم العصرية الشيخ محمد الخضر حسين

مدنية الإسلام والعلوم العصرية

مدنية الإسلام والعلوم العصرية الشيخ #محمد_الخضر_حسين نشر المقال في السعادة العظمى _ عدد ١٢، بتاريخ ١٦ جمادى الثانية ١٣٢٢ هـ ، أكثر الكلمات تكراراً في هذا المقال :  الحياة ، الفنون، الإسلام، السلف

مدنية الإسلام والعلوم العصرية الشيخ محمد الخضر حسين

مدنية الإسلام والعلوم العصرية (1) الشيخ محمد الخضر حسين

خذ أيها الباحث الحكيم بمجامع نظرك السديد، وجُلْ به جولة بديعة الإحاطة في قوانين الشريعة المقدسة، التي نعت بها الكتاب العزيز، وأرشدت إليها السنَّة،

ثم ارجع البصر كرتين إلى الأسباب أسبابِ ارتقاء الأمم الحية، وبسطها أجنحة الاستعمار في الأرض،

ولتكن هكذا كل ذرة من ذرات جسمك عيناً تبصر، وأذناً تصغي، وفؤاداً يذكر، إلى أن تتأصل في صدرك شجرة الحكمة البارعة، وتتفرع أغصانها تحت طي لسانك.

وهلم إلينا من بعد نتجاذب أطراف الأحاديث بيننا بقسطاس صحيح، ولهجة صادقة لا تدخل على الأحكام إلا من باب الإنصاف؛

لكيما نعلم عين اليقين أَنْ لا سبيل على استيفاء لوازم الحياة الاجتماعية

إلا بإقامة قواعد الدين على الوجه الذي اهتدى إليه الخلفاء الراشدون،

ومن كان على شاكلتهم من السلف الصالح، وهو المثال الذي لابد لنا من محاذاته ولو بعد حين من الدهر؛ ل

أنهم أبناء العصر الذي نزل فيه القرآن، وأخوان اللغة التي ورد على أساليبها؛

فهم أعرف بمساقاته، وأعرق في فهم مغازيه ممن سواهم.

ما تسنى لهم انتهاج تلك الطريقة الواضحة إلا لخلو جامعتهم _على سعة دائرتها_ من طائفة تجهل ما هيَّةَ الحياة الصالحة

وقفت عُرْضَةً في وجوه الخلف تسد عليهم طرق العلم بأسباب الانتظام في شؤونهم السياسية والمعاشية

حتى توهم ذو بصيرة عشواء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان.

ولربما رجفت هذه الراجفة في صدور ضعفاء الأحلام من الناشئة الحديثة.

ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً أيُّ مدنية قويمة لم يكشف الإسلام غشاوتها؟ أو حضارة نافعة لم ينشر بين أخوانه لواءها؟

تسابقت الدول في طباق العمران بمعرفة العلوم الرياضية التي من فروعها الحساب، والمساحة، وعلم التكسير،

وعلم رفع الأثقال، وعلم الحيل المائية، والهوائية، والمناظر، والحرب، والهيأة، والميقات،

والفنون الطبيعية التي من فروعها علم الفلاحة، وعلم المعادن، وعلم الطب وفروعه.

الـتأسّي بالسلف

ومن كان على بينة من الشريعة القَيِّمة عارفاً بغايات هذه الفنون لا سيما في مثل هذا العصر الذي كشف عنا الغطاء،

وأرانا من نتائجها ما أرى_لا يسعه إلا استلحاقها بالعلوم الإسلامية؛ لتستخدم في بعض الشعائر المفروضة،

ويتطرق بها إلى اغتنام السعادة في الدنيا التي هي الكافل للسعادة الأبدية.

ولقد فعل ذلك ذوو الفطر السليمة من علمائنا الذين لم ينكثوا أيديهم من الـتأسّي بذلك السلف في التمتع بلذة النظر،

وأخذ الأشياء النافعة من أي وجهة صدرت؛ فَمَحَّصوها بتطبيق أصول الديانة عليها، وغرسوها في معادن معارفهم العالية؛ فَرَبَتْ، وأنبتت من كل زوج بهيج.

ولقد أَعَجبَ مَنْ سوانا نباتُها، فاستمالوا إليهم غصونها؛ فاستحكمت جذورها عندهم، واجتنوا منها ثمراً لذيذاً.

شهد الله أن ليس الغرض من ترديد صدى هذه الجملة الأخيرة على الآذان نشر فضيلة كانت مطلوبة، أو الإعلان بمنة قوبلت بالكفران،

كلا! ثم كلا؛ إن ذلك لا يجدي نفعاً، ولا يطفئ لوعة، بل المراد إيقاد نار الغيرة على استرجاع ما أَوْرَثَناه آباؤنا الأولون.

وليست العلة في تجافينا عن هذه الفنون، وعدم تعهدها بالتنمية إلى أن أصبحت بضاعتها لدينا مزجاة_ إلا ما خُيِّل إلى بعض الجاهلين بحقائقها من أنها حية تسعى،

تساور الأفكار فتلسع عقائدها الصحيحة:

وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة *** تركته حين يُجَرُّ حبلٌ يَفْرَقُ

ثم سرت عدوى ذلك الوهم إلى إحساسات كثير ممن يظن بهم القيام بأحمالها الخفيفة،

ولربما تحاشى عن تعاليمها بعض العالمين بما فيها من المنافع؛ رهبة من إساءة الظن به، واتهامه بالإلحاد الذي تزعم العامة أنه منقوش على كل سطر من صحائفها.

هذا مع إخلادنا إلى الخمول إخلادَ مهيضِ الجناح إلى الأرض؛ فلا تتطاول أعناقنا،

أو تشخص أبصارنا إلى الاستطلاع عن الوسائل التي تأخذ بساعد الأمة إلى التدرج في طبقات السؤدد والاستعلاء؛ فنسعى لها سعيها.

اليأس والقنوط

ومن الناس مَنْ أشربوا في قلوبهم اليأس والقنوط، فلا يرجون للإسلام تقدماً،

فيميتون في أنفسهم كل قوة واستعداد، ويثبطونها عن المجاراة في مثل هذه الفنون، مما يستجلب به مصلحة، أو يدرأ به مفسدة،

فإذا سمعوا منادياً ينادي لمراجعة التفاتنا، واستدراك ما فاتنا نَغَضُوا إليه رؤوسهم سخرية،

كأنما تَطَلَّب نشر الأموات، أو كلفهم البلوغ إلى أسباب السموات،

سبحانك هذا ضلال مبين نُنْفِدُ له ماء الشؤون، ونأسف له أسفاً أليماً.

كما أن بعض المتدربين في هذه الفنون، قد يأخذهم التعاظم شأن المقلد الأعمى إلى أن يلقوا على أفواهم كلمات يهتفون بها جانب العلوم الدينية ومستتبعاتها،

يرددونها بكل مكان، ويلوكونها لوك الخيل للشكائم صباحاً ومساءاً، غدواً ورواحاً، ويريدون أن تَرَدَّى الناس جميعاً في سواء الجهالة بها.

أبمثل هاته الإرادة ينفخون في عروق الأمة حياةً جديدة؟ أولم يشعر هؤلاء بأن علوم الديانة هي عنصر المدنية الكبرى؟

ولماذا لا يقتدون بأهل النجارة والحياكة والفلاحة وسائر الصنائع؟

فإنهم على عِلْم _أعانهم الله_ أن الهيأة الاجتماعية لا يستقيم أَوَدُها إلا بحركاتهم اليومية،

ولا يحومون حول هذه الآراء العقيمة التي لا تصدر إلا ممن حرم نظره من التعلق بما وراء هذه الحياة الدنيا.

اللهم ألهمنا طريقة عادلة يستوي على ظهرها القيمِ السائرون في مضيق الإفراط، والخابطون في مهامه التفريط.

الهامش

(1) السعادة العظمى _ عدد12، 16 جمادى الثانية 1322 المجلد الأول ص177_180.

#اسماء_مقالات_مميزة

#مقالات_في_المدنية

#محمد_الخضر_حسين

اسماء مقالات مميزة : المقالات المختارة لأبرز كتّاب المقالة العربية المجموعة الثانية

اقرآ الكتاب على موقع المكتبة العربية الكبرى

 

كن صاحب أول تعليق على "مدنية الإسلام والعلوم العصرية الشيخ محمد الخضر حسين"

تعليقك يثري الموضوع